أكد روائيون ونقاد عراقيون أن الرواية العراقية تطورت كثيرا خلال السنوات الأخيرة نتيجة لوجود هامش من الحرية في البلد ونتيجة لغياب الرقيب السلطوي عن المفاصل الثقافية .
قال الروائي والشاعر جبار سهم السوداني: إن عالم الرواية العراقية اليوم يعيش حالة من الصعود أحياناً، وفي أحيان أخرى ينحدر في الرموز رغم أن الرموز الأسطورية موجودة، ورغم الواقعية فان هناك غرائبية في المشهد الحياتي الذي نعيشه وهذا مدعاة للإبداع . فمثلما كتب العراقيون القدامى ملحمة جلجامش، حيث استلوا من هذه الفجائع إبداعاً جميلاً، فإننا الآن نعيش الظروف نفسها، حيث الأرض والجبال تهتز والناس سكارى وما هم بسكارى، وهذا هو بحد ذاته عامل إبداعي للرواية، لذلك فإن العمل الروائي ينمو في ظل هذه الأجواء الغريبة والتي فيها تحولات، كذلك فإن المرحلة الحالية، هي مرحلة قلقة .
وقال الروائي سلام إبراهيم: أسباب ازدهار الرواية العراقية يعود لطبيعة التجربة العراقية، فضلاً عن ذلك هناك نمطان من الرواية تبلورا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نمط تبلور خارج العراق والنمط الآخر داخل العراق، وقد تميز كل نمط بطريقته في الكتابة وبالظروف التي اعترضته أو ساعدته على الكتابة . فالنصوص التي كتبت داخل العراق هي نصوص غامضة وغير واضحة ويشعر القارئ بأن هناك ثمة رمزية فيها كأن شرطياً يقبع في رأس الكاتب، لأن كلمة يقولها قد تقوده إلى التغييب الأبدي، أما النص الذي تطور خارج العراق فيعد من أفضل النصوص العربية، لأن النص تبلور وكتب بقيمة فنية عالية ووضوح تام ويوفر المتعة والمعرفة . أما الرواية العراقية في الداخل فليس فيها تطور كبير، بل الذي حدث هو وجود زخم كبير في الإصدارات وقد اطلعت على أغلبها، لكن لم يلفت انتباهي سوى روائيين فقط هما مرتضى كزار وأحمد سعداوي، وأتوقع لهما أن يكونا من الروائيين المهمين في المستقبل . أما البقية فإن نصوصهم ما زالت تعيش تحت سيف الرقيب، بينما نحتاج إلى رواية واضحة وتسهم في توفير معرفة إلى القارئ، لأننا لم نعد بحاجة إلى رواية غامضة تحكي لنا حكايات غير موجودة، وفي العراق الآن في كل شارع، بل في كل بيت هناك رواية .
إن الروائيين العراقيين الذين يعيشون خارج العراق كتبوا نصوصاً واضحة عن إشكالية العراق في زمن النظام السابق، كما كتبوا عن مرحلة الاحتلال ومن أبرز هؤلاء جيهان جاسم هنداوي وحميد العقابي وفاضل العزاوي وشاكر الانباري وعلي عبدالعال، لكن للأسف الشديد أن هذا النمط الواضح في الرواية العراقية لم يشع داخل العراق، لأن القارئ العراقي لم يعرف شيئاً هؤلاء الروائيين .
والرواية ستزدهر بكثافة وحتى الجيل الذي يعيش داخل العراق سوف يكتب بوضوح، وهذا الوضوح سيكون عاملاً مساعداً في تطور الرواية العراقية، فضلاً عن ذلك أن التجربة العراقية لم يمر بها أي بلد عربي آخر، حيث عشنا تحت ظل الدكتاتورية ثم الاحتلال وحرب أهلية وحرب طائفية، وكذلك وجود مجتمع متنوع الأطياف والأعراق والديانات والقوميات . كذلك لدينا تاريخ كبير ورواية متطورة لأن المؤسس للرواية العراقية غائب طعمة فرحان أرسى أسس الرواية الواقعية ثم طورها فؤاد التكرلي، لذلك لدينا كل دوافع النهوض .
هموم
وقالت الروائية العراقية عالية طالب: شاركت في مؤتمر الرواية الرابع الذي عقد في القاهرة وقيل في المؤتمر إن الزمن الآن هو زمن الرواية وليس زمن الشعر، إذ عرفنا أنه لمدة طويلة الشعر كان هو المسيطر . . فلماذا أصبح زمن الرواية اليوم هو المسيطر؟ ربما لأن الرواية بدأت في المنطقة العربية تتناول مواضيع مهمة تتعلق بواقع الحياة المجتمعية وهموم المواطن العراقي بطريقة ليست رومانسية، ليست فنطازية، ليست سحرية متخيلة وإنما غاصت في هذا الواقع، اقتنصت حيوات إيقاع المدينة وقمة المدينة ودخلت في كل الزوايا التي كان لابد لها أن تعكس صورتها لقارئ ربما لا يعلم ما الذي يجري .
وأضافت أنه في العراق وبفعل الأحداث التي مرت بنا بعد عام 2003 ولغاية الآن هناك العديد من الروايات صدرت، ووثقت ما جرى لواقع التبدل المجتمعي، الاقتصادي، السياسي العام بطبيعة المجتمع العراقي، وهذا ما لا يعرفه القارئ العربي، ونحن نقول دائماً إن الروائي قد يقف ويشارك المؤرخ في تثبيت وقائع مدينة أو زمن مضى، وهذا ما فعله الروائي العراقي، وأيضاً هناك لغة اغتراب عالية في الرواية العراقية ناجمة عن الحزن الشفيف الذي يقول: إننا ننزف دماً عبر كل السطور التي كتبتها الروايات العراقية .
وأكدت أن هناك جيلاً جديداً في الرواية العراقية ومن القصاصين بدأ يظهر إلى الساحة وهو جيل واعد جدا يضاف إلى جيل الرواد ومن سبقهم . إذن لنقل إن الرواية تخلصت من المنبرية الشعرية رغم أن الشعر أسهل وصولا إلى المتلقي بفعل المنصة الشعرية، لكن لماذا استطاعت هذه الرواية الطويلة زمنا وقراءة ووقتاً أن تأخذ هذا الحيز من الاهتمام؟ ربما بفعل مصداقيتها في نقل الوقائع وهذا ما يؤشر إلى الأدب العراقي .
ورأت عالية طالب أن الظروف القاهرة التي حدثت في فلسطين ولبنان أثرت في حياة الناس، وجدنا من خلالها نتاجاً أدبياً رائعاً ومهماً، وما زال إلى اليوم فاعلاً بحيث تستطيع قراءة ما كتبه غسان كنفاني وتشعر به اليوم، وهذا ناجم من أن التاريخ العربي دائماً يستنسخ نفسه، فالأحداث التي مرت بلبنان نحن اليوم في العراق نمر بها وما مر بفلسطين مررنا نحن بجزء منه . لذلك ما نكتبه من ألم عربي يقع داخل هذه المنظومة السياسية، العسكرية التي تعتمد مفهوم القتل والموت .
وقال الروائي محمد سعدون السباهي: علينا أن نحدد أولاً مفهوم الرواية العراقية أو الرواية العربية أو الرواية الأوروبية، لأن جنس الرواية هو جنس وافد على الثقافة العربية . لذلك فأنا وبصفتي قارئاً جيداً كما أزعم أرى أن الرواية العراقية والعربية لا توجد، وإن وجدت فإنها لا تتجاوز عدد الأصابع، فبعد رواية خمسة أصوات لغائب طعمة فرمان لا أعتقد أن هناك رواية عراقية، فكل ما يثار هو أفكار مشتتة وغير مركزة، فضلا عن ذلك أن الرواية العراقية تفتقد إلى الجرأة وإلى المصداقية، لكن ما أن قدمت روايتي كوكب المسرات إلى دار الشؤون الثقافية حتى أثيرت حولها ضجة كبيرة، لماذا لأنها تناولت المسكوت عنه في كل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية في العراق .
وأضاف أن الرواية هي فسحة كبيرة من الحرية، لذلك فإن الروائي يحتاج إلى رؤية تجاه العالم والحياة .
وأكد أن الرواية تمثل عالما جديدا لا يمكن المجاملة به على الإطلاق، فإنك إذا قرأت عشرين صفحة من الرواية تشعر هل أن الذي بين يديك هو ذهب أم تراب؟ لذلك لم أجد رواية عراقية أثارت حساسية النقد أو أثارت إشكالية نقدية أو أثارت حراكاً ثقافياً، والمطروح الآن في السوق الثقافية العراقية، مجرد إصدارات كثيرة تخلو من التميز الابداعي .
وقال الناقد المعروف فاضل ثامر: الرواية العراقية الآن تسير في منعطف جديد بعد التغيير الذي حدث في عام ،2003 بحيث نجد أن هذه الرواية بدأت مرة أخرى بالازدهار على مستويات كثيرة وأسهم الروائي العراقي الذي عاش في المنفى بانتعاش هذا الجنس الأدبي المهم وفي تطوره على مساحة واسعة جداً . حيث وجدنا الكثير من العطاءات المهمة التي تقدمت في هذه السنوات في داخل العراق وخارجه، لذلك فأنا متفائل بقدرة الروائي العراقي على التفوق وعلى تقديم إضافات جديدة . لكن تبقى وهي ملاحظة شخصية أن المبدع العراقي منذ الخمسينات ما زال هو سيد الموقف وسيد العطاء وأن الرواية العراقية لا ينتجها فقط الجيل الجديد وإنما ينتجها الذين ينتمون إلى مجموعة من الأجيال الأدبية الإبداعية الكبيرة التي بدأت منذ الخمسينيات وصولاً إلى هذه المرحلة . لكن تبقى العقدة الأساسية التي هي بحاجة إلى حسم وهي هل يستطيع الروائي العراقي خلال هذه المدة أن يبلور لغة روائية جديدة وأسلوبية تجعله يختلف جيليا عن التجارب الروائية للأجيال الماضية؟ أم انه سيبقى يكرر الأنماط ذاتها التي قدمت في مراحل سابقة، وكذلك هناك نقطة أخرى وهي هل سيستطيع أن يتمثل بشكل إبداعي حقيقي مستوى ما تحقق في مجال الثقافة العراقية من نزوع نحو الحرية ونحو التغيير ونحو الإيمان بقدرة الإنسان على بناء مجتمع ديمقراطي في أعقاب سقوط النظام السابق .
وقال الناقد بشير حاجم: إن من أهم أسباب ازدهار الرواية العراقية في السنوات الأخيرة هو الأسلوب الفني فيها . حيث إن هناك ثلاثة أطوار في هذا الفن السردي، وهي مرحلة التقليد التي بدأت منذ العشرينات وتوقفت عند السبعينات، ومن ثم مرحلة التجديد التي حدثت في الثمانينات وخصوصاً على يد الروائي العراقي الراحل فؤاد التكرلي في روايته الشهيرة الرجع البعيد وأخيراً بدأت لدينا رواية تحديثية، حيث شهدنا بوادرها في العقد الأخير من القرن العشرين .
وأضاف حاجم أن الجانب الإبداعي يتعلق كثيرا بهامش الحريات المتاحة أمام المبدع العراقي . كما أن الروائي العراقي تعلم درساً من المراحل السابقة، حيث كان في السابق يكتب الرواية بترميزية عالية جداً خوفاً من الرقيب وخشية من السلطة، وقد أتضح له لاحقا أن هذه الترميزية ليست خوفاً من الرقيب وخشية من السلطة وإنما هي مفصل جمالي وفني من الممكن أن يخدم الرواية ويرتقي بها إلى الأعلى .