في معرض توصيف حركة الشعر الحديث في تركيا، من المهم التأكيد على عدة مفاصل مرت بها هذه التجربة منذ تشكيل الجمهورية على انقاض الامبراطورية العثمانية، وتلك التغيرات التي صاحبت ذلك وتمثل بحق لحظة فاصلة في الحياة الادبية في تركيا، ومن المهم في هذا المجال ايضا استعراض المراحل المختلفة لتطور هذه الحركة الشعرية منذ ما يعرف ب (مدرسة الديوان) حيث تجمع الكثير من الدراسات، على ان بداية الشعر الحديث ارتبطت باسمين هما: احمد هاشم ويحيى كمال اللذان قلبا معايير المدرسة القديمة وأسسا لذائقة جديدة شكلت ارضية خصبة لبدء تفاعلات التجديد، التي بدورها مرت بمنعطفات وتحولات كثيرة، بمثابة الثورة في التجديد وتغيير القوالب والرؤى والأساليب.
تمثل تجربة مدرسة الديوان في الشعر التركي احدى المراحل التي تعتبر امتدادا لتركيا القديمة قبل تأسيس الجمهورية، حيث كانت اغراض الشعر ومضامينه لا تتجاوز حدود النظرة الكلاسيكية التي لا ترى ابعد من الوصف أو المديح أو الغزل السطحي مجالا لفضائها الشعري الذي اتخذ من الوزن والقافية اساسا لنظم الشعر الذي تواطأ مع سكونية المرحلة التي استرخت فيها حدود الدولة العثمانية على مناطق شاسعة من آسيا وتخوم اوروبا.
وهنا من المهم التذكير ان الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت نجح في توسيع آفاق الشعر التركي وكان الابرز في مقدمة تيار الشعر التركي الحر بحسب الانطولوجيا التي صدرت بالفرنسية عن دار غاليمار، كما يوصف بأنه اثر في جيل كامل من الشعراء واستطاع بحسب الناقد غوزين دينو ان يكسر القواعد العروضية وان يتخطى الموضوعات الثابتة والجماليات اللغوية والشكلية التي رسخها الشعراء الذين سبقوه، عبر اذكائه نار التحديث في الهشيم الشعري، ساعده في ذلك تأثره بالشعر المستقبلي الروسي، وكان باستطاعة هذا الشاعر ان يكتسب مواصفات جديدة تجمع بين الطرافة والاصالة كونها تنطلق من التراث الشعري الشعبي المكتوب والمحكي، واستطاع أيضاً ان ينشئ جدلية شعرية فريدة جعلته يقف في مصاف الشعراء الثوريين في العالم.
الوقوف على تجربة ناظم حكمت يترافق بالضرورة مع ذكر اسمين شعريين هما: احمد هاشم ويحيى كمال اللذان وضعا نهاية حتمية لمدرسة الديوان عبر انطلاقهما في تأسيس اتجاه جديد في الشعر التركي، ينأى بنفسه عن الحمولات والاشكال القديمة بحسب ما توثقه انطولوجيا الشعر التركي الحديث لمتين جلال، الذي يستعرض مراحل تطور هذا الشعر بين زمنين فاصلين، وكان لهاشم وكمال فضل احداث هذا الانتقال نحو فضاء شعري وثقافي جديد، وذلك عبر المرور التدريجي، اذ كانت تركيا تتهيأ لاستقبال كثير من المتغيرات، مثل النزعات القومية والوطنية والعنصرية ايضا، وفي هذه الفترة بالضبط ظهرت اسماء ترفع شعار الادب القومي واللغة الجديدة وتدعو إلى تكريس التركية الاتاتوركية، يترأسها الشاعر زياغوك الب وضمت في قائمتها العديد من الاسماء مثل سيفي اورهان وانيس بهيج كوريوك وخالد فخري ويوسف زيا وكان هؤلاء من دعاة النزعة القومية التركية الشديدة التعصب.
أصداء
لتوضيح مسار هذه التجربة، فإن بداية الثلاثينات بحسب الانطولوجيا نفسها، قد ارخت لردة فعل ضد ما هو سائد بظهور شعراء انضووا تحت اسم حملة المشاعل السبعة الذين نشطوا في اقامة العديد من الورش بين الجماهير، كرد فعل ضد سذاجة الادباء اصحاب النزعة المتعصبة وانشغالهم البائس في الطروحات السياسية، فقد كتب احد هؤلاء الشعراء يقول ان سبب نشر كتاباتنا بشكل مشترك، هو رغبتنا في تقديم عمل جماعي يعرض آخر التيارات الادبية في بلدنا وتابع انتم لن تجدو في كتاباتنا مشاعر الامس المتأففة، ولا ترانيم الفترة الاخيرة الضيقة، وقبل أي شيء نحن نريد التعبير عن مشاعرنا من دون الحاجة إلى مساعدة معنوية من احد.
وهنا تكون العودة إلى ناظم حكمت ضرورية لانه يعتبر من اكثر الشعراء تجسيدا للرؤية التي انطلقت من الواقع مسلحة بفهم خاص يدعو إلى التغيير بعيدا عن التعصب وضمن فهم جديد في الاساليب والرؤى ومجمل الخطاب الادبي الشعري، واعتبر بحق صاحب التجديد الاساسي في الشعر التركي بعد اعلان الجمهورية، وقد ذهب حكمت إلى الشعر الحر، فتركت تجربته صداها في تركيا وخارجها.
وحكمت بحسب الشاعر اللبناني عبده وازن فتح مفهوم الالتزام على ابعاده الانسانية، وقد لحقه كثير من الظلم بسبب القراءة الاحادية التي اخضعه لها النقاد الامميون والاشتراكيون والملتزمون، الأمر الذي دفع وازن إلى تأكيد ضرورة النظر إليه بطريقة ابعد من اختزاله في سياق هذا النوع من الادب، حيث ان ناظم ارتقى إلى مراتب المعنى الانساني الشامل بمقدار ما وصل اليه من ذروة شعرية في كل من اللغة والشكل والمضمون الذي استوحاه من الوجدان العام والذاكرة الجمعية ومن المفهوم الذي ارساه جامعا بين الشعر والحياة وجاعلا من القصيدة مرآة حقيقية للشعب وامانيه.
يقول وازن ان حكمت احدث تحولا كبيرا في الشعر التركي منذ ديوانه الاول المدينة التي فقدت صوابها 1931 وانه حتى في كتاباته الاولى اسس شعرا قائما على تقنية وروح جديدة، منفتحة على الوعي الاشتراكي، لكنها تحمل رؤية مأساوية إلى الناس افرادا وجماعات، رؤية لا تخلو من الامل والرجاء، ذلك انه عاش هموم الناس في المدينة والريف وكان دوما يبحث عن شكل جديد يلائم مضمونا جديدا، وانه كان ذا نفس ملحمي ودرامي، كتب عن الحب والامل، مثلما كتب عن اليأس والشقاء والمنفى والسلام، وانه يصعب قراءته الا بوصفه شاعر الحداثة والتاريخ والواقع وشاعرا جدليا وماديا وما ورائيا.
انني احلّق هذا المساء
احلّق في الاعالي
انني في مرتبة اسمى
من مرتبة ذلك الذي يسمع اصواتا من اللانهاية.
من جهة اخرى فقد ظهرت تيارات شعرية استفادت من التغيرات العالمية، وكان لتأثيرات اراغون ونيرودا والسيرياليين دورها في ظهور اسماء جديدة مثل احمد عارف وتورغوت اويغار الذي قال بأولوية المجتمع على الفرد. وبسبب هذا التشابه في الرؤى والمضامين حيث الالتفات للقضايا الكبرى هو الهم الرئيس للشعراء، فقد ظهرت موجة اخرى من المبدعين الذين التفتوا إلى قضايا الفرد مثل غولتن اكين، حيث عاد إلى مفهوم الالتزام، وكتب شعرا شعبيا استوحاه كثير من الشعراء مما يؤشر إلى طغيان هذه الموجة التي اخذت من الهم الاجتماعي وقضية الالتزام معيارا كبيرا لرؤيتها الشعرية.
في ثمانينات القرن الفائت بدأت تيارات الحداثة بمفهومها الاعم تؤثر في الفضاء الادبي التركي والشعري على وجه الخصوص. وهنا ظهرت حداثة اخرى تعاكس حداثة ناظم حكمت، بظهور قصائد تنطوي على جانب من الغموض والتجريد، والتلاعب بالكلمات والاهتمام بالشكل على حساب المضمون. ومن اصحاب هذا التيار جمال ثريا 1931 -1991 الذي يوضح اسلوبه بالقول نحن لا نقول ان الشعر شكل فقط، لكننا نعطي اهمية فائقة له ونجد هذا ضروريا. ويتضح هنا ان موجة شعرية جديدة بدأت تظهر تهتم بالرؤى الجمالية وحيادية النص وتزويق اللغة.
جمال ثريا من مواليد ارزنجان اصدر مجلة باسم بابيروس عام ،1960 ونشر اول قصيدة له عام 1958 بعنوان اغنية بيضاء وهو من ابرز الشعراء المعاصرين كما يعتبر احد اهم مؤسسي تيار التجديد الشعري الثاني للرد على تيار الشعر الذي مثله ناظم حكمت وايضا تيار التغريب الذي مثله اورهان ولي ومليح آندي واوكتاي رفعت.
ويشار إلى ثريا باعتباره من دعاة تبسيط الشعر حتى يكون متاحا امام شريحة كبيرة من الناس، وكان شعره اقرب إلى المحاكاة اليومية لتفاصيل وحيوات الافراد وعاداتهم، وقد امتلك ثريا ثقافة كبيرة اهلته ليكون واحدا من اكثر الشعراء شعبية في حينه، وأطلقت بعد وفاة ثريا جائزة باسمه كما قام اصدقاؤه بإعداد ببليوغرافيا تتضمن حياته واشعاره، ومن مؤلفات هذا الشاعر ديوان افرجينكا في عام 1958 والرحل وكلمات العشق 1984 وكتابات تنويرية 1992 ومع قبعتي المليئة بالورد 1976 وغيرها.
ومع الانتقال إلى مرحلة التسعينات التي تنبئ ذائقتها عن تغير في ملحوظ في المضامين والرؤى ظهرت تجارب من الشعر التركي الحديث يطلق عليها ايدا. وحركة ايدا كما أطلق عليها تستند إلى لغة مغايرة تمتلك مرونة اعرابية كلية، ذات فروقات دقيقة وتحتمل الصرف في نظام الكلمة، وهي ذات ايقاع داخلي تحيط الكلمة بهالة يطلق عليها ايدا.
وترتبط ايدا جوهريا بمدينة اسطنبول التي تتمثل فيها قوتا التاريخ والجغرافية الابديتان، ولغة ايدا تستجيب للمتغيرات الحاصلة في المدينة، فينطلق شعر الحركة من المدينة التي تغيرت منذ عشرينات القرن فأصبح عدد سكانها يربو على 12 مليونا.
و(ايدا) كحركة تسعينية تمتد لتشمل قصائد من عشرينات القرن الفائت.
وشعرها يتسم بالعمق ويقسم المدينة واللغة التركية معا إلى مكانين احدهما مرئي والآخر خفي، والسطور الشعرية طويلة ومتعرجة تردد صدى اسطنبول باعتبارها مدينة عالمية.
قصيدة (سهر لاسطنبول) للشاعرة ليلى ميلدر بحسب المترجم عادل العامل، تعتبر البيان الرسمي لشعر الحركة الاكشن وهي مثال اعلى للمعنى الاسلامي العثماني المتمثل في التصميم والنظام. تنتهي القصيدة بالمتكلم يطالب باسم آخر لاسطنبول يمثل وعيها التاريخي الجديد:
انك نائمة الآن في
غرفة بيزنطة المغسولة البيضاء
وانت وحيدة تماما
واحد القدماء يقول لك : لا تبكي
غدا يوم ميلادك
غدا سيعطى لك اسم جديد.
وهناك قصيدة اخرى بعنوان سحنات القهوة للشاعر سيهان ايروز غيليك، وفيها تنتقل عين المتكلم بثبات بين أشكال متنوعة من القهوة وفضائها تجريدي عبارة عن مزيج من الامل والرغبة والنظر إلى المستقبل، وايدا في هذه القصيدة تمثل ايماءة تشير إلى ان سكان تركيا، هم سكان اسلاميون، لكن بجذور ما قبل اسلامية تمتد إلى آسيا الوسطى، وهذه الفسيفساء بنظر هؤلاء الشعراء تمثل منارة روحية لتركيا.
كتلة من سحنات القهوة
تطير إلى السماء وحزن عميق
يصحو، يوشك ان يصحو ويغادر
مخلفا وراءه فضاء فارغا، فلا شيء
يفسر لفائدته، خيرا أو شرا
ان جزءا من الكون ينتظر ان يملأ....
قصيدة (مبارزة) لجمال ثريا
في المبارزة
هناك أمر أكبر
وأكثر ألما من الموت
ومهابة الموت
حين ترى رفيق دربك
أصبح شاهدا ضدك
انه اكثر ألماً من الموت
ومهابة الموت
وهناك الاكثر ألماً
حين ترى المرأة التي تحب
تزور عدوك
حتى لو كانت زيارة عابرة
ولم تبدأ المبارزة بعد
والاكثر ألماً
ان يكون سيفك في يدك
وعلى جبهتك حزمة من الشمس
وأنت واقف في الميدان
دون حراك