مسجد «قول شريف» في تتارستان.. تاريخ ناطق

سمي باسم عالم شجاع «لا يهاب الموت»
04:15 صباحا
قراءة 4 دقائق

إعداد: محمد هاني عطوي

كان يعتقد أثناء بنائه أنه سيكون أكبر مسجد في تتارستان وروسيا وأوروبا باستثناء تركيا، لكن مسجد قول شريف أو المسجد الجامع في مدينة قازان بجمهورية تتارستان الروسية أصبح بعد الانتهاء من تشييده ثاني أعظم مساجد أوروبا بعد مسجد الشيشان الكبير. ويقع مسجد قول شريف في القسم الغربي من قازان عاصمة تتارستان.

بني هذا المسجد في القرن السادس عشر وسمي نسبة للعالم المسلم قول شريف الذي كان محارباً شجاعاً وشاعراً ومفكراً، ويقال إنه من سلالة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ووصف بأنه لا يهاب الموت، فقد وقف، هو وطلابه مدافعين عن قازان ضد القوات الروسية في العام 1552 ولم تسيطر روسيا على قازان إلا بموته، وتقول الأساطير الشعبية، إن قول شريف، كان يقود مقاتلين من شباب دراويش وصوفيين، وإنه دافع عن البلدة إلى أن سقط بطعنة من سطح مدرسة.

أعيد بناء المسجد في العام 1996 في مكان مئذنة المسجد الأسطوري القديم، الذي دمر خلال اقتحام قازان من قبل قيصر روسيا إيفان الرهيب عام 1552م ونتج عن ذلك قتل المئات وتدمير المسجد بالكامل وبقي مكانه خالياً قروناً عدة.

تبرعات عربية

استغرق بناء المسجد حوالي عشر سنوات بدءاً من عام 1996 وحتى عام 2005 وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتم افتتاحه بمناسبة بدء احتفالات تتارستان بمرور ألف عام على بناء المدينة ودخول الإسلام من قبل وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في 24 من يونيو2005 وقد ساهمت عدة بلدان في الصندوق الذي أنشئ لبنائه منها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. ولإتمام هذا المشروع تم جمع تبرعات من أكثر من 40 ممولاً. وتوجد في المبنى الرئيسي قوائم بأسماء جميع الأشخاص والمنظمات التي ساهمت في تشييد هذا المسجد.

يعد مسجد قول شريف تحفة معمارية ولذا تم إدراجه على موقع التراث العالمي لليونيسكو. ويقول متخصصون معماريون في تتارستان إن الروس استوحوا تصاميم المسجد القديم لبناء كاتدرائية سانت باسيل الشهيرة في موسكو، والتي تتميز بقبتها الضخمة التي تحيط بها ثماني منائر، ويدلل هؤلاء على صحة رأيهم بالقول إن هذا التصميم غريب عن الهندسة والتصاميم الروسية. وتبلغ مساحة المسجد 19 ألف متر مربع ويتسع في داخله لنحو 5000 مصلٍّ، ويمكن أن تستوعب الساحة الخارجية 10000 مصل.

القبة الرمز

ترتفع قبته المركزية 39 متراً عن سطح الأرض وحول القبة التي ترمز إلى سلطة الخان (لقب الحاكم) المطلقة، ترتفع ثماني مآذن، أربع منها كبيرة يبلغ ارتفاعها خمسة وخمسين مترًا، وأربع صغيرة، تمامًا كما كانت الحال في المسجد القديم. وقد تُوّجت هذه المآذن بأهلّة فضّية ترمز إلى السلطة الإلهيّة العليا.

تم تصميم مسجد قول شريف على شكل مربّعين يتقاطعان بزاوية قدرها خمس وأربعون درجة لتشكّل رمز الدين الإسلامي (الله). وقد نقشت على قمة المسجد كلمتا بسم الله في الجزء العلوي من البناء على هيئة ثمانية أقواس. وحسب إحدى الروايات فان القبة تشبه تاج خانات قازان، ولذا زينت بزخارف تشبه تاج قازان. الذي نقل إلى موسكو بعد سقوط المدينة، ويعرض التاج الآن في متحف الأسلحة في الكرملين. ويشمل المسجد متحفاً للثقافة الإسلامية لمنطقة الفولغا ومخطوطات قديمة ومكتبات ودار نشر ومركز إدارة.

وتتميز الزخارف الداخلية والسجاد بدقة فنية بالغة. وصنعت الثريا البالغ قطرها خمسة أمتار ووزنها حوالي طنين في التشيك، وتكسب النوافذ ذات الزجاج الملون والزخارف الجبسية والموزاييك والزخارف المذهبة المسجد المزيد من الفخامة حيث تم نحتها على شكل أزهار الزنبق. واليوم يتم تنظيم جولات سياحية داخل مبنى المسجد، خاصة أنه يحتوي على أكبر مصحف في العالم. ويبلغ طول المصحف مترين وعرضه متراً ونصف المتر وعدد صفحاته 632 صفحة ويزن نحو 800 كغم وتمت طباعته على الورق الإسكتلندي.

مهد الإسلام

الجدير بالذكر أن قازان عاصمة جمهورية تتارستان ذات أغلبية من المسلمين، وتعتبر مهد الإسلام في روسيا، كما أنها المدينة التي يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً تاريخ نشوء الدولة الروسية، ومنذ القرن السابع الميلادي عرف التتار كأحفاد لبلغار الفولجا الذين اعتنقوا الإسلام عبر وسائط التأثيرات الدينية التي جسدتها التجارة والرحلات من آسيا الوسطى إلى الإقليم والعكس. وقد تم التمهيد لاعتناق البلغار للإسلام بفضل السفراء الذين أرسلهم الخليفة المأمون، من بغداد عام 922م. وقد حلت الحروف العربية محل التركية المستخدمة لدى البلغار، والطريف أن الأبجدية العربية ظلت هي الأبجدية المستخدمة منذ القرن العاشر واستمرت إلى ما بعد قيام الاتحاد السوفييتي، ولم تُلْغَ إلا في عام 1928 حينما استبدلت بها الأبجدية اللاتينية، ثم استخدمت اللغة التترية الأبجدية السلافية (الروسية) في عام 1938 وحتى الآن. وتقدر نسبة المسلمين اليوم في تتارستان ب 60٪ من إجمالي السكان في الجمهورية البالغ عددهم 5 ملايين نسمة وتعد اللغة الروسية واللغة التتارية لغتين رسميتين.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"