يعد مسجد الحاكم بأمر الله، من أكبر المساجد في القاهرة الفاطمية، حيث يتميز بضخامة العمارة ودقتها وجمالها في الوقت نفسه، من خلال أعمدته ونقوشه المتعددة، يقع المسجد في شارع المعز لدين الله الفاطمي، بمنطقة الجمالية، مجاوراً لباب الفتوح، الذي يربطه بمدخل القاهرة الشمالي، حيث وكالة قايتباي وباب النصر.
وقد بناه الخليفة الفاطمي العزيز بالله، إلا أنه توفي وقت بنائه، واستكمله الحاكم بأمر الله، في أواخر القرن التاسع الميلادي، وينسب المسجد إلى الأخير، وكان الغرض من بنائه استيعاب المصلين الذين كان يمتلئ بهم الجامع الأزهر، وقد وضع حجر أساسه عام 380 هجرية، واستمر العمل فيه لمدة تقارب 14 عاماً، وصليت فيه أول جمعة في رمضان سنة 403 هجرية، الموافق 30 مارس 1013 ميلادية.
ويعد المسجد من أكبر المساجد الفاطمية في مصر، بعد الجامع الأزهر الذي كان قبلة الدارسين لعلوم الشريعة والفقه، ثم تم فتح مسجد الحاكم بأمر الله للتدريس، لكن المسجد تعرّض للتصدع مرات عدّة، كان أولها في عهد المماليك، حيث تعرض لزلزال عنيف عام 702 هجرية، مما أدى إلى تصدع الكثير من أعمدته، وسقوط أجزاء من المئذنة، فأمر ركن الدين بيبرس، بعمل الترميمات اللازمة له، حتى يعود إلى ما كان عليه، وفي عهد السلطان الناصر حسن بن قلاوون، تم تجديده مرة أخرى، وتبليط أرضيته بالرخام الأبيض، وفي القرن الثالث عشر الهجري، قام عمر مكرم - نقيب الأشراف وقتها، بتجديده، وكسوة القبلة بالرخام، كما أضاف لها منبراً ومحراباً، وقد تعرّض المسجد للتلف أيام الحملة الفرنسية على مصر، حيث اتخذه جنود الحملة مقراً لهم في المنطقة، وتحوّلت مئذنتاه إلى برج مراقبة، كما تؤكد ذلك نجوى عبد النبي، مديرة آثار شارع المعز، قائلة: في بداية القرن الثامن عشر، وبعد جلاء الحملة الفرنسية، اتخذه مجموعة من تجار الشام كمكان لصناعة الزجاج وصناعة النسيج، مما أتلف كثيراً من جمالياته المعمارية، وقد حاولت الحكومة المصرية في نهاية القرن الثامن عشر، أن تنقذ المبنى، فحوّلته إلى متحف، ومخزن للحفاظ على التراث الإسلامي، وعرف وقتها باسم «دار الآثار العربية»، وكان هذا بداية إنشاء أول متحف للآثار الإسلامية، ثم نقلت الآثار الموجودة به «بعد ذلك»، إلى المبنى الحالي الموجود في باب الخلق، ومع مرور الأيام تم إنشاء بعض الأماكن الجديدة في المسجد، حيث تم بناء مدرسة لتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم، وفي نهايات السبعينات تم ترميم المسجد مرة أخرى.
وتبلغ مساحة المسجد 16200 متر مربع، ويعتبر صحن المسجد من أكبر الصحون في المساجد المصرية، وهو مكسو بالرخام الأبيض، تحيطه أعمدة رخامية، وتوجد به أربعة أروقة، ويعد الرواق الشمالي أكبرها، ويوجد به محرابان ومنبر خشبي، كما يوجد بالمسجد ثلاث قباب كبيرة، تتميز بخصائص العمارة الفاطمية، وتوجد قباب أخرى في مدخل المسجد، تطل على شارع المعز، ويتميز المسجد بكثرة الزخارف ووجود خطوط متنوعة، مثل الخط الكوفي المكتوب بالآيات، كما توجد بالمسجد مجموعة من النوافذ الصغيرة، وحوائط مطلية بالجص، وأضافت الزخرفة المنحوتة على الحجارة رونقاً، وهذه العمارة لها مثيلاتها، مثل مسجد الأقمر، والصالح طلائع. ويمتلئ المسجد بالشرفات والمشربيات، خاصة تلك التي تلتف حول محرابه موشاة بالذهب والفضة، كما كان يحتوي على أندر وأفخم أنواع النجف في العالم، وتتوسط صحن المسجد فسقية للوضوء، كما يوجد في الركن الشمالي والركن الجنوبي الغربي أحواض للوضوء، وتتميز حوائط المسجد بالارتفاع، وعلو نوافذه، لتكون مصدر تهوية جيدة.
احتفاليات
أصدر خالد العناني، وزير الآثار، قراراً بالاستفادة من المسجد، من خلال إقامة عدد من الاحتفاليات الدينية والثقافية، منها: احتفاليات للإنشاد الديني بالتعاون مع وزارة الثقافة، لينضم إلى مجموعة من المراكز الثقافية في المنطقة، التي تقدم خدمة ثقافية تحاول إحياء التراث العربي والإسلامي، مثل «بيت السحيمي»، الذي تقدم فيه عروض خيال الظل والأراجوز، وعروض الغناء والموسيقى الشعبية، وكذلك «قصر الغوري» والذي تقدم فيه حفلات الإنشاد الديني، التي تقدمها فرقة «سماع» للإنشاد، بقيادة المخرج المسرحي د. انتصار عبد الفتاح، و«بيت العود المصري» و«بيت الشعر»، و«بيت الست وسيلة».