القاهرة: عيد عبدالحليم:

يُعدّ مسجد السلطان برقوق أحد أبرز المساجد الأثرية في مصر، بما يتميّز به من معمار فريد وزخارف نادرة تجمع بين خصائص الفنين الإسلامي والتركي. ويرجع إنشاء هذا الأثر الذي يقع في شارع المعزّ في القاهرة الفاطمية إلى سنة 788 هجرية (1386 ميلادية) ويقع بجوار مدرسة الناصر محمد بن قلاوون، وتطل واجهته الرئيسة على شارع المعزّ لدين الله، يشغل طرفها الجنوبي كتلة المدخل الرئيسي، ومن الجهة اليمنى أربع دخلات رئيسة ذات صدر مقرنص فيها شبابيك معشقة.

برقوق هو السلطان المملوكي الخامس والعشرون، وهو أول ملوك «المماليك الجراكسة»، وبيع في سوق العبيد واشتراه الأمير يلبغا الكبير، وأخذ برقوق يتدرج في الوظائف. وبعد مقتل السلطان الأشرف، ترقى إلى رتبة أمير. وفي عام 779 هجرية استقرّ برقوق في كرسيّ الحكم، بعد أن خلع السلطان الصالح حاجي، إلا أنه عزل بعد ذلك ببضع سنوات وتحديداً عام «791ه 1382م» ونفي إلى حصن الكرك، إلا أنه عاد إلى حكم مصر والشام والحجاز مرة أخرى واستمرّ فيه حتى وفاته عام 1399م.

ويُعدّ مسجده من أبرز المعالم المعمارية التي تركها برقوق. أما قبة المسجد، وهي تجاور المئذنة، فهي قبة ضخمة من «حجر الآجرّ» المكسوّ بطبقة من الملاط ذات قطاع مدبب، وهذه القبة ليست أصلية، إذ جُددت في القرن التاسع عشر الميلادي على نسق قديم أخذ من صورة رسمها أحد الرحالة لها. ويذكر ابن إياس أن القبة الأصلية لهذا الضريح كانت من الحجارة النحيت، وهي قبة ملساء خالية من الزخارف في الخارج.
المئذنة تقع في أقصى الطرف الشرقي من الواجهة الرئيسية، وبُني لها كرسيّ خاص يبدأ من أرضية الطريق صاعداً حتى مستوى السطح، وهذا الكرسيّ هو كتلة صمّاء بارتفاع الواجهة كلها، ويتوصل إلى هذه المئذنة عن طريق سلم خاصّ يتقدم القبة من الداخل.
والمئذنة تتكون من قاعدة مربعة مشطوفة الأركان تعلوها دورتان، يفصل بين كل منهما شرفة حجرية، ويتوّج المئذنة جوسق علوي محمول على ثمانية أعمدة رخامية تعلوها شرفة ثالثة، تأتي بعد ذلك قمة المئذنة وهي طراز القلة. وتمتاز هذه المئذنة بوجود تلبيسات من الرخام الأبيض والأسود على هيئة زخارف هندسية، أما المدخل الرئيسي فيتقدمه سلم حجري وفي أعلى المدخل توجد نقوش لآيات قرآنية نحتت بالخط المملوكي.

كتابات متنوعة

صحن المسجد مستطيل مكشوف، وهو مكسوّ بالرخام، وتحيط بأعلاه كتابات قرآنية وتأسيسية، يعلو ذلك مجموعة من الشرفات صنعت على هيئة ورقة نباتية ثلاثية الفصوص.

أما الإيوان الجنوبي فهو مربع المساحة، فرشت أرضيته بالرخام، يغطي سقفه سقف خشبي مقسم إلى ثلاثة أجزاء الأوسط منها، هو سقف خشبي عليه زخرفة نباتية تتوسطه وردة على شكل نصف دائري.
ويرتكز السقف على إزار عريض يشتمل على كتابات قرآنية، وتوجد مجموعة من الفسقيات أيضاً.
وتؤكد صباح عبد النبي، مديرة آثار شارع المعزّ، أن الطراز الذي بني عليه مسجد السلطان برقوق غاية في الروعة والتصميم، فمثلاً منبر المسجد، وهو خشبي، هو مثلث تزخرفه أطباق نجمية، أما بابا الروضة فيعلق على كل منهما فتحة باب مستطيلة عليها زخرفة هندسية، أما جلسة الخطيب فيصعد إليها بوساطة سلم خشبي من ستّ درجات ترتكز على أربعة قوائم من الخشب.
وهناك كرسيّ المصحف وهو مصنوع من الخشب، وكان مخصّصاً لجلوس المقرئ وأمامه المصحف، ويتكون الكرسيّ من دكة خشبية أمامها حامل على هيئة نصف مسدس، يستخدم لوضع المصحف الشريف مفتوحاً عليه. وجوانب هذا الكرسي مطعّمة بالعاج على هيئة أطباق نجمية متكاملة.
والإيوان القبلي للمسجد كُسيت جدرانه بوزرات رخامية، أما الإيوان الشمالي الغربي، فهو مسجد مستطيل، أرضيته ترتفع عن أرضية الصحن، وفرشت ببلاطات حجرية ذات مقاسات مختلفة.
وتشير صباح عبدالنبي إلى أن هناك مدارس فرعية خاصة بالمسجد، فنظراً لتزايد عدد المصلين في الإيوانات الرئيسية، لجأ مصمّمو المسجد إلى إنشاء تكوينات فرعية يتلقى فيها الدارسون علوم الدين وتحفيظ القرآن.
أما الصوفية فكان لهم مكان خاص علويّ يسمى «طباق الصوفية» وله ثلاثة أبواب، وكان هذا المكان معدّاً لإقامة 200 صوفي وشيخهم.

زخارف خطية

تزين جدران المجسد مجموعة من الزخارف والخطوط، فعلى المنبر نجد لوحة بالخط الثلث أعلى باب المنبر فيها عبارات عدة، منها «أنشأ هذا المنبر المبارك السلطان الملك الظاهر محمد جقمق عز نصره».

أما قبة جلسة «الخطيب» فحُفر عليها بالخط النسخ المملوكي الآية القرآنية «يا أيها الذين آمنوا إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله».
أما المحراب فعليه الآية الكريمة «قد نرى تقلب وجهك في السماء» وكتبت بالخط المملوكي.
أما أبواب الصحن فمكتوب عليها عبارة تذكر محاسن السلطان الظاهر، ومنها «عزّ لمولانا السلطان الملك الظاهر العالم»، و«العادل الغازي المجاهد المرابط المؤيّد سيف الدنيا والدين مولانا سيف برقوق عز نصره».