ورد تاريخه في روضة القرطاس، وزهرة الآس، وشغل بعمارته وريادته أفكار الناس، ونسجت على منواله مساجد فاس ومكناس .

نشر الدعوة الإسلامية، وتعلمت منه الجامعات الأوروبية، وشيدته سيدة قيروانية، تدعى فاطمة الفهرية .

بدأ العمل في مسجد القرويين في أول شهر رمضان سنة 245 هـ 859 م، وظلت فاطمة صائمة إلى أن انتهى العمل به، وصلت به شكرا لله، وكان بناء المسجد بعد تأسيس مدينة فاس ب 51 سنة، وامتد عمر المسجد (جامع وجامعة) إلى أكثر من ألف عام .

يعد مسجد القرويين بمدينة فاس المغربية من أهم المساجد الجامعة في المغرب العربي والعالم الإسلامي، سجل تاريخه ابن أبي زرعة في كتابه روضة القرطاس، والجزناني في كتابه زهرة الآس، نشأت به واحدة من أشهر الجامعات الإسلامية، بل إنها أقدم جامعات العالم، وقد تخرج فيها عدد من علماء أوروبا، ودرس فيها سيلفستر الثاني الذي شغل منصب البابا من العام 999 وحتى العام ،1003 ومن مدرسيها ابن ميمون الغماري، وابن رشيد السبتي، وابن الحاج الفاسي، والفقيه المالكي أبو عمران الفاسي .

قال ابن أبي زرعة: إن الخطبة لم تزل بجامع الشرفاء الذي بناه إدريس بعدوة القرويين، وبجامع الأشياخ في عدوة الأندلسيين خلال أيام الأدارسة، فلما اتسعت مدينة فاس، ووفد عليها العرب والبربر من أنحاء بلاد المغرب، ضاق كل من الجامعين بالمصلين، واستلزم الأمر بناء مسجدين جديدين .

مراحل البناء

تطوعت سيدتان من القيروان ببناء الجامعين من مالهما الخاص هما فاطمة الفهرية أم البنين، وشيدت جامع القرويين، وأختها مريم وشيدت جامع الأندلسيين، وهما بنتا محمد الفهري .

تم بناء مسجد القرويين على ثلاث مراحل، حيث شهدت المرحلة الأولى تأسيس وبناء المسجد سنة 245 هـ - 859 م (أي قبل الأزهر بأكثر من مائة عام) . وفي العام نفسه تم بناء جامع الأندلسيين على الطراز ذاته الذي بني عليه مسجد القرويين .

وشهدت المرحلة الثانية زيادة مساحته، أما المرحلة الثالثة فقد تضمنت عمارة شاملة للمسجد في عصر دولة المرابطين وتمت خلالها زيادة مساحة المسجد من جميع الجهات .

اشتمل جامع القرويين على قسمين هما ساحة الصلاة وصحن المسجد، وتضم ساحة الصلاة أربعة إيوانات، وكان طولها في البداية 30 مترا، وكان المحراب الأول مكان الثريا الكبرى الحالية، وكانت للمسجد صومعة (مئذنة) غير مرتفعة في موضع القبة الحالية، وهي مشيدة على الطراز الأندلسي، وقد بناها الخليفة مولاي عبد الرحمن ناصر على نفقته الخاصة .

وبعد زيادة أبو يوسف يعقوب المريني اتسع المسجد ل22 ألفا من المصلين وكان له 17 بابا، منها بابان للنساء، وكانت تضيئه 509 مصابيح، تقوم على قواعد يبلغ وزنها أكثر من 700 كيلوجرام .

ولا يزال المسجد يحتفظ حتى الآن بمنبره الخشبي، وهو ثاني المنابر المغربية .

ويمثل صحن المسجد معرضا لفنون العمارة الإسلامية، وفنون النقش الحجرية والخشبية والزجاجية والمعدنية .

بيوت الله

ومن أهم المجالات التي تفوق فيها المسلمون فنون العمارة، حيث شيدوا المساجد والمدارس والزوايا والقصور والأسواق والوكالات والحمامات والأسبلة والقناطر والقلاع والحصون والأسوار والأبواب والأربطة والمستشفيات .

والمسجد هو أهم المنشآت الإسلامية وتجلت فنون العمارة الإسلامية على مآذنه وقبابه، ومنبره ومحرابه، ونوافذه، وأبوابه، وتأثرت جميع العمارات الأخرى بعمارة المساجد .

قال الله في محكم آياته: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (النور: 36) .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة (رواه أحمد وابن ماجة) .

بدأ تأسيس المساجد أوائل القرن الأول الهجري وانتشرت من خلال الفتوحات الإسلامية المتتالية، وقد بدأت بمسجد قباء، فالمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، ثم مساجد البصرة والكوفة والفسطاط .

مدينة فاس

أقام بمدينة فاس في أول عهدها البربر وأهل الأندلس المهاجرون من قرطبة، وبعض أهالي القيروان، وتحولت إلى مركز ثقافي وحضاري خلال القرن العاشر الميلادي ووصلت إلى قمة مجدها خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر، في عهد السلاطين المرينيين، وهي مدينة الجوامع والمدارس السبع، وبعد أن اختارها مولاي إسماعيل مكناس عاصمة له في القرن السابع عشر استمرت فاس في ازدهارها ومن آثارها الشهيرة مدارس البوعنانية، والعطارين والقرويين، ومن مساجدها القرويين، والأندلسيين، ومولاي إدريس .

كانت مدينة فاس تضم 785 مسجدا، يشتمل معظمها على مدارس تدرس علوم الدين واللغة والتاريخ، وأشهر مدارسها مدرسة السلطان أبو عنان المريني، التي أسسها سنة 756 هـ - 1355 م، وألحق بها مسجدا له مئذنة فريدة في عمارتها، وتميزت فاس بمدارسها التي أنشئت حول مسجد القرويين، وفي أحياء المدينة المختلفة خاصة في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، على يد الأمراء، زينت هذه المدارس بأجمل التشكيلات الزخرفية، وفي مقدمتها مدرسة فاس، والمدرسة المصباحية التي أسسها أبو الحسن سنة 743 هـ - 1343 م، وأقدم مدارس المدينة هي مدرسة مسجد القرويين، وكانت مدرسة العطارين أصغر مدرسة، لكنها أجمل المدارس في عمارتها وزخرفتها، وكانت تقع عند طرف سوق العطارين، وتدرس فيها العلوم الأولية والقرآن الكريم، وكان الطلاب يختارون الأساتذة أو الشيوخ الذين يتتلمذون على أيديهم .

كانت مدينة فاس محاطة بسور له 8 بوابات، وكان بها 4 آلاف نافورة مياه، وقد أسسها إدريس بن عبدالله سنة 172 هـ - 789م، وهي من حواضر العلم والدين والإبداع، وتم تصنيفها بمعرفة اليونسكو كمنطقة للتراث الإنساني سنة 1981م، وأقيم فيها المؤتمر العربي للمدن التاريخية والعربية، وتشتهر فاس بزراعة الزيتون والحمضيات والثروة الحيوانية .