دور كبير تلعبه الشارقة في إظهار روح الحضارة الإسلامية في كل مرافق الإمارة من متاحف ومبان تجمع بين البناء الحديث والطراز الاسلامى القديم، ويظهر هذا جليا في اهتمام المسؤولين عن العمارة بطرق تصميم المساجد وتوفيرها للمصلين في أنحاء الإمارة كافة بهذا الشكل الأنيق.
من بين هذه المساجد مسجد الهدى الذي تبرز فيه بأسولب مدهش روح الإسلام، وتضفي عليه أجواء شهر رمضان الكريم كسائر المساجد طابعاً خاصاً، وهو تحفة فنية معمارية من الداخل والخارج، يجمع كما يقول توفيق مصطفى كامل رئيس قسم الهندسة في دائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف في الشارقة، ما بين العمارة الإسلامية في عصر المماليك وعمارة العصر العثماني والعصر الحديث وذلك في تناغم يعكس الذوق المعماري الرفيع للمسجد.
يقع مسجد الهدى في منطقة الخالدية وشيد عام 1420 هجرية (2000 ميلادية)، ويستوعب 2611 مصلياً، وفيه مصلى للنساء في كل من الدورين الأرضي والعلوي، ويتميز المسجد من الخارج بعمارته الإسلامية والنقوش التي تجمع بين الفنون المملوكية والعثمانية والحديثة في آن واحد. ويظهر ذلك في المئذنتين العاليتين والقباب الخمس، والتي استعملت فيها الخرسانة المسلحة المطعمة بالزجاج بالإضافة إلى شرفات المئذنتين المصنوعة من الأخشاب على طريقة الأرابسك، والتي تلف المئذنتين من الجهات الاربع.
عبق التاريخ الإسلامي
للمسجد ثلاثة مداخل: المدخل الرئيسي وهو مميز جداً بالأعمدة الأربعة المصنوعة من الخرسانة والمغلفة بنقوش من الجبس الأبيض، ويتوسط هذه الأعمدة ثلاثة أبواب خشبية كبيرة منقوشة بالخشب البارز والغائر بالنقوش الإسلامية، ومطعمة بالنحاس الأصفر البراق، والمدخل الثاني يؤدي الى مصلى النساء وهو مشغول بطريقة الأبواب الرئيسية نفسها، وكذلك المدخل الخلفي، وأهم ما يميز المسجد من الخارج أيضا المبنى الملحق الخاص بالوضوء وهو يحمل طرز التصميم والبناء ذاتها، فيما يرى المصلي أرضية حوش المسجد والسلالم المؤدية اليه المصنوعة من الجرانيت الأحمر، فيعود الى العصور الإسلامية القديمة حيث يشم فيها عبق التاريخ الاسلامي ويلمس روعة الفن العثماني الأصيل بألوانه وزخارفه الجميلة الراقية والأنيقة.
رحابة وفخامة
عندما يدخل المصلي من أحد أبواب المسجد تشد انتباهه أول الأمر رحابة المكان، فيشعر بالراحة والسكينة ويدخل تحت الثريات التي تتلألأ في سقف المسجد ليشعر بفخامة وعبق المكان، وتعتبر الثريات عنصراً مهماً جداً من عناصر الزينة والديكور لأي مسجد ولها دور كبير في مسجد الهدى، حيث يرى المصلي الثريات على الجانبين، بالاضافة الى الثريا الكبيرة التي تزين البهو الكبير في وسط المسجد.
يعتمد السقف كعادة المباني الإسلامية من الداخل على نقوش الجبس الملون وتضاد الألوان بين الغائر والبارز مع اللون الأبيض، وينطبق هذا تماماً على الجدران التي اصطبغت باللون الذهبي الناصع الصفرة، لتوحي للمصلي بأنه بين جنبات التاريخ وليس في تقليد العصر الحديث.
وأهم ما يميز الجدران ايضا المشربيات المصنوعة من المواد الحديثة والاخشاب المطعمة بالزجاج والمطلية بلون الخشب لتحافظ على الشكل الطبيعي لخامة الخشب.
ويعتمد المحراب أو المكان المخصص لصلاة الإمام وهو من أهم الأجزاء في أي مسجد، على الوحدات الاسلامية والمنمنمات أو التفاصيل الدقيقة التي تعكس دقة الفنان المعاصر في محاكاة الفن الاسلامي القديم ولكن بخامات حديثة قوية، مثل الجرانيت الأحمر والأبيض، وتعلو المحراب القطع الفنية والوحدات الاسلامية المنحوتة من الجبس الابيض والمكتوب عليها بعض الآيات القرآنية بطريقة أنيقة، وأمام المحراب يوجد الكثير من حوامل المصاحف المنتشرة في ارجاء المسجد، لتلاوة القرآن الكريم أو تحفيظه. أما أرضية المسجد من الداخل فهي مفروشة بالسجاد الحديث الأزرق اللون والمتناسق في ألوانه مع لون قاعدة الأعمدة الزرقاء التي تنتشر في المسجد بشكل كبير.
فعاليات اجتماعية
وعن الفعاليات والأنشطة الاجتماعية التي تتم في المسجد يقول محمود صميدة إمام المسجد إن الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة العيدين تقام في المسجد، بالإضافة إلى المحاضرات والدروس الدينية اليومية.
وإيماناً بدوره الاجتماعي، يسهم المسجد في خدمة المجتمع خدمة متميزة عن طريق تسوية الخلافات والنزاعات، والصلح العائلي بين أفراد المجتمع والأسر وبين الرجل وزوجته وذلك قبل المحاكم الشرعية، مشيراً الى أن هناك الكثير من الخلافات التى نجح المسجد في حلها والتغلب عليها عن طريق تقريب وجهات النظر، منوهاً بالدور الكبير الذى يلعبه المسجد في الشهر الكريم في تجميع المسلمين وتحقيق الاتصال بين أفراد المجتمع والمسؤولين عن طريق خطبة الجمعة، والدور التوعوي للمسجد في دعم الحملات الوطنية في مختلف المجالات. فضلاً عن أن المسجد يضم بين جنباته مكتبة كبيرة وعامرة بالكتب الدينية والعامة، وتتنوع الكتب الدينية بين القرآن الكريم والعلوم الشرعية والحديث وعلومه والفقه والعقيدة والتوحيد، بالاضافة الى ارفف العلوم العامة وتضم كتب علم النفس والتاريخ والثقافة الاسلامية.
ويقوم المسجد بدور فعال أيضا في مجال تحفيظ القرآن وتعليم أصول القراءة والتجويد بالإضافة إلى الدروس اليومية التي يقدمها الإمام، وهناك حلقات يومية لتحفيظ القرآن للكبار والصغار وهو الأمر الذي تسعى إلى تعميمه إدارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في الشارقة بهدف زيادة عدد الحافظين لكتاب الله، حيث تقيم الشارقة سنوياً حفلاً كبيراً لتكريم حفظة القرآن الكريم.