تحدث عنه المؤرخون، وتبارى في وصفه الآثاريون، وأشاد بدوره المستشرقون، وشارك في بنائه التابعون.
فخر العمارة الإسلامية، وأشهر المساجد الأندلسية، ومصباح النهضة الأوروبية، امتد ذكره عبر القرون والسنوات، وانعقدت للعلم فيه مدارس وحلقات، إلى جانب الشعائر والصلوات، دار للقضاء، وبيت للمال، ووسيلة للإعلام، ودار للصدقات.
انتشرت المساجد في ربوع بلاد الاندلس خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين، ومن أشهرها جامع قرطبة. ولم يخلد التاريخ مسجدا كما خلد هذا المسجد، في عمارته وزخارفه وأثره العميق في عمارة الدنيا، ونشر العلم، ومساعدة المحتاجين. وقد أخذ المسجد كامل هيئته وتمام زينته في عهد الخليفة المنصور أبي عامر. وبالقياس إلى زمانه، يعد مسجد قرطبة معجزة هندسية، وتحفة معمارية.
قصة المسجد
شاطر المسلمون أهل الأندلس كنيستهم، وبنوا عليها المسجد في العام 92ه 710 م، وكان في أول الأمر يتكون من قسمين، الأول مكشوف، والآخر مسقوف.
وفي عصر عبد الرحمن بن معاوية الداخل (صقر قريش) اشترى النصف الآخر وأعاد بناء المسجد على المساحة بأكملها، وقد بدأ البناء في العام 168 ه، 784 م، وانتهى في العام 170 ه، 786 م.
وبالمسجد 1093 عمودا، من الرخام الفاخر، وله 19 بابا في جهته الجنوبية، مغطاة بالنحاس النقي، ومطعمة بالذهب والفضة، ويضيء المسجد 4700 قنديل، واحد منها يضيء المحراب وهو من الذهب الخالص.
حمل جامع قرطبة عدة أسماء تشير إلى مكانته وعظمته، فقد كان يسمى جامع الحضرة، أو جامع الخليفة، لأنه كان الجامع الرسمي للدولة، وكان الخليفة يختار شيخه (صاحب الصلاة)، ويوقع على مرسوم تعيينه، وسمي كذلك مسجد النارنج، لأن أشجار النارنج والليمون كانت تحيط به من جميع الجهات، وسمي كذلك بالجامع الأعظم.
وفي مسجد قرطبة أربع قباب، الكبرى فوق ساحة الصلاة، وقبة أعلى المحراب، والثالثة عن يمينه، والرابعة عن شماله، ويتكون المنبر من تسع درجات، ويضم 36000 قطعة من فنون الخرط الخشبي.
وبالمسجد مئذنة تعد تحفة من تحف العمارة الإسلامية، كان آخر عهدها بالأذان سنة 625 ه 1236 م.
شارك في بناء مسجد قرطبة عدد من كرام التابعين، منهم حنش بن عبدالله الصنعاني، وأبو عبدالرحمن الحبلي، وأطلق عليه المراكشي اسم الجامع الأعظم.
بنى عبدالرحمن الداخل مسجد قرطبة سنة 170ه 786م كما سبق القول، وساهم أمراء بني أمية في توسعته وتجديده على مدار قرنين ونصف القرن، أضاف إليه الأمير هشام بن عبد الرحمن المئذنة الحجرية والمحراب، كما أضاف عبد الرحمن بن الحكم رواقين على مساحته، وأكمل زخارفه، وأنشأ الأمير المنذر بن محمد بيت المال، وأضاف الأمير عبد الرحمن الناصر أعظم زيادة حيث أقام منارة جديدة.
تأثير واسع
تأثرت العمارة الأوروبية بالعمارة الإسلامية الأندلسية، وأولها مسجد قرطبة، وظهر هذا التأثير واضحا في جنوب فرنسا وإيطاليا، كما تأثرت به عمارة المساجد في شمال إفريقيا ومصر والشام، ومنها جامع القرويين في المغرب.
وتأثرت الحضارة الأوروبية أيضا باللوحات الخطية، والزخارف الهندسية والنباتية، بل إن أمراء أوروبا استعانوا بالمعماريين العرب لبناء كنائسهم وقصورهم، وظهر التأثير الإسلامي واضحا من أبراج الكنائس، إلى أغلفة الكتب.
يقول المستشرق الهولندي دوري 1301 ه 1883 م: إن جامعة جامع قرطبة كانت أشهر مراكز العلم في العالم، وتم فيها تدريس العلوم المختلفة، كما شهد المستشرقون جوستاف لوبون وكراتيشكوفيسكي وجوسيه وجونيه بأثر المسلمين في الأندلس على الحضارة الأوروبية. ووصف لوبون جامع قرطبة بأنه أحد عجائب الدنيا.
كان مسجد قرطبة أشبه ما يكون بجامعة عصرية، تقدم العلوم الدينية، مثل الفقه والتفسير والحديث وعلوم القرآن، وأيضا العلوم الطبيعية مثل الفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والجغرافيا والمنطق والأدب، وفي عهد الخليفة الحكم بلغ عدد المدارس بمسجد قرطبة 27 مدرسة، تتبع نظام الزوايا التي كانت معروفة بجامع عمرو بن العاص في مصر، ومن زواياه العلمية الشهيرة، زاوية الشيخ أبي بكر بن معاوية القرشي في علوم الحديث، ووصل عدد طلاب العلم في جامع قرطبة إلى 4000 طالب. تم توفير الخدمات المختلفة لهم مثل الإقامة والطعام، وصرفت لهم ولشيوخهم الرواتب.
وكان الشعراء يلقون قصائدهم بالساحات الخارجية للمسجد.. الذي كان وسيلة الإعلام الأساسية للدولة، حيث يتم من خلاله إعلان القوانين والمراسيم الجديدة، والإعلام بالمناسبات والأعياد الدينية وتقام به الاحتفالات، ومنها الاحتفال بليلة القدر.
وكان المسجد مقرا لقاضي القضاة، ينظر في القضايا ويحكم بين الناس. وكانت بالمسجد أيضا مقصورة لبيت مال المسلمين في الأندلس، وفي إحدى مقصوراته دار للصدقات، تتولى أمر الفقراء، وأصحاب الحاجات، تساعدهم وتنفق عليهم، وكانت به مقصورات للأئمة والخطباء والمؤذنين، ومساكن للفقراء وعابري السبيل وأيضا أماكن لتحفيظ القرآن الكريم.
مدينة قرطبة
تقع مدينة قرطبة الإسبانية على نهر الوادي الكبير، وتسمى كوردو، وكوردوبا، أسسها الفينيقيون، واستعمرها الرومان، وكانت عاصمة الخلافة الإسلامية في الأندلس، أحرزت الريادة في شتى المجالات، في الزراعة والصناعة، والعلم والعمارة، والثقافة والحضارة وكان بها600 مسجد، و50 مستشفى، و80 مدرسة، ووصل عدد سكانها إلى مليون نسمة.
وكانت شوارعها مضيئة، تفوح منها رائحة العطور والبخور، حدائقها مثمرة غناء، وعماراتها عظيمة البناء، ومساجدها حديث الدنيا بأسرها، ومزارعها الخصبة تجود بأجود أنواع الفاكهة والخضر والمحاصيل.
ينتسب إليها حكيم الفلاسفة ابن رشد، وشيخ مفسري القرآن الكريم الإمام القرطبي، وعشرات من مشاهير العلماء، من المسلمين وغير المسلمين.
وفي الأرجنتين مدينة تحمل اسم قرطبة، وهي من أكبر المراكز الزراعية والصناعية هناك.
وفي المكسيك مدينة تحمل الاسم نفسه، تم منها إعلان الاستقلال سنة ،1821 وفي لبنان بلدة تسمى قرطبة، قال عنها عبد المنعم الحميري: فيها المسجد الجامع المشهور أمره، الشائع ذكره، من أجل مصانع (منشآت) الدنيا، كبر مساحة، وإحكام صنعة، وجمال هيئة، وإتقان بنية، بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف (العين)، ويعجز عن حسنه الوصف.
وقال الإدريسي عن قرطبة: وفيها الجامع الذي ليس له بمساجد المسلمين مثيل، بنية، وتنسيقا، وطولا وعرضا.
سقطت قرطبة في يد فرناندو الثالث في 23 شوال سنة 633 ه 29 يونيو 1236 م، بعد أن عاشت في ظل الإسلام 525 عاما.
وتحول مسجد قرطبة إلى كاتدرائية، تحمل اسم سانتا ماريا الكبرى (القديسة مريم)، وتحولت المئذنة الشهيرة إلى برج للأجراس، وتم هدم بعض المعالم بالمسجد الكبير. وقد احتفلت إسبانيا سنة 1991 بمرور 12 قرنا على تأسيس مسجد قرطبة، وهو الأثر الإسلامي الوحيد الباقي حتى الآن.
وفي السنوات الأخيرة أعادت السلطات الإسبانية بناء وترميم بعض ما تهدم من مسجد قرطبة، وهو الآن من أشهر المزارات التي يقصدها الزوار من العالم كله.
ولا يزال ذكر مسجد قرطبة يتردد في العالم أجمع، في الكتب والمراجع، والموسوعات والدراسات، وشبكة المعلومات الدولية، سواء في هندسته، أو أثره الكبير الممتد في عمارة الدنيا.