عرف تاريخ المسرح المعاصر ظهور أشكال مسرحية وتصنيفات مختلفة واكبت ضرورات فرضها واقع محدد على أهل المسرح والمشتغلين فيه، وكانت تلك التصنيفات ضرورية لفهم الحالة التي يمثلها عدد كبير من الأعمال المسرحية التي لا تنتمي إلى ما هو متعارف عليه من أشكال، فعلى سبيل المثال عرفت أوروبا منذ ستينات القرن الماضي ظاهرة متنامية تتمثل بظهور عدد كبير من الأعمال المسرحية التي ركزت على القضايا الأسرية في المقام الأول، أو أنها اتخذت من عالم العائلة مفتاحاً للغوص في قضايا أخرى .
مع مرور الوقت كان هناك حاجة ماسة لظهور تصنيف يمكن بناء عليه تحديد طبيعة تلك الأعمال، وهكذا ظهر مصطلح مسرح العائلة أو مسرح الأسرة، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن مصطلح مسرح الشباب أخذ يتنامى في العقد الأخير، خاصة في البلدان التي لم تتأسس فيها قاعدة أكاديمية لتعليم الدراما، ومن بين تلك البلدان كانت الإمارات واحدة من الدول التي تعزز فيها هذا المصطلح الذي يشير إلى فئة عمرية محددة، وبرز مهرجان دبي لمسرح الشباب معبراً عن هذا المفهوم، ورغماً من كون انتماء المسرح أو التصاقه بفئة عمرية محددة كان على الدوام صفة لصيقة بمسرح الطفل، إلا أن بروز مسرح يقوم عليه الشباب أفرز حاجة لإيجاد هكذا مصطلح، وهو بطبيعته ما زال مصطلحاً إشكالياً، بحيث يفرض على متلقي أعمال الشباب أن يحيد بشكل من الأشكال الكثير من المفاهيم النقدية لمصلحة التجارب الشبابية، وذلك من أجل إفساح الفرصة لهذه الشريحة أن تقدم نفسها بعيداً عن الكثير من الضوابط الفنية والتقنية في المسرح من حيث التأليف أو الإخراج او الأداء أو السينوغرافيا .
في محاولة لرصد هذه الظاهرة كان لا بد من التوجه إلى بعض المسرحيين وخاصة الشباب منهم لاستطلاع رأيهم في المصطلح نفسه أولا، ولاستجلاء فضاء المفهوم واقعيا، ومعرفة مدى إمكانية إسقاط الرؤى النقدية والمنهجية على أعمال الشباب، وبهذا الخصوص رأى المسرحي عبد الله مسعود أن مصطلح مسرح الشباب يثير لديه أكثر من إشكالية، منها ما هو مفهومي بالدرجة الأولى، ولا يرى أنه يمتلك جواباً واضحاً حول أهمية التصنيف من عدمه لحظة محاكمة العمل نقدياً فقال: لا أعرف تماماً مدى ضرورة تكريس مصطلح مسرح الشباب، فلقد تعودنا على وجود مسرحين هما: مسرح الكبار، ومسرح الأطفال، فهما واضحان من حيث الشرائح العمرية، وكذلك لجهة الضرورات المسرحية نفسها، وهناك إمكانية نقدية للحكم على الأعمال المقدمة ضمنها، أما مصطلح مسرح الشباب فيدفعنا إلى القول بخصوصية ما لهذا المسرح، وإذا كانت بعض المؤسسات قد ارتأت أن مصطلح مسرح الشباب هو مصطلح ضروري لاحتواء تجارب شابة لا تمتلك ما يكفي من الخبرات، فهذا الأمر من الطبيعي أن يدفع إلى اعتبارات خاصة في النقد .
من جهة أخرى فإن مسعود يجد بأن الواقع في مثل حالة الإمارات يفرض إلى حد كبير التعاطي مع هذا المصطلح ويقول بهذا الشأن: لا يمكن بأية حالة من الأحول أن نقيم الكثير من الأعمال الموجودة على سبيل المثال في مهرجان دبي لمسرح الشباب إلا بكونها تنتمي بالفعل إلى مسرح من طبيعة خاصة، إذ يمكن القول إنها أعمال شابة، وذلك بالمعنى الذي يشير إلى افتقاد الكثير من عناصرها إلى الخبرات السابقة في مجال المسرح، ولكون العاملين فيها يعترفون بأن أعمالهم لا يمكن أن تحاكم كأعمال احترافية، لكن هذا الأمر نفسه قد يلجم الكثيرين عن نقد تلك الأعمال، وهو أمر قد لا يصب في مصلحة تلك الأعمال نفسها .
إذن هل يمكن في مثل هذه الحالة القول إن المحاكمة النقدية للعمل المسرحي يجب أن تتخلى عن الكثير من شروطها؟ وبأن المتلقي يفترض به أن ينتمي إلى فئة الشباب أنفسهم لكي ينسجم مع الأعمال المقدمة؟ وهل قضايا الشباب هي خارج السياق الاجتماعي والاقتصادي؟ وكل هذه الأسئلة تذهب بالسؤال حول المصطلح إلى مدى أحقية أن تتم شرعنته، وبهذا الخصوص يقول المخرج حمد عبد الرزاق بأن وضع معايير نقدية خاصة بأعمال الشباب يفقد تلك الأعمال فرصة التعرض إلى نقد حقيقي، وبالتالي فإن ما يمكن الاعتقاد بأنه تشجيع لإبداعات الشباب قد يضر بها، خاصة أن الشباب من دون نقد لعملهم المسرحي لا يمكن أن يتطوروا خاصة في ظل غياب السياق الأكاديمي للتكوين، غير أن عبد الرزاق يؤكد في الوقت نفسه بأنه من الضروري، ونتيجة لذلك الغياب الأكاديمي في تعليم الدراما، أن يتم دعم الشباب، ولكن مع التأكيد على أهمية الورش الدائمة التي تقدم المعارف للشباب وتساعدهم في تكوين رؤية خاصة بهم من حيث التأليف أو الإخراج وسواهما من العناصر المسرحية الأخرى .
من جهة أخرى فإن الكاتب المسرحي محسن سليمان يرى أن مسرح الشباب يقترن تماماً مع مفهوم مسرح الهواة، وهما بنظره قريبان من بعضهما بعضاً إلى درجة التطابق أحياناً فقال: لا بد من التأكيد على أن العنصر الأساس في مسرح الشباب هو الهواية، والهواية هنا هي تعبير عن عدم الخبرة، وعلى الرغبة في العمل المسرحي أو الفني، وبالتالي يمكن مقاربة هذا المسرح من باب الدعم للهواية كي تأخذ مجراها وتتطور مع الوقت كي تكون رافداً من روافد الحراكة المسرحية بمفهومها الأعم والأشمل .
وانطلاقاً من هذه المقاربة لمسرح الشباب فإن سليمان يؤكد، أن هذا المسرح لا يمكن أن ينمو إلا في حضن الدعم المؤسساتي، وهو ما يحصل تماماً في الواقع الإماراتي حيث يلقى مسرح الشباب دعماً خاصاً، وأضاف سليمان: إن أعمال الشباب لم يكن ليكتب لها أن تخرج إلى العلن لولا دعم المؤسسات، وهو أمر طبيعي إذ لايمكن للشباب أن يقوموا بإنتاج أعمالهم بأنفسهم من دون وجود مؤسسات تحتضن إبداعاتهم، وترعى مواهبهم، وتعرف الجمهور إليهم، وتبرز بالتالي ما لديهم من طاقات، وتضعها أمام محك النقد كي تتطور .
وحول القضايا التي ارتبط بها مسرح الشباب قال سليمان: جاء مسرح الشباب ليعبر عن قضايا شريحة من المجتمع، وهي من أهم الشرائح فيه، وهذه الفئة لا ترى نفسها في مرآة الكثير من الأعمال المقدمة في مسرح المحترفين، وبالتالي فهي بمثابة متنفس لأحلامهم ومعاناتهم، كما أن مسرح الشباب لا يتطلب شروطاً بمستوى المسرح الاحترافي للإسهام فيه، ما يوفر فرصة للكثيرين لاكتشاف ما يمتلكون من مواهب في هذا الشكل المسرحي .
أما المخرج محمد صالح، فرأى أن المسرح حالة شمولية من الناحية الفنية وأن التصنيفات تحد من إمكانية محاكمة العمل الفني وقال: إذا سلمنا بإمكانية تصنيف الأعمال التي تقدم في مهرجان دبي لمسرح الشباب على أنها تنتمي إلى المسرح، فإننا في المقابل يجب ألا نتغاضى عن نقد سوية تلك الأعمال وفقاً لمعايير المسرح نفسه، فليس مفترضا بنا أن نتنازل عن وجود نص يمتلك شروط التأليف المسرحي من بناء صحيح للشخصيات وفقاً لما تقتضيه فكرة العمل أو حكايته، كما أننا يجب ألا نتنازل عن السوية الفنية التي تنفذ بها تلك الأعمال من إخراج أو مؤثرات أو سينوغرافيا، فدعم الشباب في ولوج عالم المسرح يجب ألا يكون على حساب السوية الفنية بأي شكل من الأشكال .
وفي السياق نفسه فإن صالح لا يرى مانعاً من أن يكون هناك شيء من الخصوصية في بعض بلدان العالم لجهة التصنيفات المسرحية إذا كان من شأنها أن تخدم المسرح نفسه فقال: نحن حقيقة في الإمارات نحتاج إلى أن يكون هناك تواصل بين الأجيال المسرحية، وهو أمر يحتاج إلى جيل جديد من الشباب، ولافتقادنا إلى أكاديميات مختصة فلا بأس بأن تكون تجربة مسرح الشباب ذلك المختبر الذي يتم من خلاله توليد حالات وأسماء جديدة للمسرح الإماراتي، على أن تكون مستفيدة من الخبرات المتراكمة لدينا في مجال المسرح .
أما المخرج عدنان سلوم فقال: لم يختلف اثنان يوماً ما على أهمية التجديد في المسرح، وذلك من خلال مستويين هما المستوى الفكري وعلاقته بالمجتمع وباللحظة التي نحياها، والمستوى الثاني التجديد من خلال الجيل الجديد الذي سيضمن استمرارية هذا المسرح وتطوره كأداة ثقافية تسهم في رقي المجتمع .
ويتابع سلوم: التسميات مختلفة والجيل واحد والهدف واحد والفن واحد بالمحصلة هو الفن المسرحي، وفي التسميات الثلاث تقوم مجموعة من الشباب بتحضير العملية المسرحية بالاستفادة من خبرة من سبقهم ومن الورشات التي تابعوها، وتكون نيتهم تقديم فن مسرحي يليق بهم كشريحة شبابية، يعبر عن رؤاهم وقدراتهم وامكاناتهم في مجتمعهم من وجهة نظرهم، وفي معظم الأحيان تتحول المهرجانات التي تضم أعمال الشباب إلى مؤسسات تكوينية ترعى الجيل الشاب من خلال الورش والندوات التي تقام والعروض التي تسهم في تطور المسرح بشكل عام وترفده بالكوادر الجديدة لمواصلة رحلة المسرح وتحسين علاقته بالمجتمع .
ويضيف سلوم: الظرف في الإمارات يُحمّل مهرجان دبي لمسرح الشباب مسؤوليات كبيرة وكثيرة وأهمها أن المهرجان هو الوحيد الذي يمكن أن يقوم بدور المؤسسة التكوينية والتثقيفية التي ستشحن الفرق المسرحية بالطاقات الجديدة، وإن كان هناك العديد من الملاحظات التي يمكن تلافيها للرقي بالمهرجان إلى مستوى التكوين الحقيقي والتثقيف والاحترافية من خلال إقامة الورشات التخصصية المتتابعة والندوات الفكرية التراكمية التي تحاكي كل مقومات العرض المسرحي، بالإضافة إلى فتح علاقات مع مؤسسات التكوين الخليجية والعربية والدولية لفسح المجال لهؤلاء الشباب لتنمية مخيلتهم وقدراتهم الإبداعية وثقافتهم المسرحية، وفسح المجال لنماذج جديدة من الورش لها علاقة بكيفية قراءة النص وتفكيكه ونقده تحليل النص ويكون الهدف هنا المبدع والمتلقي والمشاركين في الندوات التقييمية والنقدية، وأيضاً من خلال ورشات القراءات النقدية العلمية للعرض المسرحي تحليل العرض لتقديم فائدة أكبر للشباب المبدع وللجمهور المتلقي.