كثيراً ما نتحدث عن الإساءة إلى الإسلام من جانب غير المسلمين، وننسى في غمرة ردود الأفعال الغاضبة إزاء هذه الإساءات أن الإسلام يتعرض لإساءات أشد وأقسى من بعض من ينتسبون إليه . ولا يقلل من خطر هذه الإساءات ما قد يصاحبها من حسن النوايا . ومنذ أكثر من ثمانية قرون عبر الفيلسوف العظيم ابن رشد عما يشعر به من الحزن والألم بسبب ما تخلل الشريعة الإسلامية من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة التي أدخلها عليها الأصدقاء الجهال .

وعلى الرغم من مرور هذه القرون الكثيرة على شكوى ابن رشد فإن الأمر في عصرنا لا يختلف كثيرا . فقد أدخلت على الدين أفهام فاسدة أساءت إليه أكثر من إساءة خصومه إليه . ولكن الإساءات المعاصرة قد ازدادت حدتها وتنوعت مصادرها وأتيح لها الانتشار السريع على نطاق واسع عبر الفضائيات بفضل الثورة التكنولوجية الحديثة .

ويمكن إرجاع الإساءات المعاصرة إلى الإسلام من جانب بعض من ينتسبون إليه إلى جهل فاضح بتعاليم الدين من ناحية، وإلى محاولات توظيف الدين لخدمة أغراض سياسية أو أطماع دنيوية من ناحية أخرى، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى الانحراف بالدين عن الطريق المستقيم الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . (الأنعام: 153) .

إن الإسلام في جوهره دين العلم والعقل والحضارة، دين الجمال والذوق الرفيع، دين القيم العالية والفضائل السامية، دين البناء والتعمير والأمن والسلام، دين العدل والتراحم والتعاون على كل ما من شأنه تقديم الخير لكل الناس في كل زمان ومكان .

ويخطئ (الأصدقاء الجهال) المعاصرون خطأ فاحشا حين يقلبون هرم الأولويات الإسلامية رأسا على عقب ويقدمون الإسلام للآخرين من خلال بعض المظاهر الشكلية على أنه دين اللحية والجلباب والمسبحة، دين الدروشة الفارغة والجهل والخرافات والأوهام . ويختزلون هذا الدين العظيم في قطعة من قماش تغطي وجه المرأة وتلغي شخصيتها تماما . وقد روت لي أستاذة مسلمة تعمل في جامعة جنيف أن إحدى الطالبات لديها قد أبدت رغبتها في اعتناق الإسلام فأرسلتها إلى المركز الإسلامي هناك . وقد فوجئت الطالبة بأن الشيخ يطلب منها أن تتحجب أولا قبل أن يقبل إعلانها الدخول في الإسلام . وهؤلاء وأمثالهم ينفرون الناس من الإسلام ويصدون عن سبيل الله .

لقد جاء الإسلام رحمة للعالمين، ونص القرآن على ذلك في وضوح تام في قوله تعالى مخاطبا نبيه عليه السلام: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين . (الأنبياء: 107) والشدة والغلظة والتجهم واصطناع الجدية في عرض الإسلام لا مكان لها في تعاليم هذا الدين . ومن هنا امتدح القرآن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك (آل عمران: 159) .

وقد استخدم القرآن الكريم أسلوب التدرج في عرض الإسلام على الآخرين . وتحريم الخمر أوضح دليل على ذلك . فقد مر هذا التحريم بعدة مراحل . ففي المرحلة الأولى اهتم القرآن ببيان أن الخمر فيها منافع وفيها مضار، ولكن ضررها أكبر من نفعها، ثم كانت المرحلة الثانية في الطلب من المسلمين ألا يقربوا الصلاة وهم سكارى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون (النساء: 43) وبعد هذه التوعية التربوية بدأ المسلمون من تلقاء أنفسهم يبتعدون عن شرب الخمر، وهنا جاء التحريم النهائي في قوله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (المائدة: 90) .

وهناك فريق آخر يقدم الإسلام للآخرين على أنه دين يدعو إلى إعلان الحرب على كل الناس حتى ينطقوا بالشهادة ويصبحوا مسلمين، مؤكدين بذلك مقولة خصوم الإسلام الذين يصفون الإسلام بأنه دين يدعو إلى العنف والإرهاب وسفك الدماء . ويغيب عن فهم هؤلاء (الأصدقاء الجهال) أن القتال في الإسلام لم يشرع إلا لرد العدوان . فالحرب في الإسلام حرب دفاعية . ويؤكد ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (البقرة: 190) .

وإذا كان الأصدقاء الجهال يدفعهم الجهل إلى ارتكاب مثل هذه الأخطاء في حق الإسلام، فإن هناك غيرهم من طلاب الشهرة يخرجون على الناس بين حين وآخر بآراء تطعن الإسلام في الصميم ادعاء منهم بأنهم مجددون .

والأمر الذي لا مراء فيه أن الإسلام في حاجة ماسة إلى مجددين من أمثال ابن رشد قديما ومحمد عبده حديثا ليزيلوا عن الإسلام ما تراكم عليه من غبار الجهل على مر السنين، ويكشفوا للناس عن الجوهر الحقيقي للدين.

وزير الأوقاف المصري