اهتمت الشريعة الإسلامية بنظام البيع والشراء لما لذلك من أثر طيب في تحريك عجلة الاقتصاد في المجتمع الذي نعيش فيه، فالبائع حينما يقوم ببيع السلعة التي يعرضها يقوم بشراء غيرها لعرضها على المشترين، وإن كان البائع صانعاً أنتج غيرها، وكذا المشتري يستفيد لأنه يحتاج إلى السلعة ولا يستطيع أن ينتج ما يحتاج إليه بنفسه، وبذلك يتحقق الخير لكل من البائع والمشتري . وذلك بالتيسير على كل منهما وبما يعود عليهما بالخير، ومن أجل هذا فإن الله سبحانه وتعالى أباح البيع ورغّب فيه حيث قال جل شأنه وأحل الله البيع وحرم الربا . وقال عليه الصلاة والسلام: إنما البيع عن تراضٍ.
وفي بعض الأحيان نرى الفقهاء يختلفون في بعض صور البيع ويستدلون بأدلة تتفق مع رأي كل منهم، والإنسان يتأمل رأي هؤلاء وهؤلاء فيقع في حيرة من الأمر ماذا يفعل؟ وهنا نقول للإنسان لماذا تكون في حيرة وأنت قد عرفت آراء الفقهاء وأدلتهم التي استدلوا بها؟ فلك أن تتأمل الآراء والأدلة لكل فقيه من الفقهاء ثم عليك بعد ذلك أن تستفتي قلبك وتأخذ بما يرتاح إليه القلب وتتقبله النفس بالقبول الحسن، فللإنسان أن يأخذ به ما دام قد استند إلى فقيه من الفقهاء الأجلاء الذين يعتد بأقوالهم ويؤخذ بآرائهم، والمختلف فيه لا يجوز لأحد أن ينكره، وبعد كل هذا نقول للإنسان: استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، وهذه صورة من الصور التي اختلف الفقهاء فيها تتعلق ببيع يسميه الفقهاء: ببيع العينة .
والعينة بكسر العين معناها: السلف: يقال: اعتان الرجل إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئة أو اشترى شيئاً بنسيئة .
وسمي هذا البيع نسيئة: لأن بائع السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عيناً، أي نقداً من المشتري . وقيل: سمي البيع بهذا الاسم لأن بيع العينة لإعانة المضطر على تحصيل مطلوبه على وجه التحيين بدفع قليل في كثير، وإذا كان علماء اللغة قد فسروا بيع العينة بما فسروه به فإن ما ذكره الفقهاء الأجلاء في بيان معنى العينة نراه واضحاً لا غموض فيه، بل يظهر المعنى ويجعله واضحاً لكل إنسان فالحنفية عرفوا بيع العينة بأنه يبع العين بثمن زائد نسيئة، أي لأجل، ليبيعها المستقرض بثمن حاضر أقل يقضي دينه، أما فقهاء المالكية فقالوا: بيع السلعة لمن يطلبها من صاحب المال قبل أن يتملك السلعة ليشتريها المستقرض بثمن فيه زيادة على الثمن الأصلي .
من صور الربا
ويلاحظ أن المقصود ببيع العينة هو أن يبيع الإنسان شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلم إلى المشتري ثم يشتريه بائعه قبل قبض الثمن بثمن نقد يدفعه في الحال ويكون أقل من ذلك القدر، ومن صورها أن يبيع الإنسان سلعة بثمن إلى أجل معلوم ثم يشتري السلعة نفسها بثمن أقل وفي نهاية الأجل يدفع المشترى الثمن الأول، والفرق بين الشيئين العاجل والآجل أو بين الثمنين فضل هو ربا للبائع الأول، فأحياناً يقوم الإنسان بشراء سلعة بخمسة عشر بالتقسيط مثلاً ثم يبيعها للبائع نفسه أو لغيره بعشرة مثلاً نقداً، وهذه في الحقيقة صورة من صور الربا التي تحايل الناس على الشرع وتعاملوا بها، ظناً منهم أن البيع ما دام قد تم عن تراضٍ فهو حلال . مستندين في ذلك إلى ما روي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه قال في حديثه المتفق عليه: إنما البيع عن تراضٍ، ولهذا قالوا: إن مثل هذا البيع يكون حلالاً ما دام قد تم برضا وطيب خاطر بين كل من البائع والمشتري . ومن صور بيع العينة أيضاً: أن يكون الإنسان مالكاً للمال ثم يبحث عن راغب في شراء سلعة معينة فيعلن لراغب شراء السلعة أنه على استعداد لتيسير الأمر له والتعاون معه ويذهب معه إلى التاجر ويتفقان على شراء سلعة معينة بالتقسيط ثم يقوم صاحب المال بدفع الثمن إلى البائع نقداً ويقوم هو ببيعها إلى راغب الشراء وتقسيط الثمن بسعر أعلى، فإذا كان الذي يملك المال مثلاً قد اشترى السلعة بعشرين فإنه يبيعها بالتقسيط بخمسة وعشرين أو بثلاثين مثلاً وهو في الأصل ليس بتاجر، ففي مثل هذه الحالة يكون مثل هذا البيع حراماً، لأن صاحب المال هنا كان مقرضاً ولم يكن تاجراً، ومن القواعد الفقهية المقررة: كل قرض جر نفعاً فهو ربا . وهذه مسألة لا خلاف فيها بين الفقهاء ما دام البائع ليس تاجراً وليس له محل تجاري وإنما هو في الحقيقة مقرض للإنسان فإذا أقرض غيره مبلغاً من المال فينبغي أن يكون القرض قرضاً حسناً كما أمر الله عز وجل، حيث قال جل شأنه في كتابه العزيز: من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً، ويقول: وأقرضوا الله قرضاً حسناً وبعد هذا كله نستطيع أن نقول: إن الفقهاء قد اختلفوا فيما بينهم حول حكم التعامل ببيع العينة، فترى فقهاء الحنفية: والمالكية والحنابلة يقولون: إن مثل هذا البيع لا يجوز بل قال الإمام محمد بن الحسن من علماء الحنفية: إن هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال اخترعه أكله الربا .
رأي الشافعية
أما فقهاء الشافعية فإنهم خالفوا الحنفية والمالكية والحنابلة، وقالوا بجواز هذا البيع ويرجع سبب الاختلاف بين هؤلاء الأئمة الأجلاء إلى ظاهر عقد البيع، فمن رأى أن العقد توافرت فيه أركانه بغض النظر عن النية فقد اعتبر أن هناك سوء قصد واستغلالاً لحاجة الناس فإنه يرى أن هذا البيع محرم ولو توافرت أركانه وشروطه وذلك لأنه سلف جر نفعاً، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا، كما قرر العلماء . ومن قالوا بحرمة هذا البيع استدلوا بالحرمة على ما روي عن أبي إسحق السبعي أن امرأته قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم على أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاماً من زيد بمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته بستمائة درهم نقداً . فقالت لها السيدة عائشة رضي الله عنها بئس ما اشتريت وبئس ما شريت، أبلغي زيداً أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يثوب . قالوا: والسيدة عائشة رضي الله عنها لا يمكن أن تقول ما قالت من تلقاء نفسها وإنما لا بد أن تقول ما قالت عن علم علمته عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعلة التحريم ظاهرة في أن مثل هذا البيع يكون ذريعة إلى الربا، ليستبيح بيع ألف بستمئة مثلاً إلى أجل . والذريعة معتبرة في الشرع، وخير دليل على ذلك منع القاتل من الميراث إذا قتل مورثه، فالقاتل إذا قتل لا يرث منعاً له بنقيض مقصود، لأن من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه . واستدل هؤلاء الفقهاء بما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده وأبي داود في سننه عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا .
وفي رواية أخرى: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم .
* أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر