بَانَ الخَليطُ، وَلَوْ طُوعْتُ ما بَانَا

وقطّعوا منْ حبالِ الوصلِ أقرانا

حَي المَنَازِلَ إذْ لا نَبْتَغي بَدَلاً

بِالدارِ داراً، وَلا الجِيرَانِ جِيرَانَا

يا أيّهَا الرّاكِبُ المُزْجي مَطيّتَهُ

بَلغْ تَحِيّتَنَا، لُقيتَ حُمْلانَا

كيما نقولَ إذا بلغتَ حاجتنا

أنْتَ الأمِينُ، إذا مُستَأمَنٌ خَانَا

تُهدي السّلامَ لأهلِ الغَوْرِ من مَلَحٍ،

هَيْهَاتَ مِنْ مَلَحٍ بالغَوْرِ مُهْدانَا

يا ليتَ ذا القلبَ لاقى منْ يعلّلهُ

أو ساقياً فسقاهُ اليومَ سلوانا

هَلا تَحَرّجْتِ مِمّا تَفْعَلينَ بِنَا

يا أطيَبَ النّاسِ يَوْمَ الدجنِ أرَدَانَا

ما كنتُ أولَ مشتاقٍ أخي طربٍ

هَاجَتْ لَهُ غَدَوَاتُ البَينِ أحْزَانَا

يا أم عمرو جزاكَ اللهُ مغفرة

رُدّي عَلَيّ فُؤادي كالّذي كانَا

ألستِ أحسنَ منْ يمشي على قدمٍ

يا أملحَ الناسِ كل الناسِ إنساناً

لا تأمنن فإني غيرُ آمِنِهِ

غدرَ الخليلِ إذا ما كانَ ألوانا

قد خنتِ منْ لمْ يكنْ يخشى خيانتكم

ما كنتِ أولَ موثوقٍ به خانا

لقدْ كتمتُ الهوى حتى تهيمني

لا أستطيعُ لهذا الحبّ كتمانا

وَكَادَ يَوْمَ لِوَى حَوّاء يَقْتُلُني

لوْ كُنتُ من زَفَرَاتِ البَينِ قَرْحانَا

لا بَارَكَ الله فيمَنْ كانَ يَحْسِبُكُمْ

إلاّ عَلى العَهْدِ حتى كانَ مَا كانَا

يا أم عثمانَ إن الحب عنْ عرضٍ

يُصبي الحَليمَ ويُبكي العَينَ أحيانا

ضَنّتْ بِمَوْرِدَة كانَتْ لَنَا شَرَعاً

تَشفي صَدَى مُستَهامِ القلبِ صَدْيانَا

كيفَ التّلاقي وَلا بالقَيظِ مَحضَرُكُم

مِنّا قَرِيبٌ، وَلا مَبْداكِ مَبْدَانَا؟

يا رُبّ عائِذَة بالغَوْرِ لَوْ شَهدَتْ

عزّتْ عليها بِدَيْرِ اللجّ شَكْوَانَا

إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ

قتلننا ثم لمْ يحيينَ قتلانا

يَصرَعنَ ذا اللبّ حتى لا حَرَاكَ بهِ،

وهن أضعفُ خلقْ اللهِ أركانا

يا رُبّ غابِطِنَا، لَوْ كانَ يطلُبُكُمْ

لاقَى مُباعَدَة مِنْكمْ وَحِرْمَانَا

أرَيْنَهُ المَوْتَ، حتى لا حَيَاة بِهِ

قَدْ كُنّ دِنّكَ قَبلَ اليَوْمِ أدْيَانَا

طارَ الفؤادُ معَ الخودِ التي طرقتْ

في النومِ طيبة الأعطافِ مِبْدانا

مثلوجة الريقِ بعدَ النومِ واضعةً

عنْ ذي مثانٍ تمجُ المسكَ والبانا

قالتْ تعز فإن القومَ قدْ جعلوا

دونَ الزيارة أبواباً وخُزانا

لَمّا تَبَيّنْتُ أنْ قَد حِيلَ دُونَهُمُ

ظلتْ عساكرُ مثلُ الموتِ تغشانا

ماذا لقيتُ منَ الأظعانِ يومَ قنىً

يتبعنَ مُغْتَرَباً بالبينِ ظُعانا

أتبعتهمْ مقلةً إنسانها غرق

هلْ يا ترى تاركٌ للعينْ إنسانا

يا أم عثمانَ ما تلقى رواحلنا

لو قستِ مَصبَحنا منْ حيثُ مَمْسانا

ترمي بأعينها نجداً وقدْ قطعتَ

بينْ السّلَوْطَحِ والروْحانِ صُوّانا

يا حبذا جبلُ الريانِ منْ جبلٍ

وَحَبّذا ساكِنُ الرّيّانِ مَنْ كَانَا

وَحَبّذا نَفَحَاتٌ مِنْ يَمَانِيةٍ

تأتيكَ من قبلَ الريانِ أحيانا

هبتْ شمالاً فذكرى ما ذكرتكمُ

عندَ الصفاةِ التي شرقي حورانا

هل يرجعن وليسَ الدهرَ مُرتجَعا

عيشٌ بها طالما احلَوْلَى وما لانا

كان جرير شاعر مدح وهجاء، اشتهر بتفوقه على منافسيه من شعراء النقائض، ولم يشتهر بالغزل كثيرا، لكنّ نونيته بان الخليط عدت من عيون شعر الغزل، لما فيها من تدفق عاطفي وقوة في السبك، وطرافة في الصور، وحلاوة في الإيقاع .

تبدو القصيدة دائرية مركزها الذكرى التي أثارها وقوف الشاعر على منازل الحبيبة، حيث ينطلق جرير من تلك الذكرى ليعود إليها متنقلاً بين شكوى الفراق وبعد الحبيبة، وصورة طيفها الذي يزوره من حين لآخر فيقض مضجعه، ويلومها على صدودها ونكثها للعهد، ويتذكر الأيام الجميلة التي كان ينعم فيها بالوصال، والأماكن التي كان يلقاها فيها، من كل ذلك خريطة مشاعره المتدفقة بالحرارة والشوق والألم، هنا حقل من الأحاسيس النابضة بحب جارف ملك على الشاعر حواسه، وأثار في لحظة واحدة كل حركة أو سكنة فيه، وكل لفظة أو سكتة وكل فرحة أو حسرة، ونظرة أو صدة، وكل لقاء أو فراق هو عنوان على ذلك الحب الراسخ الذي لم يستطع الشاعر منه فكاكاً، فهو أسير له أبد الدهر، ومهما صدت عنه الحبيبة أو ابتعدت، ومهما تعذر لقاؤه بها وكثر الحراس حول بيتها فإنه سيظل مقيماً على حبها الذي رمته به عن عرَض .

هذه الدائرية على مستوى المشاعر والمعاني عززتها فنياً بنية إيقاعية دائرية متواترة في القصيدة، حيث يكثر في أبياتها تكرار العبارات والمقاطع المتشابهة مما يولد لحنا يهز المشاعر ويجعل نفس القارئ مفتوحة لاستقبال شحنات المشاعر العميقة التي يبثها الشاعر من ذلك تكرار النداء يا أم عثمان ويا رب، وتكرار كاد الهوى يوم ثلاث مرات، لا بارك الله مرتين، و يا حبذا مرتين، ولا ننسى الجناسات الكثيرة، وكذلك روي النون الممدودة التي فيها حزن، وتمتلئ القصيدة بهذه الألوان الإيقاعية على مستويات عدة، حرفاً ولفظاً وجملة، لتولد لحناً شجياً لا بد أن يترك أثراً عميقاً في قارئه، فنياً أيضاً، فإن ربط جرير لمشاعره بالأماكن التي نعم فيها بالحب يثير خيال القارئ نحو تصور مشهدية جميلة ويربطه بأحداث واقعية لها قوة تأثير الحكاية .

ولا تتوقف المآثر الفنية في قصيدة جرير عند هذا الحد، فهي تتدفق بالصور الشعرية الجميلة، مثل الصورة المبتكرة للعيون الحور، والكناية عن الطهر بالأردان، وتشبيه الوله بالعطش، وغيرها، ولا بد من الإشارة إلى امتلاك الشاعر ناصية الأساليب الشعرية الذي يظهر في كثرة تنقله بين الأساليب: التقرير والنداء والاستفهام والتعجب والنفي، وميزة التنقل السريع بين الأساليب أنها تكسر الرتابة، وتحدث التوتر، وتبعد عن القارئ الملل، وبكلمة واحدة، فلقد ملكت هذه المحبوبة الجميلة العصية البعيدة القريبة على الشاعر كل شيء حتى ملكت عليه شعره .