مفهوم الشريعة الإسلامية واحد من أكثر المفاهيم الدينية التي يثار حولها جدل واسع بين عامة الناس وخاصتهم، بين المحب لشرع الله والكاره له، بين الداعي إلى تطبيقه وبين الرافض لتطبيق شرع الله .

سبب هذا الجدل العجيب قد يكون في المقام الأول بسبب غموض المعنى . . فبعض الناس لم يعرف أو يحدد المقصود العلمي بالشريعة حتى يتحدث عنها، أو بسبب تعدد معانيها في الخطاب الإسلامي، وربما بسبب الموقف الذاتي من الشريعة الإسلامية كلها!

في المفهوم العلمي للشريعة، يبدو أننا أمام مفاهيم عدة، كما يطرح الفقيه القانوني والمفكر الإسلامي المستشار طارق البشري النائب الأسبق لرئيس مجلس الدولة المصرى .

المفهوم الأول أن الشريعة تعني أصل الدين كله، فكل الأديان التي نزلت على الأنبياء هي شريعة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى في سورة الشورى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، فشرع الدين، والدين المشروع هو الوارد من الله وحده أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله .

المعنى الثاني هو الأقل عمومية ويقصد بالشريعة الإسلامية الجوانب المتعلقة بالأحكام الحاكمة لعلاقات الناس وحدودها مع الآخرين، وعليه قال العلماء إن الإسلام يمكن أن نمثله في أربعة جوانب، وهي: العقائد والعبادات والأخلاق والشريعة . . والشريعة هنا تشمل تنظيم المعاملات بين الناس، وعليه فإن الزواج والبيع والحقوق والواجبات والأموال والأعراض وحفظ الأنفس والجوانب العقابية . . هذا وغيره يدخل في المعنى الأقل عمومية للشريعة الإسلامية .

المعنى الخاص

وقد يقصد بالشريعة أصل الحكم، وهو تعريف يستخدمه الفقهاء الأصوليون، حيث تعني الشريعة الأحكام التي وضعها الله لعباده ومصدرها القرآن والسنة، فكل حكم إلهي ثابت لا يتغير في الآخرة أو الدنيا في علاقة الناس مع الله أو مع الناس هو بهذا المعنى شريعة إسلامية ومن ثوابت التشريع .

أما المعنى الخاص، ولعله هو الغالب في الخطاب الإسلامي وربما عند الناس، أن الشريعة يقصد بها الأحكام المرتبطة بحقوق الناس المدنية وتعاملاتهم الدنيوية . . كما تظهر في المعاملات العملية في البيع والربا والخمور وحفظ المال والعرض والنفس . . وكذا واجبات الحاكم وواجبات المحكوم وأداء الزكوات والضرائب والجهاد .

بل قد يضيق مفهوم الشريعة ليشمل الجوانب العقابية كما في الحدود الخمسة المعروفة، وهي حد السرقة وحد الزنى وحد القصاص وحد القذف وحد الردة . . وما قد يدور حول هذه الحدود من العقوبات .

وقبل أن يوضح المستشار البشري المفهوم الأكثر دقة لالشريعة الإسلامية يقرر أن الإسلام كدين إلهي ينظم دنيا الناس في معاشهم ومعادهم، ترتبط أصوله الكلية وفرعياته التفصيلية ارتباطا عضوياً واضحاً، فالإيمان بالآخرة لا ينفك عن حرمة السرقة، وإقامة الصلوات تفقد معناها بسوء الخلق، وحسن المعاملة يحتاج لعقوبة الحاكم، ودفع الزكوات يرتبط بالضمير الإيماني وسن قوانين التحصيل والإنفاق، وذلك لأن القانون عندنا والدين من أصل واحد، ودنيا المسلمين لا ينبغي أن تكون خارج دينها .

ويضيف المستشار البشري: الشريعة الإسلامية في مفهومها العام تعني: الحكم الشرعي المأخوذ من القرآن الكريم والسنة النبوية وما استقر فيه الفقه الإسلامي من أحكام تنظيم المعاملات المتعلقة بشؤون الدنيا وأساسها المصلحة كما في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتربية، وتظهر في القواعد الحاكمة والعقوبات الزاجرة المنظمة لأقضية الحياة المتجددة .

خصائص الشريعة

والشريعة بهذا المفهوم تتصف بعدد من الخصائص المهمة التي تعطيها خصوصيتها الإسلامية الإنسانية:

- الشريعة ترتبط في الأساس بالمعلومات العملية في دنيا الناس . . وهي مستقاة من حكم رب الناس . . فهي ربانية المصدر وإنسانية المتلقي . . تحقق العدل والمصالحة: وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً .

- التجديد في مفهوم الحكم، واستقاؤه من النص وتطبيقه على الوقائع الحياتية هو مسؤولية العلماء المجتهدين، ولهذا استقر في الفكر الإسلامي أن الاجتهاد والقياس والاقتباس ومراعاة المصالح والأعراف والتجديد الفردي والجماعي . . من أصول التشريع وتطبيقه .

وليس صحيحاً ما يشاع عن أن الاجتهاد قد أغلق في مجالات الشريعة . . فالذي حدث أن حاجات المجتمع قد استقرت . . كما كان التقليد في فترات نوعاً من حماية الأحكام حتى لا تتعرض لتدخل بعض الجهلاء من الناس أو الطغاة فى الحكم . . وفي كل أمر جديد يحتاج لحكم جديد تجد العلماء موجودين ويجتهدون لتكييف الحكم الشرعي في ضوء مصادر التشريع الأبدية خاصة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وهناك فارق بين الفقه والشريعة . . فالشريعة حكم ثابت في المرجع التشريعي الثابت وهو القرآن والسنة . . أما الفقه فهو إنزال هذا الحكم على المسألة الموجودة عند الناس . . الفقه هو فهم النص، وهو الخبرة الذهنية للفقيه والخبرة التاريخية لوعي الأمة القانوني . . وإذا كان الفقه هو استخلاص الحكم الشرعي للناس من النص بالاجتهاد والقياس والاستدلال، فإن الفقه قد يتغير، ليس لأن الحكم قد تغير وإنما لأن طريقة الاستدلال على الحكم قد تغيرت .

وأوضح هذا المعنى في مسألة تعددت فيها الآراء الشرعية وهي حكم تعامل البنوك بالفوائد . . الاختلاف هنا لم يحدث بسبب الاختلاف حول حرمة الربا . . لا . . الاختلاف جاء حول ما إذا كان أسلوب تعامل البنوك الحديثة هو الربا أم لا؟

حكم الربا هو بالحرمة بالنص الشرعي وإجماع الأمة . . لكن عملية الاستدلال على حكم تعامل البنوك الحديث هي الفقه الذي تتجدد فيه الرؤى . . وعليه فالقول مثلاً بحِل المعاملات المصرفية لا يعني على الإطلاق أن حكماً جديداً للربا قد ظهر . . بل يعني أن المعاملات الحديثة لم يستدل على كونها هي الربا المحرم .

أوسع من الحدود

والشريعة الإسلامية لا تعني الحدود . . فالشريعة أوسع من الحدود باعتبارها عقاباً على مخالفات وقع فيها البعض . فالحدود الشرعية جزء بسيط من شريعة الإسلام وأحكامه في المأكل والمشرب وفي الزواج والطلاق وفي الحقوق والواجبات وفي الحرب والسلم وفي القانون والقضاء وفي الكسب والعمل والإنفاق وفي الغرائز والترفيه والشهوات ومع الذات والآخر والحاكم والأمة والعالم .

معنى آخر مهم في هذا الموضوع هو أن أي حد من الحدود الخمسة يرتبط ارتباطاً شديداً بالجوانب الإيمانية . . ففي حالة وقوع جريمة الزنى نجد أن حد الرجم تسبقه عشرات الأحكام الشرعية . . فالمؤمن يخاف الله ويراعي أعراض الناس ويمنعه حياؤه من هتك الحرمات، والإنسان له أن يتزوج بالحلال وعليه أن يصوم ليعف نفسه، وعليه ألا ينظر للعورات ولا يخلو بأجنبية ولا ينظر للمحرمات . . وحتى لو وقع في الجريمة فقبل الحد له أن يستر على نفسه، وله أن يتعافى الحد بين الناس، كما في الحديث: تعافوا الحدود فيما بينكم . . وعند وقوع الجريمة يشترط الإسلام لتطبيق الحد الاعتراف على النفس بقناعة أو وجود أربعة شهود عدول وبعدها يترك الأمر للحاكم الذي يطبق الحد بالعدل، إرضاء لله، وصيانة للمجتمع وزجراً للمجرم، والتماساً لخير الله في الأرض . . ولهذا قال صاحب الرسالة: حدّ يُعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا به أربعين صباحاً .

التقنين والولاية

وبرؤية معاصرة يقول الفقيه القانوني والإسلامي المستشار البشري: إن الشريعة الإسلامية في الوقت الحالي ينبغي أن تكون مقننة، أي موضوعة في نصوص قانونية منضبطة في العبارة والمعنى، وينبغي أن تطبق في سياق مؤسسات الدولة وعبر قضاتها وفقهائها وحكامها . فقد ولى ذلك الزمن الذي وضع فيه القضاء بين يدي عقل القاضي من دون نص فقهي مقنن .

أيضاً الشريعة الإسلامية كما نفهمها تستوجب كل حكم آخر حتى لو لم يكن له مثيل في شريعتنا بمعنى أن كل تجربة قانونية مفيدة يمكن ضمها لمقاصد الشريعة ونصوصها طالما أنها لم تتعارض مع الأحكام القطعية .

ومن مفاهيم الشريعة الإسلامية المهمة في الوقت الحالي أن ندرك أن الأحكام والقوانين ليس هدفها السلوك والأخلاقيات فقط، بل هدفها حفظ الجماعة السياسية المسلمة أو الدولة بالمفهوم الحديث فالشريعة توحد الوطن الواحد سياسيا، وتوحد الوحدات السياسية في العالم العربي والإنساني .

ومما له دلالة أن علماء كباراً أمثال المواردي وابن خلدون وابن تيمية وغيرهم من القدامى والمحدثين عندما كتبوا في الشريعة تحدثوا عن البيوع والربا والحدود والقصاص . . كما تحدثوا عن الولاية وشروط الحاكم ودور الرعية وفقه الشورى وهو ما يعني أن كل ما يحتاج إليه المجتمع من حاجات وقواعد وعقوبات هو من الشريعة ومقاصدها .

وما أقوله أخيراً هو أن الشريعة الإسلامية أجل من أن نختلف بسببها، وإنها خير كلها للناس، وأن معظم أحكامها يمكن للإنسان أن يطبقها في نفسه، وأنه لا يجوز أن ينازع بعضنا ولاة الأمر حول شريعة العدل والحضارة . . وأن قاعدة الإصلاح عندنا نحن معشر المسلمين قول الحق: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً .