يسعى باحثون في الولايات المتحدة إلى تطوير علاج ضد ما يسمى مرض التسمم الإشعاعي . ومن أجل ذلك يجرون تجارب على الفئران حيث يتم تعريضها لقضبان من الكوبالت المشع ومن ثم تُعالج بالمضادات الحيوية .

ويقول الباحثون من مستشفى الأطفال في كلية هارفارد الطبية في بوسطن إن تجاربهم التي تحظى بدعم بملايين الدولارات من وزارة الدفاع الأمريكية حققت نسبة نجاح عالية حتى الآن .

في البدء يُعرّض الباحثون الفئران في المختبرات للكوبالت المشع، وهذا يعني بالحقيقة الحكم عليها بالإعدام، لأنه لا يكون لديها فرصة للبقاء على قيد الحياة بعد تعرضها لمثل هذه الإشعاعات . وبعد 24 ساعة من ذلك تبدأ المعالجة، حيث يتم تقطير بضع قطرات من المضادات الحيوية مرتين في اليوم في معدة القوارض مباشرة، إضافة إلى حقن الفئران على مدى 30 يوماً .

ويقول الباحثون إن 75 في المئة من الفئران التي تم علاجها بقيت على قيد الحياة .

ويوضح الباحثون أنه عندما يتعرض البشر أو الحيوانات لجرعات إشعاعية عالية جداً، تبدأ خلاياهم بالانتحار بشكل جماعي تقريباً . إذ يفشل عمل الجهاز الهضمي ولا يعود النخاع الشوكي يشكل كريات الدم بالقدر الكافي ما يؤدي بعد وقت قصير إلى انهيار نظام جهاز المناعة . ولكن فئران التجارب نجت من الموت، بفضل مضادين حيويين مختلفين، ساعدا على قتل البكتيريا والتي لها دور رئيس في الأمراض الناجمة عن التعرض للمواد المشعة .

وتقول ايفا غوينان إحدى المشاركات في البحث من مركز دانا فاربر للسرطان في بوسطن . إن تخريب الأغشية المخاطية هو إحدى المشكلات الناجمة عن التعرض للإشعاعات . فالأمعاء تصبح هشه وتحدث فيها ثقوب فتنتقل البكتيريا التي تعيش عادة في الأمعاء إلى مجرى الدم . وهنا تحصل الأضرار الجسيمة .

وتضيف: في البدء تتسبب هذه البكتيريا في حدوث عدوى، مع كل ما تحمله من عوارض . ومع مرور الوقت وعندما تتكاثر البكتيريا تبدأ عملية التسمم في الدم، وهو ليس إلا عدوى بكتيرية خطرة للغاية .

ويقول الباحثون إن وجود بكتيريا قليلة في دم شخص سليم لا يعد بالحقيقة مشكلة . فكل يوم تدخل بكتيريا إلى مجرى الدم، وعلى سبيل المثال عن طريق تنظيف الأسنان . ولكن عادة ما يتم إقصاء ضررها من قبل الكريات البيضاء وبالتحديد بمساعدة مضادات حيوية يشكلها الجسم من تلقاء نفسه يطلق عليها ب ب ي . وهذه المضادات الحيوية تتفرد بمهمتها عن مضادات حيوية أخرى، لأنها لا تقضي فقط على البكتيريا بل تمنع أيضاً حصول أية التهابات . وبالتالي تتم إزالة البكتيريا من دون عناء .

ولكن الأمر يكون مختلفا بالنسبة إلى الأشخاص الذين تعرضوا لجرعات مشعة عالية، حيث إن جهاز المناعة عند المصابين يصبح ضعيفاً، عدا عن أن الإشعاعات تخرب النخاع الشوكي الذي لم يعد يستطيع تكوين كريات الدم التي تحتوي على المضادات الحيوية ب ب ي . وهذه هي سخرية القدر، عندما يكون المريض في أمسّ الحاجة إلى جهاز المناعة القوية يخفق في ذلك .

وقد تم تلقيح الفئران، ضحايا الإشعاعات، بالمضادات الحيوية التي يشكلها الجسم من تلقاء نفسه . ولم تعد هناك مشكلة في توفير مثل هذه المضادات الحيوية لأن إنتاجها يتم منذ فترة طويلة في المختبرات، إضافة إلى ذلك فقد اُستُخدم عدد كبير من مضادات حيوية تقليدية في معالجة الفئران حيث استطاع 75 في المئة منها البقاء على قيد الحياة .

وحسب الباحثين فقد تعافى عندها النخاع الشوكي بسرعة وأصبح قادرا على تشكيل كريات الدم البيضاء من جديد .

وخلافا لمجموعات أخرى من الباحثين الذين يقومون بتجارب على عقاقير مختلفة في محاولة لإيجاد علاج للمصابين بعد تعرضهم للتسمم الإشعاعي، يستخدم الباحثون عدداً كبيراً من مضادات حيوية تقليدية مستخدمة في المستشفيات، على سبيل المثال المضادات الحيوية المستخدمة في علاج تسمم الدم أو المستخدمة لعلاج المرضى الذين أخذت منهم عينة من النخاع الشوكي لإجراء الفحوص قبل عملية زرع الأعضاء .

وقد تمت التجارب على 1200 شخص، منهم من هو مريض جداً ومنهم من هو سليم، وكان التقدم لهذه التجارب طوعيا لخدمة العلم . ورغم ذلك يبقى الباحثون نوعاً ما حذرون في تفاؤلهم في قدرة هذا العلاج على مساعدة المصابين الذين تعرضوا من قبل إلى جرعات إشعاعية كبيرة .