ازدحمت العاصمة الموريتانية نواكشوط بالمطاعم العربية بشكل لافت لدرجة أن البعض أصبح يطلق عليها بالظاهرة التي تستحق الدراسة. وتشير التقارير إلى أن 90% من العرب الموجودين في موريتانيا يديرون مطاعم وفنادق تقدم لأهل نواكشوط مختلف النكهات العربية.

من أقدم المطاعم التي قدمت للموريتانيين ما لم تذقه حناجرهم كان مطعم الأمير المدار من طرف لبناني، يفضل عدم الحديث لوسائل الإعلام، وتتحدث شائعات أن عائدات مطعمه مكنته من استثمارات قيمة في بلاده.

مطعم الأمير الواقع في قلب العاصمة وفي منطقة استراتيجية فتح أبوابه في التسعينات من القرن الماضي وكانت بدايته متواضعة، لكن ما فاجأ الموريتانيين في هذا المطعم هو وجباته السريعة ذات الجودة العالية والنكهة التي لا تنسى.

من هذا المطعم اطلع الجمهور الموريتاني على جمال الطعام اللبناني وأصاب الطعم الشهي رؤوس الموريتانيين بالدوار فراحوا يتسابقون على طلبيات المطعم حتى فاق الأمر التوقعات، وبات الأمير مكاناً يقصده الأثرياء والنخبة المتوسطة والراقية.

وكان الأمير في البداية يبث أغاني فيروز، الفنانة التي تملك صداقة خاصة مع الأذن الموريتانية والأغاني الأصلية قبل أن يخضع رب العمل لذوق الجمهور الجديد الساعي وراء مطربات الجيل الجديد. ومن الأمير تعلم جمهور واسع من الموريتانيين أسماء الوجبات، خبروها حتى صارت مخدراً لهم مثل الشاورما والكباب وغيرهما.

العراقي نواس كان ينوي أن يقيم في نواكشوط مزرعة لأعلاف الحيوان، لكن أصدقاء الغربة من الفلسطينيين نصحوه بفتح مطعم، وبعد رفض دام قرابة الشهر افتتح مع صديقه الأردني مطعم فردوس المأكولات.

لم يخب ظن صاحب فردوس المأكولات، فالموريتانيون أوفياء لكل ما هو شرقي فكيف بالوجبة الشرقية التي تتجاوز ثقافة الأكل الى تذكار روحي للشرق العزيز.

الأخوان الفلسطينيان محمد وعز الدين اشتريا مطعم الشهيد للوجبات السريعة في حي العيادة المجمعة من عراقي فتح مطعماً آخر في مقاطعة عرفات، المسماة على اسم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وإن كان محمد أكد أن نشاطه كان لضرورة مادية حتى يتمكن من إكمال دراسته في كلية القانون بجامعة نواكشوط، إلا أنه في وقت لاحق وسع نشاطه عندما اشترى مطعم الضيافة من مالكه الموريتاني وسماه الشام.

محمد وعز الدين تخرجا في التصوير لكنهما أقرا أن قصتهما مع المطاعم أطول من ذلك، لأن عمهما يمتلك مطعمين أحدهما في قلب نواكشوط في حي تفرغ زينة الراقي، والثاني مطعم القدس الشريف في طرفها الشرقي المكتظ بحركة المسافرين في حي تنسويلم، اضافة الى امتلاكه المخبز الوحيد من نوعه في نواكشوط.

في حي تنسويلم لم يكن مطعم القدس الشريف وحيداً فقد كان الى جانبه المطعم الشهير مطعم الأزهر الشريف الذي يعتبر من أقدم المطاعم في نواكشوط والذي تمتلكه مغربية حصلت على الجنسية الموريتانية، وغير بعيد من القدس والأزهر، ونحن نتحدث عن المطاعم العربية في نواكشوط، حضرت سوريا بقوة عبر المطعم الكبير مطعم العربي.

ولم يقتصر حضور المغاربة على مطعم الأزهر بل إن مطعم الشهيد سالف الذكر يلقى منافسة قوية من مطعم وادنون الذي يقابله في الطرف الآخر من الشارع.

أما الجزائرية إلهام فاتخذت رفقة زوجها عباس من مرآب منزلهما في حي تفرغ مطعماً صغيراً، يحتوي في نصفه على طاولتين فيما شغل نصفه الآخر مكتب مسؤول المبيعات، الذي هو في النهار إلهام وفي الليل عباس، ويعتمد المطعم في الأساس على بيع وجبة الغداء لمحلات الحلاقة التي تنتشر على طول الشارع، ويصف الحلاق أخيارهم وجباته بأنها استفادت من رحيل مطعم الباشا الذي كان أقرب إلى محلات الحلاقة من حيث المسافة ويمتلكه سوري.

ولعل عباس وزوجته إلهام نموذجان لعشرات العرب الذين يبدأون هذه البداية المتواضعة قبل أن تنقلهم الأرباح إلى مستوى مطعم حقيقي ثم فندق بعدة نجوم كما حدث للمواطنة المغربية حليمة التي كانت في السبعينات من أوائل الذين نقلوا المطبخ المغربي والشرقي إلى نواكشوط قبل أن تصبح اليوم مالكة أحد أشهر فنادق العاصمة نواكشوط فندق حليمة الذي اختاره الملك محمد السادس خلال زيارته سنة 2001 لموريتانيا ليكون مقراً لإقامته.

هيثم التونسي افتتح مقهى من طراز خاص لم يجرؤ الكثير من الموريتانيين على دخوله إذ يتضح من أسلوب تجهيزه وزبائنه أنه صمم للتونسيين فقط، يرى المار من أمامه ومن خلال الأبواب الزجاجية منظر الشيشة المتربعة على كرسيها بين حلقة من لاعبي الورق، أمام التلفزيون المسطح الملصق بالجدار والذي يبث على مدار الساعة مباريات كرة القدم من القنوات المشفرة.

أما أحمد المصري فأعجبه النشاط في حي عرفات لذا فتح مطعماً يعتمد في جل نشاطه على بيع الساندويتش والكباب لطلاب مجمع المدارس القريب، وتطورت علاقته بزبائنه الذين أطلقوا عليه لقب أبو الهول لكثرة ما حدثهم عن الحضارة الفرعونية، والمصري الذي يطلق على مطعميه الصغيرين مجموعة مطاعم أحمد المصري يبدو في غاية الاعتزاز بلقب أبو الهول ويقول عندما ينادى به ياريت.

كل المطاعم العربية تعطر أجواءها بالموسيقا لكن فيما كان البعض يغني تاريخه كان الآخرون يغنون آلامهم. فبينما يفتح عز الدين أناشيد المقاومة، يدخن أحمد المصري ويهز رأسه مع أغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، لكن نواس العراقي يطرب لمشاهدة إحدى الفضائيات ويطبق كفيه مصفقا بإصبع واحدة بالطريقة التي أكد لنا أنه حاولها لمدة ثلاثة أشهر قبل أن يتقنها.

وككل الشعوب عرف الموريتانيون مطبخهم الخاص والمتنوع، لكن هذا المطبخ الذي باغتته الحضارة ولم تسمح له بأن يخوض تجربة التطور أحيل بسرعة إلى غرفة المتحف، تاركا وراءه ثقافة أكل استندت في فقرها إلى فقر أصحابها، كما أن الوجبات اليومية في موريتانيا هي دائماً وجبتا الغداء والعشاء وهما وإن اختلفتا من أسرة إلى أخرى، إلا أنهما غالبا ثابتتان على مستوى كل أسرة، ما جعل البيئة مناسبة تماماً لدخول أي مطبخ جديد، هذا الطرح في رأي الكثيرين برر النجاح السريع والانتشار الواسع للمطاعم الشرقية والمغربية.