في قلب منطقة الذيد حيث الشعبيات السكنية الحديثة التي أمر صاحب السمو الشيخ الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ببنائها للمواطنين من أهالي المنطقة والتي جاءت لتُحوِّل قسوة الحياة وقسوة الطبيعة وتحولها من سيح حصوي لا بناء ولا استقرار فيه إلى واحة غناء مفعمة بالراحة واليسر يسكنها الأهالي بعد رحلة تنَقُّل طويلة ممتدة في عمق التاريخ والزمن .
في هذه الشعبية السكنية كان لقائي بالوالد مطر بن عبيد بن سعيد بن علي بن راشد بن دلموك الشفيعي الكتبي من آل شفيع من بني كتب، ليخبرنا ببعض ذكرياته وتواريخه، ونتصفح معه بعض صفحات تاريخ المنطقة وقبيلة بني كتب، وقد ساعدنا كثيرا في هذا اللقاء نجله سلطان بن دلموك عضو المجلس الاستشاري في الشارقة .
يقول الوالد مطر بن عبيد الكتبي: ولدت في منطقة الذيد في العام نفسه الذي مات فيه الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان حاكم أبوظبي المعروف بزايد الكبير (توفي عام 1909) وهو جد صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله ، وعند وصول خبر وفاته إلى المنطقة ذهب والدي ومجموعة من شيوخ وأفراد القبيلة لتقديم العزاء إلى أفراد أسرته ولما عادوا كانت والدتي قد وضعتني لتوها ، وكان عمري يوم توفي الشيخ عبدالله بن علي بن هويدن 12 سنة وكان ذلك منذ 82 سنة .
تربيت ونشأت في هذه المنطقة التي تغلب عليها الطبيعة البرية الحصوية، التي تمتد لمساحة واسعة تأخذ رقعة كبيرة من إمارتي الشارقة ورأس الخيمة، والتي عاشت فيهما قبيلتنا منذ مئات السنين وتجاورتنا قبائل عربية عريقة كثيرة، ولم يكن في وقتنا معلم ولا مدرسة، وما تعلمناه في صغرنا هو بعض الآيات والسور القصار على يد بعض مشايخ المنطقة وبعض كبار السن من السالفين رحمهم الله، أو بعض رجال الدين الرحل الذين كانوا يفدون إلى المنطقة ويصيفون فيها أو يشتون وينزلون ضيوفا على بعض أهالينا .
قبل عامين من وفاة والدي ذهبت معه وبعض إخوتي إلى الشارقة لنبارك للشيخ سلطان بن صقر القاسمي (1924-1951) بمناسبة تقلده مقاليد الحكم في إمارة الشارقة ، وذلك في الحصن الذي يسمى أيضا حصن المحلوسة أي المظلم والعميق، وهذا اسم لأحد أبراجه الذي كان يحبس به المجرمون والخارجون على القانون، وقال البعض إن المحلوسة اسم للبرج الشرقي الذي كان متعرجا وغير مستقيم فلهذا سمي المحلوس وسمي الحصن المحلوسة .
المدفع الرقاص
كان يوجد أمام الحصن المدفع الرقاص وهو أشهر مدفع في الإمارات والذي دافع عن الشارقة وصدَّ عنها الهجمات الكثيرة التي تعرضت لها ، كما شارك في أكثر الحروب التي خاضها القواسم ضد أعدائهم والغزاة لأرضهم، ويقال إن المدفع الرقاص كان مدفوناً في صنية (مكب قمامة) وعثر عليه بعد قراءة أحدهم لمخطوطة قديمة كان مكتوب فيها عن هذا المدفع ومكان دفنه فتم الحفر في المكان الذي أشارت إليه المخطوطة وتم العثور عليه واستخراجه وتنظيفه واستخدامه في الدفاع والحروب التي خاضتها الشارقة قديماً .
عضيد الحاكم
كان للحاكم الشيخ سلطان بن صقر أخ يصغره سنا وهو الشيخ محمد بن صقر القاسمي وهو والد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وكان عضيداً لأخيه الحاكم وكثيراً ما ينوب عن أخيه في فترة غيابه، وكان يرسله ممثلاً عنه في الكثير من الأحداث والمناسبات التي تحدث في المنطقة وكان هو الأكثر حضورا عندنا في أيام الوفيات لتقديم العزاء وكذلك لتقديم التهنئة في أيام الفرح والأعراس وكان، رحمه الله، لا يترك مناسبة إلا ويحضرها معنا، وكان محبوباً كثيراً كأخيه صاحب السمو حاكم الشارقة، بين أهالي الشارقة ووسط البدو خاصة ومن المواطنين عامة،
وحصل في إحدى المرات أن سرق أحدهم ناقة لرجل آخر وحصل خلاف بين الطرفين امتد إلى بعض أقاربهم وكادت أن تقع فتنة قبلية تتقاتل فيها القبيلة فيما بينها، وتدخل كبار القبيلة لحل المعضلة، وشاءت الأقدار أن وصل إلى المنطقة الشيخ محمد بن صقر، رحمه الله، وتدخل لحل القضية وقبِل الجميع الحل، حيث قام بطلب الشخصين المتخالفين وطلب إحضار الناقة محل الخلاف، ولما أحضروها طلب من الإثنين بقوله: إن كانت لأي منكما فهل تعطيانها لي إن طلبتها منكما، فردا بنعم . فقال لهما فإني قد طلبتها منكما، فقالا هي لك، فقام وأعطى الناقة لأحدهما وأعطى ناقته التي جاء على ظهرها من الشارقة للرجل الآخر وبهذه الحكمة والكرم وسعة الصدر أوقف فتة كادت أن تتسبب في قتال قد يهلك أعداداً غفيرة من أبناء القبيلة وجيرانها .
مرحلة الشباب
عشت مع أهلي ننتقل من مكان لآخر، ومن مورد إلى مورد أفضل حيث الماء والعشب، فعشنا سنتين في عمان وسنتين في الذيد وسنتين في الذبذبة في عجمان ، مات والدي وأنا عمري 17 سنة، فقام أخي سالم بالكد علينا بعد الوالد أنا وإخوتي سعيد وراشد ونخيرة وعبيد، وبعدها قمت بالعمل لمساعدة أخي والتخفيف من أعبائه كونه متزوجاً وعنده بيت، وكوني أصبحت رجلاً وأستطيع العمل والاعتماد على نفسي .
وعملت في تقطيع أغصان أشجار السمر وحرقها وتحويلها صخام (فحم) وكنت أبيعه في عرصة الشارقة وعرصة دبي، وهما السوقان الرئيسان في الشارقة ودبي لبيع البضائع الخاصة بالمناطق البدوية والصحراوية والمناطق الجبلية والبضائع المستوردة من خارج المنطقة .
كنا نتعامل في تجارتنا مع الأسواق والتجار في المدن بعدة عملات نقدية، منها عملة تسمى عباسية وأخرى تسمى محمدية، إضافة إلى الروبية الهندية التي تساوي مئة بيزة برغش، والبرغش هي البيزات العمانية، وكذلك تعاملنا بريال الفضة، وكان ريال الفضة يساوي 2-3 روبيات .
الرماية والصيد
لما بلغت الثامنة عشرة من عمري تعلمت الرمي والقنص بالبندقية وأول ما تعلمت الرمي به من البنادق الرومية (اسم بندقية)، اشتريتها بروبيتين من بن شرارة المطوع، وصدت بها 7 ضباء، ثم أخذت صمعة (اسم محلي لبندقية) من بن حاذة وصدت بها 27 ظبياً، ومن ثم أخذت صمعة من بن هويدن وصدت بها 17 ظبياً، وبعدها شريت صمعة من العوامر وصدت بها 17 ظبياً في الباطنة، وبعدها أخذت صمعة أخرى من العوامر أيضاً وصدت بها 13 ظبياً وبعدها شريت صمعة من سرور خادم محمد بن علي بن هويدن وصدت بها 33 ظبياً وبعده أخذت صمعة من حياة الشيخ أحمد بن راشد المعلى وصدت بها 31 ظبياً .
مطعم أسد البلوشي
وكنت أعتمد بعد ذلك في معيشتي على صيد الظباء وكنت أصيدها ومن ثم أبيعها على رجل من أهل المنطقة ويعيش معنا يدعى أسد البلوشي الذي كان عنده في منطقة الذيد مطعم هو أول مطعم يفتح في هذه المنطقة، وكنت أصيد كل يومين أو ثلاثة بين 6 و8 ضباء وفي الشهر نحو 26 ظبياً وكنت أبيع الظبي تبلغ 13 روبية وبقيت على هذه الحال سبع سنين ومن ثم انتقلت إلى القلعة في محظة وتزوجت بدوية من منيع، وأسد البلوشي رحل إلى العين واستقر هناك وأبناؤه باقون هناك وأذكر منهم عبدالرحمن ومحمد لايزالون يعيشون في مدينة العين إلى الآن .
وكثيراً ما يشاع بين الحين والآخر عن رؤية أحد الأشخاص للجن أو الأشباح وذلك أثناء تنقلها ليلا من منطقة لأخرى ، وأذكر أنه حدث أن خرجت أنا ورجل يسمى مفيتيح وهو من السادة ، خرجنا نتبع أثار ظباء وكان الوقت عصراً وبقينا نتتبع أثرها إلى وقت ما قبل الغروب حتى إذا توارت خلف تلة صغيرة تعرف بجرن حمار اقتربنا منها شيئا فشيئاً، وحتى إذا انكشف لي أحدها وكان ذكرا أخذت بالرمي عليه ببندقة كانت معي من نوع الشوزن وفتيلة دم دم، ولكنه لم يتحرك من مكانه وظل ساكنا منزلا رأسه إلى الأرض وكأنه يأكل الحشائش فشككت في أمر تصويبي ومقدرتي على إصابة هذا الهدف وأنني قد أخطأت في التصويب تجاهه، فأعدت المحاولة مرة بعد أخرى، وكل مرة أتأكد أنني قد صوبت تجاهه بالشكل الصحيح مما أقلقني فقمت من مكاني ولما اقتربت منه بمسافة قليلة رفع ذلك الظبي رأسه ونظر إلي نظرة تسمرت بعدها في الأرض وأخذت أرتجف وأتصبب عرقاً فعرفت أن هذا ليس بظبي بل هو صوع، وهو من الجن الذين يتشكلون بشكل الحيوان ويتلبسون بها كالكلاب والقطط والظباء وغير ذلك خاصة الكلب، وكان يقال لنا قديماً إن ضرب الرخمة والكلب تزيلان السحر ومس الجن .
البحيص ووشاح
ومن الموارد أيضاً طوي حمدة والحفيرة والبحيص ووشاح ومصاحيبة، وهذي من الموارد التي كنا نسكن عليها كثيراً، وطوي وشاح هذه حفرها الدلامجة (آل دلموك) وسكنوا عليها الوشاحات، وطوي الخضيرة حافرها سيف بن مجرن الكتبي، وطوي بن غرير حفرها مطر أو والده محمد بن غرير الكتبي منذ زمن بعيد، وطوي الخبيصي كان اسمها الطي وهي دهرية، أي قديمة جدا لا يعرف من حفرها . وسميت الطي لكونها على رقبتها طية مبنية من الجص، وكان البعض يسميها طوي العيم وهي إشارة إلى الأقوام السابقة والقديمة التي كانت تسكن المنطقة منذ آلاف السنين وخَلَّفوا هذه الآثار والآبار، وقد سمُّوا بهذا الاسم كونهم من غير المسلمين الذين عاشوا قبل الإسلام ولأنهم من أنباط وعمالقة حسب ما نسمع من تخاريف السالفين الذي كانوا عند حفرهم يكتشفون بعض بقايا الآثار والآبار فيحفرونها وعند وجود الماء يشار إلى هذه الطوى بأنها أعجمية أي من آثار الأقوام السابقة لعصر الإسلام، حيث كان القدماء يميزون بين الآثار الإسلامية عن غيرها من الآثار وخصوصاً في المدافن .
قبيلة بني قتب
بنو قتب أو كما يقولون أيضاً بني كتب، هي من أكبر وأعرق قبائل المنطقة والتي تتكون من فروع عدة تتفرع إلى عشائر وبيوت كثيرة منها الختروشي وهم أبناء ختروش، ودلموكي وهم أبناء دلموك ، والحويذي أبناء بن حاذة وهم غير بن حاذة المهيري المعروفين في دبي لأن حاذة اسم لنبات صحراوي سمي به عدة رجال أصبحوا أجدادا لعوائل نسبوا إليهم ، ومن فروع بني قتب وعائلة العميرات وهم من المساعيد، والسرادحة وهم أبناء سرداح .
وكنا في الصيف ننتقل إلى المقايظ وهي المواضع التي يكثر بها الماء وأشجار النخيل ومنها موقع جرن عمر الذي يقع في أول منطقة الذيد، وفي الشتاء نتجه إلى منطقة البريمي حيث نشتي في منطقتي صعرا والمحلوسة التي شتينا فيها من خمس إلى ست سنوات تقريباً، وقد أسهمنا أثناء وجودنا في منطقة صعرا في بناء حصن صعرا الذي يقع قرب السوق في منطقة الحلة، وقد بنيناها بالجص للشيخ محمد بن سلطان النعيمي أمير المنطقة .
ولله الحمد، وبفضل من الله تعالى، نحن الآن نعيش في رغد وراحة ولا ينقصنا شيء ولله الحمد فقد رعى صاحب السمو حاكم الشارقة هذه المنطقة وشملها بعطفه وكرمه وبنى فيها البيوت، ووفر لها كافة وسائل الراحة والحياة الكريمة، ونسأل الله أن يمد في عمره ويحفظه من كل سوء ومكروه .