احتل الشاعر المسرحي شكسبير (1564-1616) مكانة بارزة في المسرح المصري، واحتفى به المثقفون، وترجموا العمل الواحد أكثر من مرة، ومعظم هذه الترجمات ظهر في العقود الأولى من القرن العشرين، كما أن الجامعة المصرية نظمت عام 1916 احتفالاً كبيراً بذكرى مرور 300 عام على وفاة شكسبير، ومما جاء في الصحف التي تابعت الحدث: «إن احتفال الجامعة المصرية بذكرى شكسبير من شأنه أن يشجع المصريين أنفسهم على تقديم خدمات جليلة لبلادهم مثل الخدمات التي قدمها شكسبير لإنجلترا».
بمناسبة هذا الاحتفال تكونت لجنة في بريطانيا، وطالبت الشعراء الكبار في العالم، بأن يكتبوا قصائد عن شكسبير لنشرها في مجلد واحد بعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية في مارس/آذار عام 1916، ووقع اختيار اللجنة على حافظ إبراهيم، ليمثل شعراء العربية في هذا المهرجان الأدبي الكبير، وأسهم شاعر النيل في المهرجان بقصيدة مطلعها: «يحييك في أرض الكنانة شاعر/ شغوف بقول العبقرين مغرم/ ويطربه في يوم ذكراك أنْ مشت / إليك ملوك القول عرب وأعجم».
وكانت هذه القصيدة سبباً في حملات وحملات مضادة بين مؤيدي حافظ وخصومه المناصرين لشوقي، فنشرت جريدة «الوطن» بتاريخ 6 مارس سنة 1916 مقالاً هاجمت فيه القصيدة هجوماً عنيفاً، مفاده أنها قصيدة فارغة المضمون والمعنى، وأنها تعتمد في تأثيرها على زخرف القول، ومن ثم فإن سرها سيزول بمجرد ترجمتها إلى الإنجليزية، لأن «الترجمة تزيل عن الأصل الصناعة والزخرفة ولا تبقي منه إلا اللباب».
وأنكرت الصحيفة على حافظ إبراهيم الإغراق في الخيال، والغلو والمبالغة، ورص الألفاظ رصاً جميلاً وتزيينها بالاستعارات، وشهدت جريدة «وادي النيل» في أعدادها الصادرة بتواريخ 8، 12، 15، 16 مارس 1916 معركة أدبية حامية الوطيس بين ناقد متحمس لشاعر النيل وقع مقالاته بالحروف الأولى من اسمه (أ. ن)، وناقد آخر يبدو أنه من أنصار أمير الشعراء، وقع مقالاته (فلان) وهو يتهم حافظ إبراهيم بأنه أساء إلى الأمة العربية بأسرها، حين أخرج للعالم هذه القصيدة المتهافتة، كما يتهمه بأنه نظمها في عجلة من أمره خلال 15 يوماً، من دون أن ينفعل بالموضوع الذي يعالجه، وأنه كان هادئ النفس فاترها، ويضيف (فلان) أن بعض أبيات القصيدة أشبه ما تكون بالنثر، وأنها كثيرة الحشو الذي لا يمكّن العاطفة الصادقة الجياشة، بل متطلبات الوزن والقافية»، فضلاً عن أن بعض أفكار القصيدة مسروقة من شعر المتنبي والمعري.
ونشر أحمد لطفي السيد مقالاً في جريدة الأهرام بتاريخ 22 إبريل/نيسان 1916 تناول فيه الاحتفال بشكسبير، وبلغ به الحماس حداً جعله يطلق على الشاعر الكبير وصف «شاعر الإنسانية»، وليس واحداً من شعراء الإنسانية، وأشارت صحيفة «وادي النيل» إلى هذا المقال بتاريخ 27 إبريل فوجهت عتاباً إلى لطفي السيد لأنه أنكر أن الإنسانية أنتجت شاعراً غير شكسبير.
يقول لطفي السيد: «إن شاعر الإنجليزية لم يقصر قصته على شعب بعينه، أو على حالة خاصة من الأحوال الإنسانية، بل تناول الإنسان من حيث هو، أياً كان موطنه، ولم يقتصر على تحليل نفوس الرؤوس المتوجة وأصحاب الأقدار، ولم يفرد هؤلاء بالذكر، ولم يقف عليهم درسه الأخلاقي، بل تناول الحياة اليومية في كثير من قطعه، يتسلل قلمه إلى طيات النفس الإنسانية، يلج خفاياها، فيرسم أحزانها العميقة وآلامها المستغلقة ويلون أطماعها التي لا تقف عند حد، ويصف لواعج أشواقها في حبها وحلاوة رضاها ومرارة غضبها، يصورها وهي بين الخير والشر، يتنازعها كلاهما إلى ناحيته، ويبين أسباب الترجيح وعوامل الشر والفساد».
ولا يعترض كاتب «وادي النيل» على عظمة شكسبير أو على وجوب الاحتفال به، لكنه يرى أنه لا يجدر بكل أمة أن تحتفل بشعراء غيرها من الأمم، ويقول: «لئن رجعنا إلى الحقيقة لسمعناها تنطق أن ألإنجليز إنما يحتفلون بشاعرهم جنساً ولغة ووطناً، فكون شكسبير هو الذي استوجب عليهم الاحتفال به، فإن عليهم حق الاحتفال بذكراه، ولعل الأستاذ لطفي يتفق معنا على قضية هي: إن الإنجليز لم يحتفلوا بشاعرهم لأنه شاعر الإنسانية، بل لأنه شاعر اللغة الإنجليزية».
ويختتم كاتب «وادي النيل» مقاله بالعتب على فيلسوف الجيل لأنه يغفل الاحتفال بذكرى العباقرة العرب، مثل أبي العلاء المعري، الذي لا يقل عن شكسبير في عظمته، ويقصر احتفاله على النوابغ من الأجانب، ويقول: «نرجع بالعتبى على الأستاذ لطفي بك، فقد كان له يوم الاحتفال بذكرى شكسبير وسيلة مناسبة إلى التذكير على الأقل بما يجب لسلفنا علينا، لكن قلمه اطرد وقفا على تمجيد هدف الذكرى وحدها، ولو أنه جمع إلى قضاء حق الفضل الخاص الذي نكره منه أن ينساه، لكان أشكل بإنصافه وأليق به، على أن أعجب ما عجبت له منه حنقه على مثل المعري أن يضربه مثلاً صادقاً صالحاً، حين أراد أن يحتج لشكسبير الذي لم يخرج في كلية كبرى بأن ذلك ليس منقصة ولا عيباً، فكان جان جاك روسو أقرب إلى متناول ذاكرة الأستاذ فضربه مثلاً، يا ويل قومنا، حتى لطفي بك السيد يعار أن يخط قلمه اسم رجل من العرب، كأنه لم يخلق الله منهم مثلاً صالحاً قديماً وحديثاً».
وفي نهاية العقد الثالث من القرن العشرين ازداد الاهتمام بشكسبير في الصحافة العربية، فنشرت جريدة «كوكب الشرق» بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول 1924 تحت عنوان «مؤلف هاملت الحقيقي» ما مفاده أن وليم شكسبير ليس مؤلف هاملت الحقيقي، وإنما مؤلفها هو الفيلسوف المعروف فرنسيس بيكون، وتستطرد الجريدة قائلة: إن حوادث هاملت الأساسية مأخوذة من تاريخ إنجلترا واسكتلندا في ذلك الوقت، فملكة المسرحية هي الملكة اليزابيث، والملك المقتول هو «الإيرل أوف إيسكس»، وفي 15 أغسطس/آب عام 1927 أعلنت مجلة «المسرح» عن مسابقة شعرية دولية بمناسبة تخليد ذكرى شكسبير، وقد تقدم اليها من مصر شاعران، أحدهما البرنس حيدر فاضل، والآخر هو أحمد زكي أبو شادي، ونشرت «المقتطف» في ديسمبر/كانون الأول 1927 مقالاً بعنوان «شكسبير في وادي النيل» بمناسبة زيارة فرقة أتكنز الأولى إلى مصر، وكانت زيارة تلك الفرقة قد زادت من اهتمام المصريين بأدب شكسبير المسرحي، ونشرت مقالات عدة عنه في الصحف آنذاك.
وفي نهاية العقد الثالث من القرن أخذ الاهتمام بشكسبير قالباً تكنيكياً، فقد نشرت مجلة «روز اليوسف» على سبيل المثال، بتاريخ 4 أغسطس 1927 وصفاً لمسرح الجلوب الذي مثلت فيه مسرحيات شكسبير لأول مرة، وأسلوب الإخراج في تغيير المناظر، فضلاً عن سوقية الدهماء من النظارة ومقاطعتهم للممثلين أثناء التمثيل، ونشرت جريدة «الاتحاد» خبراً مفاده أن خليل مطران سيلقي محاضرة بدار نقابة الموظفين موضوعها فلسفة شكسبير في اختيار أشخاص رواياته، وقد نشرت مجلة «مصر الحديثة» نص هذه المحاضرة، في عددها الصادر في مارس 1928 بعنوان «شكسبير الغرب في نظر شكسبير الشرق»، ودارت محاضرة مطران حول مسرحية «ماكبث»، وقرأ خلالها حافظ إبراهيم قصيدة تصور خنجراً يقطر دماً يلوح لمخيلة «ماكبث» ومطلعها يقول: «كأني أرى في الليل نصلاً مجرّدا/ يطير بكلتا صفحتيه شرار».