تكتسب مدينة معان جنوبي الأردن أهمية خاصة ليس فقط لأنها ضمن أكبر محافظة في البلاد تحمل الاسم ذاته أو بسبب أسبقية استقبالها الإسلام في المنطقة فحسب، ولكن كذلك لارتكازها على موقع ممتد من شبه الجزيرة العربية حتى بادية الشام، واحتفاظ أهلها بعادات وتقاليد البيئة الأصلية المستمدة من تاريخ وآثار وممارسات لا تزال قائمة .
من أصل نحو33 ألف كيلومتر مربع إجمالي مساحة المحافظة تنفرد المدينة على الأطراف الغربية للهضبة الصحراوية التي تبلغ 20 ألف كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة يعيشون مناخاً صحراوياً غالباً .
ويرجع أسلاف المدينة مكانتها الأبرز إلى استقبالها لمؤسس الأردن الحديث الراحل عبدالله الأول ابن الحسين، آتياً من المدينة المنورة في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام ،1920 واعتبارها بذلك العاصمة التاريخية الأولى للبلاد ومحطة مهمة للتأسيس قبل توجهه إلى عمّان لاحقاً .
منعطفات الانتكاس والنهوض
تتفاوت تحليلات مرجعية في شرح أصل الاسم بين اسم معين المرتبط بالماء الجارية وكثرة الينابيع في المكان، أو معان ومقصده المنزل في دلالة على توقف القوافل المرتحلة للاستراحة والتزوّد بالطعام أو ماعون ومعون نسبة إلى الدولة المعينية التي ظهرت في جنوب الجزيرة العربية رغم أن البحوث تشير إلى نشأة مدينة معان قبل ذلك وازدهارها منذ عام 1200 قبل الميلاد .
ومن ملامح تطوّر المدينة وصول طلائع الجيوش الإسلامية إليها بقيادة زيد بن حارثة، رضي الله عنه، الذي وجهه الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى غزوة مؤتة، وعندما تولى الأميون الخلافة أمروا بإعادة بناء معان وشهدت في عهدهم نهضة كبيرة قبل أن تعيش أسوأ حالاتها في عهد الدولة العباسية . وجاء على لسان ابن بطوطة عند مروره على المكان عام 1325 ميلادية هنا خراب لا يسكنه أحد .
وتفرز الأحداث المتلاحقة على المدينة عودتها إلى البروز مجدداً عند حلول العثمانيين ونقلهم مركز المحافظة داخلها وجعل الخط الحجازي يمر عبرها وتنظيم الزراعة وشق الطرق وحفر الآبار الارتوازية . وفي العام 1925 ميلادية صدر قرار ملكي بضم معان إلى إمارة شرق الأردن، واعتبرت عاصمة أوّلية رسميا آنذاك .
ولا ينسى آباء وأجداد في المكان الكارثة المأساوية في الحادي عشر من مارس/ آذار عام 1966 عندما دهمت السيول العارمة المدينة وخلّفت 112 ضحية نتيجة الفيضانات قبل أن يأمر الملك الراحل الحسين بن طلال ببناء 120 وحدة سكنية وزّعت على المنكوبين وتحسين البنى التحتية بعدما تبيّن أن طبيعة البيوت من طوب اللبن، فضلاً عن أن حجم المياه المتدفقة صباحا على حين غرّة ساعد في توسع الضرر .
مواقع أثرية
وتضم المدينة مجموعة مواقع تاريخية وأثرية لا تزال محل قيمة لافتة تتوزع بين مناطقها المختلفة من أبرزها قلعة معان التي يطلق عليها السرايا وهي من الآثار العثمانية الباقية حتى الآن منذ تشييدها في العام 1566 ميلادية في عهد السلطان سليمان القانوني وترتكز في بنائها الأصلي على أبعاد تتراوح بين 22 و24 متراً وتلحقها بركة كبيرة استغلت سابقا من أجل جمع المياه وتوفيرها للحجاج فضلا عن اتخاذها مقراً للجنود .
وعلى بعد نحو ثلاثة كيلومترات شرقي المدينة توجد بركة الحمام وهي مربّعة الشكل بعمق 7 أمتار كانت مصدر ري للمناطق الزراعية الحافلة بالخضروات والفاكهة . وعلى مقربة هناك بقايا أبنية قديمة استخدمت للاستراحة أثناء جمع المحاصيل .
ويعد قصر الملك المؤسس (عبد الله الأول) من أهم المعالم الموجودة في المكان ويقع على بعد ثلاثة كيلومترات جنوب المدينة، وكان مقر اتخاذ قرارات في نشأة الأردن الحديث، وقد تحوّل الآن إلى ما يشبه المتحف ضمن مبان متلاصقة تحتفظ بأجزاء سكة الحديد العتيقة التي مهدت طريق الحج في الماضي .
ومن المرافق الأخرى قناطر الجنوب قرب السرايا وهي سلسلة أقواس من الحجارة بينما يحتفظ متحف قصر البنت الأموي شرقي معان بملامح قليلة من بنائه الأصلي بعدما هدمه بعض الناس وأخرجوا الحجارة الكبيرة اعتقاداً بوجود ذهب داخلها .
وتتميز المدينة كذلك بما يطلق عليها البساتين الحجازية (جنوب) والشامية (شمال) التي تشكل متنفسا للخضرة الواسعة وتشتهر بنباتات الرمان والتين والمشمش بينما يدل مسمى الطاحونة غرب المدينة على بئر غزيرة المياه وقد عملت البلدية هناك على توسعتها إلى جانب ينابيع الضواوي وآبار المزراب والخماسي وعيون سلوم والغدير والنجاصة التي تنتسب إلى شكل فاكهة الإجاص .
معاصرة تواكب الأصالة
ورغم تجسد معالم العصر في المدينة في استخدام التقنيات ودخول التكنولوجيا على اختلافها وتخريج أكفاء درسوا في أرقى الجامعات وتحمّلوا المسؤولية في مناصب مختلفة إلا أن السوق القديمة في المدينة لا تزال ذات بريق خاص لاسيما بالنسبة لمن لازموا بدايات المحال العتيقة فيها وسط البلد، فيما يعتبر المسجد الكبير مركز التقاء الرجال من جميع المناطق عند صلاة الجمعة تحديداً وطرح قضايا وموضوعات متنوعة في باحته بعد أدائها .
وتمثل السحجة أبرز الفنون الفلكلورية هنا، وهي عبارة عن استعراضات شعبية يؤديها كبار السن وحفظة الشعر وتكون بمثابة الختام في جلسات السمر بحيث تقف مجموعة من الرجال ضمن فريقين متقابلين يبدأ بعضهم بصدر البيت ويرد عليهم المحاذون أمامهم وفق أداء بطيء نسبياً يرافقه حركات إيقاعية منسجمة بين اليدين والقدمين تشتد تدريجياً حتى يقوم أحدهم ويطلق عليه الحاشي بتسريع الإيقاع مع التلويح المموّج بالسيف .
ومن الفنون الدالة على العادات والتقاليد كذلك التسعاوية المرتكزة أيضاً على حركات صوتية متقنة وهناك الدحيّة والشرقية وحلقات الدبكة الشعبية مع ترديد كلمات تتناول واقع الحال والعلاقات الاجتماعية والمعاملات .