العمل هو ركن من أركان الحقيقة، فالعمل هو الوسيلة التي بموجبها تصبح الفكرة واقعاً والخيال حقيقة. وكما أن لكل بنيان أركاناً فكذلك العمل له خواصه ومقوماته ومفاهيمه وأطره، بل وأساليبه ونظرياته وأركانه.

العمل قد يكون صالحاً تغتني به البشرية وينتفع به الخلق من بشر وكائنات وبيئة، وقد يكون غير ذلك إذا انتفت المنفعة أو إذا شاب العمل أو نتيجته أو كليهما ضرر وإن كان فيه منفعة. وهنا يخضع تقييم العمل لموازنة المنفعة والضرر أو لتقدير المصالح والمفاسد. إلى هنا يلتقي العمل على صوره كافة، إسلامياً كان أو غيره.

وتختلف معايير تقييم العمل باختلاف معايير المقيم للعمل، فهناك معايير النفع والقبول والجدوى والضرورة وغيرها التي يخضع العمل لها في التقييم.

وقع اختيارنا على العمل الإسلامي تحديداً في بحثنا هذا لأسباب كثيرة، أهمها أن العمل الإسلامي يتمتع دون سواه من الأعمال بأقصى درجات الوضوح في المعايير وأسس التقييم. كما ويتمتع العمل الإسلامي بمنهجية فريدة في التصور تفتقر إليها التوجهات العملية الأخرى، ولعل بحثنا هذا يلقي الضوء على بعض هذه الخصائص. وتدل تجاربنا في العمل العام في المجتمعات غير المسلمة على أن المفهوم الإسلامي للعمل يمثل قاسماً مشتركاً يلتقي عليه العاملون على اختلاف توجههم دون الحاجة الى تصنيف العمل كإسلامي أو غيره.

نعلم جميعاً شمولية التصور العقائدي الإسلامي من حيث انعكاس العلاقة الإيمانية بين الإنسان وخالقه على علاقة الإنسان بنفسه وغيره. كما ونعلم الارتباط الوثيق بين هذه العلاقة الإيمانية بالعمل الذي يترجمها إلى واقع. بل ونهى الله سبحانه عن انفصام القول عن العمل في قوله: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. أما الدلالات من استخدام التعبير الرباني: كبر مقتاً في تقرير خطورة الانفصام بين القول والعمل فتحتاج إلى أبحاث وتفصيل لا قبل لنا بها في هذا المقام. وإن في قوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان ما وقر في القلب، وصدقه العمل ما يغنينا عن شرح إثبات حقيقة الإيمان واستحقاقاته من عمل.

العقيدة الإيمانية

فيشترط للعمل الإسلامي أولاً أن يستند إلى قاعدة إيمانية، ثم يتبعها النية واستحضارها. والنية وإن كانت أساس كل عمل فإن دوام استحضارها ومراجعتها يمثل أخطر التحديات التي يواجهها العامل. فكثيراً ما تبدأ الأعمال بعقيدة إيمانية راسخة ونية خالصة ما يلبث أن يخالطهما أهواء ودوافع أو افتتان بالنفس أو عصبية أو قبلية أو تعصب الرأي، أو حتى حساسيات ونزاعات تخرج بالعمل عن مساره الذي بدأ عليه من حيث لا يدري العامل.

ثم يأتي بعد ذلك التخطيط والإعداد، فبعد يقين العامل بأن الله وحده هو مسبب الأسباب، يأخذ العامل بهذه الأسباب ويعد العدة ويتحرى الإتقان في العمل لبلوغ الأهداف. أما التخطيط والإعداد فهو من أخطر أبواب العمل حيث ينبغي على العامل فهم الواقع بأبعاده وتقييمه بشكل دقيق للتعرف الى أهم التحديات والاحتياجات، ومن ثم تحديد أولويات العمل، فلا ينبغي استغراق العامل بالتجميل والتحسين إن كان هناك شح وتقتير.

فإن وجدت عليلاً في صحراء جدباء على وشك الهلاك، قدمت إليه رشيفات من الماء من غير إسراف، وبعد أن تروي ظمأه تقدم إليه لقيمات يسترد بها عافيته، ثم تشخص الإصابات والأمراض التي يعاني منها العليل فتتعرف إلى ما يحتاجه من دواء وعلاج، ثم تقدم له الكساء والملجأ، وبعد ذلك تقدم له التعليم والعناية الطبية وغيرهما من عوامل تحسين ظروف المعيشة والخدمات. كل ذلك بما ينسجم والمنطق وطبيعة الخلق والبشر، ولو بدأنا بالخدمات والتعليم لهلك العليل ولانقطع منا العمل.

وكذا حال الإنسانية اليوم عليلة سقيمة حائرة، عطشى وقد جرت من تحت أقدامها الأنهار، جوعى وقد فاضت من جنائنها الثمار، عليلة وقد زخرت مصحاتها بالطبيب والعقار، تكشفت عوراتها فلا يكسوها رداء أو إزار، تئن إلى الله من ضياعها لا يريحها ليل أو نهار، تشكو إلى الله أمة موحدة تجاوزت المليار، ونئن نحن الموحدين نرجو رحمة العزيز الغفار، منا العاملون ومنا القاعدون ومنا من في أمره نحار، فلا سقينا عليلاً ولا شفينا سقيماً، ولا نجونا من حساب الواحد القهار، عن كل نفس أفلتت من رحمته، عن كل جائع ويتيم وفقير وضال ومستنقذ بانتحار، وأجدادنا بكوا لدابة عثرت في أقاصي الأمصار، حملنا أمانة أشفقت منها السماوات والبحار، فكان في الأمانة مصيرنا إما إلى جنة أو إلى نار.

العالمية والخيرية

ولعل أهم ما يتفرد به العمل في الإسلام هو خاصيتا العالمية والخيرية. فخيرية العمل الإسلامي مفهوم شمولي ينبثق من التكليف الأساسي للإنسان بعمارة الأرض بمعنى الخير لكل ما هو موجود. فلا تقتصر خيرية العمل على منفعة لجماعة بعينها أو أصحاب عرق أو ديانة، أو حتى لأمة دون أمة، بل إن خيرية الإسلام عمت الحجر والشجر وسواهما من الخلق من البشر وغير البشر. وما كان رسول الله محمد إلا رحمة للعالمين عربيهم وأعجميهم، موحدهم ومشركهم، فقيرهم وغنيهم، رئيسهم ومرؤوسهم، بل شقيهم وسعيدهم. ويحضرني هنا إحدى مشاركاتي قبل نحو عقدين في ندوة عن الأديان ضمن مؤتمر دولي للبيئة بجامعة كليرمونت الأمريكية، ففي الوقت الذي استغرق فيه الباحثون وعلماء اللاهوت والذين كانوا يمثلون أكثر من عشرين ديانة ومذهباً في محاولة إثبات صحة معتقداتهم دون سواها من الديانات، واستغرقوا في مناظراتهم حوالي الساعتين، اكتفيت بدقيقتين لأسرد لهم قصة الأعرابية التي اهتدت إلى الله بفطرتها، لأذكرهم بأن الإسلام وخيريته ما هما إلا الفطرة التي جبل عليها الإنسان. فلم يملك المنظرون، وكان معي وقتها أستاذي الجليل الدكتور حسان حتحوت، إلا أن يقروا بإنسانية الإسلام دون سواه من العقائد والأديان.

فخيرية الإسلام وعالميته ليستا بحاجة إلى إثبات، وإنما يحتاج كل مسلم وعامل أن يتعرف إليهما كأساس في الاعتقاد لا بد وأن ينبني عليهما أي عمل. من هنا تأتي أهمية إيمان العامل برسالته في نجاح العامل وإتقانه. وبذا يرقى الفهم والإتقان إلى تحقيق الاحترافية في العمل والأداء. ولست أرى أبلغ من قوله جل وعلا: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين لتبيان فضل العمل ورقي رسالة العامل.

تحديد الأولويات

العمل يبدأ بالعامل وإعداده، ثم التعرف إلى الواقع وتحديد أولويات العمل، وهذا بدوره يحتاج لبعض من العلم والإدراك لتقدير المصالح والمفاسد، على ألا يضيع العمل في تنظير وسفسطات تحبس الفكر بعيداً عن ميدان العمل. ثم بعدها يظهر التمايز بين العاملين في أدائهم وطاقاتهم وقدراتهم، يتلوها وضع كل عامل في العمل الذي يتميز به عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.

ينبثق عن التمايز في العمل، أيا كان، تمايز في الإدراك، ومن الإدراك أن ترى الواقع في منظار استمرارية الحياة وديمومة الخيرية استحضاراً لقوله صلى الله عليه وسلم: لو قامت الساعة وكانت بيد أحدكم فسيلة فليغرسها، وذلك دون أن نؤجل استحقاقات العمل والإصلاح والبناء حتى قيام الساعة.

إنه من اللازم أن يلتفت العاملون لمعالجة أحوال المسلمين، على ألا يغفل عموم المسلمين عن تقديم الحلول لما يعانيه غير المسلمين، على اختلاف مستويات المعاناة والاحتياجات. فقد يرى بعض العاملين أولوية أن يقتصر العمل مع غير المسلمين على إغاثة الملهوف، وفي هذا مخالفة لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم حين دعا كبراء أهل مكة. وقد يرى البعض اقتصار العمل على استقطاب أهل النفوذ والسطوة، وهذا ما عاتب الله فيه رسوله في سورة عبس. فتقدير الأولويات لا بد وأن يستند إلى الوسطية في الحلول لتحقيق أكبر قدر من الشمولية وأعظم درجة من الخير وأوسع دائرة من المنفعة، ولا يضيرنا هنا أن نبدأ البحث في موضوع اقتصاديات العمل الخيري كباب من أبواب الاقتصاد في الإسلام بحيث تشتمل دراسات الجدوى للمشاريع الخيرية على تقدير المنافع الإيمانية والاجتماعية والخيرية بالإضافة إلى الحاجة والإلحاح، كمؤشر لأولويات المشاريع.

الدعوة إلى الله

أما عن فريضة الدعوة إلى الله، فقد أجمعت الشواهد كلها على أن الإسلام ليس بدين تبشيري كغيره من الأديان، وأن أبلغ دعوة وأنجحها أن يصدق المسلم خالقه فيصدقه خالقه، وأن يترجم إدراكه لهويته في سلوكه ونظام حياته. ولو نظرنا في أنفسنا لوجدنا في بعض دعاتنا من هم في أمس الحاجة إلى الدعوة، وفي عاملينا في الإغاثة والحوار من أهم في أمس الحاجة لإغاثة أنفسهم ومحاورتها. وقديماً قيل: فاقد الشيء لا يعطيه وإن كانت الخيرية في الإسلام إلى يوم الدين فلا خير في المسلمين إن لم يعيشوا إسلامهم واقعاً وهوية، ثم يتخذوه سبيلاً إلى غاية، ألا وهي أداء ما عليهم من أمانة.

ومن الطريف أن مدارس التربية الحديثة وجدت أن إسناد المسؤوليات إلى الأفراد من أنجح وسائل التأهيل أو إعادة التأهيل في مختلف المجتمعات على اختلاف المشكلات والأعمار، فلا غرو أن الله جعل أساس خلق الإنسان في تكليفه، وجعل في تكليفه فلاحه ومنجاته. من هنا فالمسلم أقدر الناس على التميز والنجاح حيث جبل على إدراك مسؤولياته والغاية من وجوده وخلقه. ولطالما أدهشني مدى اندهاش غير المسلمين لسماع هذه الحقيقة التي تعود كثير منا الإهمال في أداء استحقاقاتها.

نخلص هنا إلى أن العمل في المفهوم الإسلامي هو شطر الاعتقاد، فلا إيمان بلا عمل، ولا خير في مسلمين إن لم يكن فيهم عاملون. وإن كانت اختلفت مستويات المسؤولية وطبيعتها في العمل تبعاً لدرجات الاختصاص والتفرغ، فإن نوعية العمل وأداءه لا بد وأن تتسم بالاحترافية والاتقان، وأن تتصف بالخيرية والرحمة، وأن تتحلى بالعالمية والشمولية. وكما كان أسلافنا رسل خير وحضارة لسائر البشر فإني أرى في المسلمين وإن ساءت أحوالهم، وتآكلت حصونهم، ودكت عروشهم، وسلبت أوطانهم، فإني أرى فيهم البلسم الوحيد للبشرية للنهوض مما اعتراها، وللخروج بالإنسانية من أزماتها ومعاناتها.

ولعل في معاناة المسلمين اليوم نعمة ورحمة، ولعل في هذه المعاناة تذكرة للمسلمين بأماناتهم وعبرة، ولعل وعيهم بمسؤولياتهم مدعاة لأن يعملوا للنجاة بأنفسهم وغيرهم، فيصلحوا من دنياهم وأخراهم، ويبلغوا من رضا الله غايتهم، ومن جناته منتهاهم.

وختاماً يجدر بنا أن نتذكر جميعاً أن العمل وإن كان فيه قضاء لحاجات العباد، وتحقيق لمصالح البلاد، ودرء للشرور والفساد، فإنه معذرة للعامل أمام خالقه، ومنجاة له مما اقترفت الجوارح والأيادي.

وواقع التجربة يثبت لنا مراراً وتكراراً أن الدين دائماً إلى انتصار، وأن الباطل وشقاء العباد أبداً إلى اندحار.

أما المسلمون، فبين الاستعمال والاستبدال ترك الله لهم الخيار، وهو الغني عن العالمين جميعهم الخيار منهم والشرار: و إن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.

[email protected]