تجمع مدينة هابو في البر الغربي في الأقصر بين عظمة المعمار الفرعوني القديم وسحر تلك الحضارة الإنسانية الموغلة في القدم، ما يجعلها بحق واحدة من أهم المناطق الأثرية الموجودة في صعيد مصر، إن لم يكن أهمها على الإطلاق . وتمتد مدينة هابو الأثرية على مساحة شاسعة في منطقة البر الغربي، لا ينافسها شهرة سوى وادي الملوك القابع على بعد كيلومترات معدودة، ذلك الوادي الذي يضم عشرات من مقابر ملوك الأسر الفرعونية المختلفة، على ما تحتويه تلك المقابر من أسرار لم يتمكن العلم الحديث من سبر أغوارها حتى اليوم .

لا يعرف أحد على وجه الدقة التاريخ الذي أنشئت فيه هذه المدينة ذات الأبراج الضخمة والعمارة رفيعة الطراز، وإن كان كثير من المؤرخين يرجع تاريخ بنائها إلى عهد الملك رمسيس الثالث، الذي عكف على بناء تلك المدينة المقدسة لفترة من الزمن أنشأ خلالها في البداية ذلك المعبد المهيب، قبل أن يحيطه بالأسوار والأبراج العالية الضخمة .

وتصل مساحة معبد هابو إلى نحو 320 متراً إذا ما قيس من الشرق إلى الغرب، وهو ما يجعله واحداً من أكبر وأهم المعابد المحصنة في مصر القديمة حيث يبلغ ارتفاع السور الخارجي للمعبد نحو 7 .17 متر، ويمتاز معبد هابو دون غيره من معابد البر الغربي في الأقصر بسورين، أحدهما داخلي والآخر خارجي، والأخير له بوابة عملاقة تسمى المجدول، وقد بنيت تلك البوابة على الطراز نفسه الذي بنيت به في وقت لاحق العديد من القلاع السورية التي لا تزال باقية حتى اليوم .

ويكتسب معبد هابو أهميته ليس فقط من معماره الفريد، ولا مساحته الضخمة التي تتجاوز في حجمها العديد من معابد الأقصر القديمة، وإنما أيضاً بما يحيط به من معابد صغيرة يرجع تاريخ بنائها إلى عصور فرعونية مختلفة، فضلا عن عشرات المقاصير التي كانت مخصصة للأميرات من بنات الأسرتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين التي تطل جميعها على البحيرة المقدسة المواجهة للمعبد الكبير .

لا يعرف أحد على وجه اليقين سر تسمية تلك المدينة المقدسة في غرب الأقصر باسم هابو وإن كان بعض الكتابات القديمة والقصص التي يتوارثها سكان تلك المنطقة تُرجع التسمية إلى قبيلة هاجرت إلى هذا المكان قبل آلاف السنين وتحديدا في العصر المسيحي، وأن المكان اكتسب تسميته منها، لكن مؤرخين ينفون تلك القصة من جذورها ويقولون إن المكان ظل محتفظاً باسمه الديني القديم، الذي استلهم من عقيدة التاسوع المقدس القديمة، ويدللون على ذلك بعشرات المشاهد المحفورة على جدران المعبد، التي تشير إلى مظاهر تقديم القرابين بالداخل، وهو ما يؤكد أن الملك رمسيس الثالث كرس هذا المعبد عند بنائه لكثير من المعبودات الفرعونية القديمة .

يعكس تخطيط بناء معبد هابو في حقيقة الأمر الغرض الرئيس الذي أنشئ من اجله، وربما يبدو ذلك واضحاً في بوابته العملاقة التي تسمى المجدول والمرجح أن الملك رمسيس الثالث صمم تلك البوابة العملاقة لحماية المعبد من خطر الغزو، جراء كثرة حروبه مع شعوب البحر الشردانة والسردانيين وغيرهم، وهو الأمر الذي يفسر كيف بدأ بناء المعبد بنقطتي حراسة .

وتحفل جدران معبد هابو بالعديد من الرسوم التي تحكي قصص حروب الملك رمسيس الثالث، بداية من أول معاركه ضد الليبيين، حيث تروي تلك الرسوم قصصا عن الحملات العسكرية التي خرج بها من مصر، والأعداء الذين هزمهم سواء هؤلاء الذين كانوا موجودين في الغرب أو الشمال .

ويتميز معبد هابو دون غيره من المعابد الفرعونية القديمة بوجود عشرات الشرفات التي بنيت خصيصا ليسجل عليها الملك عدد محظياته، وتظهر الرسوم الموجودة على هذه الشرفات عدد هؤلاء المحظيات، وحجم ما كان يتمتع به الملك من توقير، إذ تظهر إحدى هذه الرسومات صورة لإحدى بنات الملك، وهي تقبل يده في واحد من المناظر الفريدة التي لا توجد في معبد آخر . وتكشف القصص المصورة على جدران معبد هابو جانباً كبيراً من حياة الملك رمسيس الثالث العسكرية، فهذه صور توضح كيف كان يؤدب الأعداء، وهذه صور أخرى توضح مراسم تقليد الملك رمسيس الثاني، وهذه ثالثة تصور كيف أدّب رمسيس الثالث الحيثيين، وكيف كان يعلق رؤوس الأعداء على شرفات المعبد، في دلالة رمزية للقضاء عليهم، أو لإثبات أن هذه ربما تكون مقابر جماعية لهم، أو حتى لإثبات خوفهم من الملك ليبين خضوعهم لملكه . عثرت البعثة الآثارية لجامعة شيكاغو في بدايات الثلاثينيات من القرن الماضي على قصر رمسيس الثالث، وإلى جواره عدد من الأكواخ التي حفرت أساساتها في الأرضية الصخرية لمعبد حور محب القريب من القصر، وقد ذهبت البعثة حينذاك إلى أن هذه الأكواخ ربما تكون قد بنيت لسكنى بعض العبيد، الذين تم جلبهم للمشاركة في بناء المعبد، إذ يقول بعض المراجع التاريخية إن رمسيس الثالث تمكن من أسر بعض البدو من قبائل الشاسو وأرسلهم ليعملوا عبيداً في معابد مدينة هابو .

في العصر القبطي تم تحويل فناء هذا المعبد العملاق إلى كنيسة، لكن ذلك لم يمنع من احتفاظ المعبد بملامحه الرئيسة التي تظهر بوضوح في بقاء صفاته في كل جانب، حيث يختلف نظام الصفات الشمالية والجنوبية عن الشرقية والغربية، إذ يعتمد سقف الصفتين الشمالية والجنوبية على صف واحد من الأعمدة البردية بتيجان مبرعمة بواقع أربعة فقط على اليمين وخمسة أعمدة على اليسار، فيما يعتمد سقف الصفة الشرقية الأمامية على صف من الأعمدة الأوزيرية بواقع ثمانية أعمدة بينما يعتمد سقف الصفة الغربية الخلفية على صفين .