يجر العام 2011 أذياله، بهدوء، عن مشهد جدّ مختلف، ومغاير، لم تعرفه المنطقة برمتها من قبل، حيث أصبح هذا العام محطة فاصلة في تاريخ المنطقة، وشعوبها، في آن واحد، كي نكون أمام ما قبل عام 2011 وما بعده، ولعل بعض ما يمكن الإشارة إليه، عن ثقافة ما قبل هذا الموعد تحديداً، وما قد ينسب إلى ما قبل هذا التاريخ انتشار ثقافة خاصة، في أماكن كثيرة من العالم، قوامها العبودية، والإذلال، والظلم، والتجويع، والتشريد، وانتهاك الحريات، وغير ذلك، من ضروب الاضطهاد . لتشهد نهايات العام 2010 انطلاق الشرارة الأولى التي أشعلها البوعزيزي، ذلك المواطن التونسي البسيط، من خلال إضرام النار في جسده، بعد إهانته، وهدر كرامته، نتيجة احتجاجه على احتجاز عربته التي كان يبيع عليها الخضار، ويعيل أمه، وأخواته، لتفعل تلك الشرارة الأولى فعلها، في دائرة أوسع من دائرة ذلك المكان المحدود، بخريطته، فتذوب ركامات أربعة عقود ونيف من الخوف، والظلام، والعذابات، والضياع في غياهب السجون، أو المقابر الجماعية التي كان يغيب فيها الكثيرون من الأحرار في أكثر من عنوان وأكثر من مكان .
وبدهي، أن ما شهده العالم، خلال اثني عشر شهراً، كانت الصورة الإلكترونية لابنِ المكان عينه، في خريطته الأوسع، مدار اهتمام العالم برمته، إذ تمتلىء شاشات الرائي، أو الحواسيب، وكذلك الصحف المقروءة، بتلك المناظر الموغلة في الإيلام، والتي ترتعد فرائص أحرار العالم لمرآها، إذ غدا مشهد نحر طفل، أو تيتيمه من أبويه، أو نحر أسر كاملة، أو تهديم المنازل فوق رؤوس أصحابها، كي يتم محو وجودهم عن مسرح الحياة، نهائياً، أمراً في دائرة ما هو اعتيادي، بل إن أصوات دويّ الأسلحة المتنوعة، خفيفة، ومتوسطة المدى، كانت ملء أسماع العالم الحر كله، ناهيك عما يسببه ذلك من أذى كبير بالنسبة لمن تقصدهم تلك الرصاصات والقذائف، بل والقنابل المحرمة، في عرف الضمير الإنساني المتفرج .
ولعل المشاهد الأكثر استفزازاً، وإيلاماً، كانت جدّ كثيرة، من حولنا، وقد يأتي في مطلعها اقتلاع حنجرة أحد الذين تغنوا بإحدى الثورات العربية، ورمي جثته في نهر مدينته، لتكون ميتته الدرامية درساً لمن حوله، وهو ليس ببعيد عن مصير من اشتغل في مجال التدوين بلغة هادئة، ليقضي تحت التعذيب، ناهيك عن فقء عيني مصوّر دأب على التقاط صور ما تقع عليه عيناه من أهوال كبرى، في مقدمها استرخاص دم الإنسان، بوساطة هاتفه المحمول . ولعل أكثر من مواطن صحفي - وهذه الصفة الجديدة التي دخلت عالم الصحافة في ظل تغيب الصحفيين الميدانيين لأسباب معروفة - قام بالتقاط صورة للقناص الذي صوب الرصاص إليه، لتكون صورة القاتل آخر صورة انغمضت عليها عيناه، بل وآخر صورة التقطها جهاز هاتفه الجوال، تحت إمرة سبابته، ولقد نجا من تغلبت السبابة التي التقطت الصورة على السبابة التي تضغط على الزناد، بعدما واجهت جمجمته رصاصة أخرى من قبل، من دون أن يرفع يده، كي يكتب روايته بلغته الأم، عن كل ذلك .
وإذا كنا الآن، في حضرة شباب، رفض أن تكون حياته نسخة طبق الأصل، عن حياة جيل أبيه الذي فتح عينيه على كل صنوف العذاب، وامتهان الكرامات، فإن جيل الأطفال لم تسلم براءاتهم من براثن آلة القتل، بل كانوا في مداها المجدي، دافعين ضريبتها، لتزداد أعداد الأطفال في هذا العالم، ممن امحوا عن خريطة الحياة، ناهيك عمن فقد أعز من حوله، أخوات، وأمهات، وآباء، بل يضاف إلى كل هؤلاء من أصيب بعاهات دائمة، جسدية كانت، أو نفسية، وكان كل ذلك ناتجاً عن أن بعض الدكتاتوريات التي أدلجت لتأبدها، في بقاع كثيرة من العالم في الشرق والغرب والشمال والجنوب، لم تكتف بما ألحقت بالبنى التحتية من خراب، وما ارتكبته من مظالم، ومجازر، فباتت تعمل على إلحاق المزيد من الدمار بالبنية التحتية، من خلال اللجوء إلى عدم إبقاء على حجر، بل وعدم التورع حتى عن إبقاء خرائط بلدانهم، من دون بشر، أو شجر، أو حجر، وهي عدوى تهيمن على رؤى الطغاة في كل مكان وزمان .
لقد كان من شأن الربيع العربي أن يشير إلى أماكن جديدة دون بنوها أسماءها، لتكون في حرم العام ذاته، أجل . مدنٌ جديدةٌ كتبت أسماءها، بحبر جديد، وقد طرحت هذه المسألة قضية ثقافية حول علاقة القرية بالمدينة، تلك العلاقة التي ظلت مثار جدل في الثقافة المعاصرة، من حيث علاقة القيم ببعضها بعضاً، واليوم تستعيد القرية جزءاً كبيراً من ارتباطاتها بالمخيلة الرمزية للقيم، فقد وضع دخول القرية على خط الربيع العربي المدينة أمام أسئلة كثيرة، وأهمها عدم قدرة المدينة العربية على إنجاز وعودها الحداثية، وبقيت الحداثة حالة برانية، لم تستطع أن تؤسس للقيم الحداثية نفسها .
إذا كان العام 2011 - ولا أقول السنة لأنه مهاد الحرية، هذه الحرية التي أعادت فرز تاريخ المكان، على نحو واقعي وشعري في الوقت نفسه، فواقعياً تمت استعادة إرث كبير من نضال إنسان ذاك المكان، للالتحام بقيم الحرية، وهي قيم ظل يتوق إليها في سياق مجمل التناقضات التي واجهها، منذ الاحتلالات الاستعمارية وحتى قيام ما سمي بالدولة الوطنية، وظهور المؤسسات، تلك المؤسسات التي لعبت في الكثير من الأحيان أدواراً تتناقض مع وظيفتها الأساسية، ومنها المؤسسة الثقافية العربية .
وشعرياً، كنا في العام 2011 أمام التحام الشعوب، أثناء دفع الضريبة الغالية، ببعضها بعضاً، وهو التحام فيه الصورة الموحية والموسيقا التي تخرج من الآلة الموسيقية الأعظم التي عرفها تاريخ الموسيقا، وهي الحنجرة، وهنا لا بد أن نقول: إن كل هتاف في ميدان من ميادين الحرية هو قصيدة طويلة، وملحمية في الوقت ذاته، تسرد على نحو طقسي ألم هذا الإنسان وأشواقه .
والعام ،2011 سيكون مدرسة في الفكر، وحاضناً للتجديد، والحضارة، ونبذ آلة القمع، أنى كانت، بل وسينصف تاريخ الكثير من البلدان التي رزحت آلة القمع فوقها، إلى مرحلتين، أولاهما ما قبل الاستبداد، والأخرى ما بعد الاستبداد، لئلا يكون مجرد رقم عادي يمر، حتى وإن كان سيثير ما يكفي في الضمائر الحية، من ذكريات أليمة .
أجل، لقد استطاع العام ،2011 أن يكون عاماً غير عادي، حيث اختصر عقوداً، أو قروناً، في ذاته، ليكون عاماً ضوئياً بامتياز فهو أوجد ذلك الفضاء من التفاعل مع إنسان أمكنة عديدة، على أفضل صيغة، حيث أسقطت فيه أقنعة كثيرة، عن وجوه أضفت على نفسها ملامح، وهيئات أسطورية، لتظهر على حقيقتها، وليسقط عنها ذلك البريق الخادع الذي تحصن بالرعب، والترغيب، والترهيب، كي تسقط شعارات، وهالات مخادعة، وليعاد الاعتبار إلى ما اعتبر في عداد المغيب، والمهمش، والمنبوذ، فيسترد كل هؤلاء أبهات أسمائهم، ورؤاهم، وذلك بحسب سنة دورة الزمان .
إن عام 2012 الذي تفصلنا عنه ساعات -فحسب- سيكون حاضناً للكثير من إنجازات العام العلام، الذي سبقه، مستظلاً به، شاهداً على نضوج ثماره التي لم يكتب لمركبة سلفه أن يشهدها ضمن خطه الزماني، كما أن للسنة الجارة 2010 ما ستتباهى به، وهي التي طمرت في أحشائها بذوراً انتشت، في فضائه، كي يغدو هلالان، أو قوسان لعام هو قابهما، أو أدنى، من نصر يطرق بأصابعه الشجرية أبواب اللحظة المقبلة .
إن هذه التحولات الهائلة التي تتم، من حولنا، في المنطقة، لابد وأنها ستؤسس لمعادل إبداعي فني، من شأنه أن يتجسد في مجالات الشعر، والسرد، كما سيتجسد في المسرح، والموسيقا، والسينما، والتشكيل، على نحو ناضج، مادامت ذاكرة المبدع قد دعمت بذاكرة اصطناعية، إلكترونية، تؤرشف الصورة والحدث، وقد يمكن استعادة يوميات أية ثورة كاملة، لمن يريد، وهذا ما يجعلنا نترقب ملاحمَ شعرية ترتقي إلى أطم رصيد الدم الهائل الذي أريق على أيدي جلاوزة القرن الحادي والعشرين، كما أننا سنكون أمام روايات وقصص، تتناول كل ذلك، لتسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، فتكون -في المقابل- شاهداً على ملاحم حياتية مماثلة، وهل من بسالة تصل إلى مستوى مواجهة أحد الشباب الدبابة، ب عري روحه وهتافه، ونشيده للحرية، ونشدانه لها . . .!؟
وإذا كانت الثورات الشعبية، لما تبلور بعد أدباً نوعياً، يرتقي إلى مستوى الحدث، فذلك عائد إلى أن هذه الثورات، لم تكن مسبوقة بأي أنموذج سابق، محتذى، بل إن فظاعة ما قدمته الصورة الإلكترونية، شكلت تحدياً للإبداع، إلا أن أدب ،2011 سيكون أدباً ذا ملامح وسمات خاصة، وسيحدث منعطفاً هائلاً في تاريخ الأدب الجديد، بل هزة كبرى، لا نزال في انتظارها .