لابن القيم كلام لطيف في معنى جمال الله عزوجل، نورد منه مايلزم لموضوعنا وهو المدخل الجمالي في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وفي رسم ملامح حياة المسلم على أسس جمالية تكون هي نفسها بمنزلة الدعوة الصامتة الهادية إلى دين الله تعالى، فهو يعتبر معرفة الرب سبحانه وتعالى بالجمال من أعز أنواع المعرفة وهي معرفة خواص الخلق، (فكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه)، فهي معرفة أعز وأعظم من معرفة العبد ربه سبحانه وتعالى بنعمه أو برزقه أو بكرمه وإن كان لهذه المعارف طعوم خاصة لا تستغني عنها ذائقة المسلم كما تشير وتوحي الأذكار التي سنها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في يوم المسلم وليلته .
ويقول ابن القيم رحمه الله إنه لنور وجه الله سبحانه وتعالى أشرقت السماوات والأرض كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام وصلح أمر الدنيا والآخرة، وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه: (نور السموات والأرض من نور وجهه، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء أشرقت الأرض بنوره )، وهذا يشير إلى ما ذهبنا اليه من تأكيد علماء هذا القرن الحادي والعشرين على أن الجمال صفة موضوعية للموجودات، وليست مجرد إحساس ناجم عن انطباع هذه الموجودات على ذائقة الإنسان، وهذه نقطة رئيسة في أي تفكير ديني يميزه عن التيارات اللادينية الموجودة على الساحة اليوم، وصلاح أمر الدنيا والآخرة يعني أن نور وجهه سبحانه وتعالى لم يضف الجمال فقط على الموجودات وإنما زاد على ذلك بتسيير أمور الخلق بما فيه الصلاح والخير، وهذه أيضاً ركيزة رئيسة في التفكير الديني حيث يحل النظام الغائي الذي يؤدي إلى المنافع وهو ما يؤكده علماء اليوم مكان الفوضى والعشوائيات والصدف التي لا ينتظر منها غاية ولا منفعة، من هنا نجد أن المسلم يعيش في عالم جميل نوره وجماله من نور وجمال الله عز وجل ومن هنا ليست للتبعيض وإنما للأثر- وهو عالم يسير وفق إرادة جميلة تقوده إلى ما فيه الخير والمنفعة لجميع الخلق، ومن شأن مسلم كهذا أن يعيش بصحة نفسية سوية أكثر قوة وتمكنا ممن يعتبر نفسه فرداً ضائعاً في أكوان حيادية لا تتصف بجمال ولا غائية، إنما هي قوانين علمية حتمية قد تضيق الخناق على أصحابها وصدف وعشوائيات وحظوظ يسمونها (قدراً) وقد لا يتأدبون مع هذه الكلمة فيشتمونها أو يلومونها وما هو إلا جهل مطبق يضيع دنيا الإنسان وآخرته .
ويقول ابن القيم رحمه الله: (وجماله سبحانه على أربع مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة . وأما جمال الذات وما هو عليه فأمر لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرف بها إلى من أكرمه من عباده، فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه عزوجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري . ولما كانت الكبرياء أعظم وأوسع كانت أحق باسم الرداء، فإنه سبحانه الكبير المتعال هو سبحانه العلي العظيم .
قال ابن عباس: حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال وستر بنعوت العظمة والجلال .
ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته، فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات . فإذا شاهد شيئاً من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات) .
فابن القيم رحمه الله يقر بجمال الذات الإلهية ولكنه يؤكد حجبها بالصفات والأفعال، ومعرفة جمال الذات إنما يكون بالاستدلال عليه من جمال الأفعال، وهو مايشير اليه جمال خلقه سبحانه وتعالى وعدله ورحمته وحلمه وتيسيره وتصريفه للأقدار .