القاهرة - عيد عبدالحليم:
تعددت أنماط الزي المصري عبر القرنين الماضيين، وبدا واضحاً التأثر بالزي العثماني في منتصف القرن التاسع عشر بارتداء الطربوش، إضافة إلى الزي الأزهري التقليدي الممثل في "الجبة" و"العمامة" التي سادت لفترة طويلة وكان يلبسها رجال الدين وطبقة الأشراف .
وقد ظهر "الطربوش" كبديل للعمة التقليدية في الطبقة الأرستقراطية، والطبقة الوسطى "الموظفين" .
ظلت العمامة والجبة والقفطان مميزة للزي الأزهري الديني، لكن بدأت مكانتها تتراجع في نهاية القرن التاسع عشر لصالح فئة "المطربشين" لابسي الطرابيش، وحفظ لنا الموروث الشعبي بعض الأزجال التي انتقدت لبس العمامة ومنها:
شيل العمامة شيل . . تحت العمة فيل
شد العمة شد . . تحت العمة قرد
شيل العمة يا أستاذ . . تحت العمة وابور جاز
وفي سيرته الذاتية أشار المفكر الراحل د . أحمد أمين إلى أنه كان يعاني من لبس العمامة حتى ارتدى الطربوش والبدلة، وقد قال أحد الشعراء في هجاء العمامة:
جاءنا الشيخ لابسا للعمامة . . يتجلى تحتها شبيه الغمامة
وهو في نفسه كبير عظيم . . ليس في فعله يرى من ملامة
يالعمري إنه شيخ سوء . . جل أفعاله محل الندامة
ولأن معارك الزي كانت مشهورة في بدايات القرن العشرين مثل معركة السفور والحجاب، فكانت هناك معركة بين فئة الأفندية الذين بدأوا في ارتداء الطربوش والبدلة، مقابل فئة المشايخ والأزهريين الذين أصروا على لبس العمامة .
وبدأت المعركة بين طلاب دار العلوم بزيهم التقليدي من الجبة والقفطان والعمامة الذين رفضوا ارتداء هذا الزي فأضربوا حتى يجاب مطلبهم بارتداء الزي الأوروبي "البدلة" بالإضافة إلى الطربوش التركي، وتبعهم في ذلك طلاب مدرسة المعلمين ومدرسة الحقوق، وبدأ بعض المشايخ في إصدار فتاوى أن لبس وارتداء الطربوش مخالف للدين، لكن الطلبة لم يستسلموا لهذه الفتاوى المغرضة .
وآثر بعض الشيوخ المعممين على وزارة المعارف التي أصدرت قراراً بمنع الطلاب غير المعممين من الدخول إلى الجامعة، لكن انتصر دعاة التغيير، على الرغم من الهجوم الكاسح لبعض رجال الدين، الذي وصل لدرجة أن معهد طنطا الديني أصدر بيانا نشرته الصحف وقتها جاء فيه أن لبس القبعة "البرنيطة" حرام باتفاق جميع المذاهب وخروج عن السنة والإجماع .
وقامت معركة أقرب بين لابس الطربوش ولابس "القبعة" الأوروبية لدرجة أن حزب "الوفد" اعتبر "الطربوش" رمزا للرداء الوطني، وطالب بمقاومة لبس "القبعة" .
وقد تحولت المعركة إلى معركة سياسية، لدرجة أن الدكتور محمود عزمي،رائد حقوق الإنسان في مصر؟ كان من رأيه أن الطربوش ليس رداء قوميا كما ادعى البعض حيث جاء من تركيا التي استبدت بالحياة السياسية في الوطن العربي لقرون طويلة واستغلت موارده من خلال الدولة العثمانية .
وكتب في مقال نشر عام 1927 : "أما العمامة العربية فقد دخلت مصر على يد الفتح الإسلامي فاتصلت بالروح الدينية من أول يوم، وأما الطربوش التركي فقد هبط إلينا من رؤوس المتسلطين لباسا رسميا للجنود والموظفين فهو رمز التسلط والتحكم، وهذه القبعة تنتشر في الوسط الآخذ بالمذاهب الحديثة فهي تمثل لوناً خاصاً، وليس النزاع بين العمامة والطربوش والقبعة لكنه تنازع بين صور مختلفة من التفكير والذوق يريد كل منها أن يسود" .
وجاء موقف عزمي باشا من إلغاء الطربوش على حد قوله "إن مصر بلاد مشمسة والطربوش لا يصد الشمس، ثم إن نسيجه نفسه يحرم الهواء من الدخول إلى رأس الإنسان .
وكان عبد الرحمن الرافعي من المناصرين للبس الطربوش رافضا القبعة الأوروبية وهذا ما أشار إليه في أحد مقالاته قائلا: "إن القبعة على رأس المصري منفردا دون قومه، إنما هي مظهر من مظاهر التحلل الاجتماعي" وهكذا دارت معركة اجتماعية حول الطربوش والعمامة والقبعة، وهي معركة طريفة لكنها حملت أصداء وآراء متعددة شارك فيها عدد من الكتاب والأدباء والمثقفين في ذلك الزمان الجميل" .