كشف برنامج في فضائية عربية عن جهل كثير من الشباب من الجنسين بالعبادات والفرائض والثقافة الإسلامية، حيث فشل 7 شباب من بين 10 في معرفة كيفية «صلاة الجنازة»، وفشل كل من التقتهم الفضائية في معرفة كيفية أداء «الصلاة الفائتة».. كما فشل معظم الشباب الذين التقتهم الفضائية في شوارع القاهرة في معرفة «نصاب» الزكاة ووصف بعضهم هذه الفريضة الواجبة بأنها «سنة».. بينما قال بعض الشباب: إن مهر الزوجة «ملوش لزمة» في هذا العصر وطالب بعض الشباب الفتيات بتقديم المهر للعريس!!
عرضنا مظاهر جهل شبابنا العربي بالفرائض والعبادات ومكونات الثقافة الإسلامية على عدد من كبار العلماء لبيان خطورة ذلك على عقولهم وسلوكهم وعلاقتهم بدينهم ومجتمعاتهم.. وهنا خلاصة ما قاله العلماء ونصحوا به:
في البداية يعبر د. عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين بالأزهر، عن أسفه وحزنه أن تكون هذه صورة شبابنا المسلم، مؤكداً أن الثقافة الإسلامية زاد واجب لكل مسلم وينبغي أن يحصل على هذه الثقافة في سن مبكرة من خلال الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام المختلفة التي أصبحت تهتم بالكرة والمهرجانات الغنائية أكثر من اهتمامها بأي شيء آخر، كما ينبغي أن تلعب المناهج الدراسية في المدارس والجامعات دوراً واضحاً في تعميق هذه الثقافة ونشرها بين الشباب المتعلم.
وقاية من الإسفاف
ويوضح د. العواري أن مكاسب نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة بين أطفالنا وشبابنا كثيرة ومتنوعة، فهي توجه سلوكهم العام إلى الأفضل والأرقى، حيث جاء الإسلام بكل ما يرقى بالسلوك والأخلاق، كما أنها تمثل حماية ووقاية لهم من كل صور الإسفاف السلوكي والانحراف الأخلاقي التي تموج بها مجتمعاتنا العربية المعاصرة نتيجة الانفتاح الإعلامي والثقافي على الغرب، فقد أصبح كل شيء متاحا لشبابنا اليوم ولابد أن نحصنهم ونحميهم من كل صور ومظاهر الانحراف السلوكي التي تطاردهم عبر وسائل الإعلام، وما تحمله مواقع النت الإباحية من مواد مدمرة للأخلاق ومفسدة للسلوك.
ويرى عميد كلية أصول الدين بالأزهر أن الخطر الأكبر لجهل الشباب بالثقافة الشرعية الصحيحة يتمثل في أن هذا الجهل يخلق بيئة خصبة للتطرف، حيث يسهل وقوع الشباب فرائس سهلة لجماعات التطرف والتكفير التي تحشو عقول هؤلاء الشباب بمعلومات ومفاهيم دينية خاطئة وتجندهم لتحقيق أهدافها، وهو ما حدث على أرض الواقع خلال السنوات الأخيرة، حيث استطاعت جماعات التطرف الديني استقطاب العديد من الشباب الجاهل بالإسلام وعملت لهم غسل مخ ووظفتهم لتحقيق أهدافها وأصبح هؤلاء خطرا داهما على مجتمعاتهم، حيث يدمنون العنف في التعامل مع الجميع بما في ذلك أسرهم.
دراسة مؤسفة
ويأسف د. العواري لوجود دراسات واستطلاعات رأي تكشف عن جهل الشباب بثقافتهم الإسلامية، ويشير إلى دراسة متداولة تؤكد أن أكثر من 70% من شباب الجامعات في مصر لا يؤدون الصلاة بانتظام، حيث يكتفي معظمهم بأداء صلاة الجمعة فقط، بينما يؤدي قلة منهم الصلوات اليومية بشكل غير منتظم!!
ويؤكد د. العواري أن جهل الشباب بكيفية صلاة الجنازة أمر يدعو إلى الخجل، رغم أنها من فروض الكفاية - إذا قام بها البعض تسقط عن الباقين- إلا أن من يؤديها ويحرص عليها فله أجرها وثوابها فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط» أي له نصيب عظيم من الثواب.. وصلاة المسلم على أخيه المسلم من الحقوق التي جاءت بها شريعة الإسلام وأمرت بها، ولم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ميتاً من دون أن يصلى عليه.
وينتهي عميد كلية أصول الدين بالأزهر إلى أن الصلاة - سواء أكانت مفروضة مثل الصلوات الخمس أو كانت من النوافل والسنن- من واجب المسلم أن يعلم كيفيتها لأنه يؤديها كل يوم والجهل بهذه الكيفية يؤكد عدم الالتزام بها أو الحرص عليها، وهذا الإهمال لعبادة من أهم العبادات يدخل المسلم في منطقة الإثم ويجلب عليه العقاب الإلهي.
مكاسب مهدرة
الداعية الإسلامي د. سالم عبد الجليل، الوكيل السابق لوزارة الأوقاف المصرية، يلتقط خيط الحديث من د. العواري ليؤكد أن جهل الشباب بعبادات وتعاليم الإسلام يحرمهم من مكاسب ومنافع عديدة، فضلاً عن أنه يجلب عليهم غضب الله وعقابه، فمن المعروف أن عبادات الإسلام تحمل للمسلم الذي يؤديها بانتظام ويحرص على آدابها وأخلاقياتها الخير الكثير، فالصلاة على سبيل المثال تؤدي إلى إزالة السيئات، وإلى اجتناب المنكرات، والله سبحانه وتعالى يقول: «وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين».. كما يقول سبحانه «اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر».. ومن هذه النصوص القرآنية عن عبادة الصلاة يتضح لنا أن الله عز وجل قد جعلها في منزلة سامية ودرجة عالية، وبشر المحافظين عليها بجزيل الثواب وأنذر المتكاسلين عنها بأشد أنواع العذاب والعقاب.
كما وجهنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى فضائل الصلاة، وحثنا على المداومة عليها، وعلى الخشوع فيها، وعلى أدائها بالطريقة التي حددها لنا، وحث كل المسلمين على الإقبال عليها، وحذر من الغفلة عنها أو التقصير فيها.. فهي مثل النهر الذي يغتسل فيه المسلم والمسلمة خمس مرات في اليوم الواحد، فيصبح المسلم الحريص عليها في أسمى صور الطهارة والنقاء.. يقول عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه (أي وسخه) شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء.. قال صلى الله عليه وسلم: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا».
ففي هذا الحديث النبوي الشريف يضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً يبين فيه أن المحافظة على الصلوات الخمس مزيلة للذنوب، ومثلها كمثل من يغتسل كل يوم خمس مرات من الماء الطهور الذي يزيل كل درن وقذر.
كفارة ونور
يبين لنا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الصلوات هي كفارة لما بينها متى اجتنب المسلم الكبائر فقال: «ما من مسلم يتطهر فيتم الطهارة التي كتبها الله عليه فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينها».. وأخبرنا أيضاً بأن الصلاة نور يضيء للمسلم والمسلمة حياتهما بالخير والطمأنينة.. فقال: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك».
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة فقد كان يحافظ على الصلاة محافظة تامة من دون أن يشغله عنها شاغل وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «جعلت قرة عيني في الصلاة».
وهنا يوضح د. عبد الجليل أن الجهل بكيفيات الصلوات يدخل بالمسلم دائرة الإثم ولا يقف الأمر عند الشعور بالخجل الذي يجلبه الجهل، ويقول: نحن نصلي لأن الله عز وجل الذي خلقنا ورزقنا وهو سر وجودنا أمرنا بالصلاة «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم».. وهذه الصلوات المفروضة علينا يجب أن نعلم كيفيتها ونعلمها لأولادنا، والجهل بها يكشف عن عدم الالتزام، كما أن الجهل بكيفية أداء الصلوات الفائتة يكشف عن جهل وضعف في الثقافة الدينية الواجبة فلا يوجد مسلم لم يفته فرض أو فرائض وهو مطالب بأداء ما فاته من صلوات.
غياب المقاصد الشرعية
ويعبر الداعية الأزهري عن أسفه لغياب المقاصد الشرعية للفرائض أو العبادات عن كثير من الناس، ويقول: مما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يعرفون لماذا يصلون أو يزكون أو يصومون أو يحجون، ولماذا فرض الله عليهم أن يفعلوا الحلال ويبتعدوا عن الحرام بكل أشكاله وصوره.
ويضيف: رغم أن الذين يؤدون الفرائض والواجبات الدينية بحرص والتزام وإخلاص مع جهلهم بمقاصدها يسجلون أروع صور الطاعة والإذعان لخالقهم وهي درجة إيمانية عالية لها فضلها وأجرها عند الله إلا أنه من المهم للمسلم أن يعرف أهداف ومقاصد ما يؤدي من فرائض وطاعات، وأن ينقل هذه المعرفة إلى الآخرين، لأن في ذلك أداء لواجب نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ورداً عملياً على من يزعمون أن فرائض الإسلام لا تحقق أهدافاً إنسانية أو اجتماعية أو بدنية وتستهدف تعذيب الإنسان وتشجعه أحياناً على السلبية والتراخي. ومن ذلك ما زعموه من أن الزكاة فريضة تشجع على السلبية وتنشر البطالة داخل المجتمع، حيث تشجع العاطلين والفقراء على عدم العمل والإنتاج وتجعلهم يعيشون عالة على المجتمع، وعلى من يعملون وحجتهم على ذلك انتشار الفقر والبطالة في مجتمعات المسلمين أكثر منها في المجتمعات الأخرى!!
وهنا يؤكد د. عبد الجليل ضرورة تعريف المسلمين جميعاً بمنافع ومكاسب فريضة الزكاة للفرد والمجتمع فنحن في أمس الحاجة إلى تفعيلها في حياتنا الآن لمواجهة مشكلات الفقراء وأصحاب الحاجات خاصة في ظل تزايد حالات الفقر والبطالة والعجز عن كسب ما يوفر لقمة العيش لكثير من الناس.
ويتساءل: أين الثقافة الشرعية التي نقدمها لأطفالنا وشبابنا من خلال مناهج التعليم والثقافة ووسائل الإعلام التي تعرفهم بالأحكام الشرعية لفريضة مهمة مثل الزكاة؟ وكيف يصف بعض الشباب هذه الفريضة بأنها سنة وهي فرض واجب على كل مسلم يتوافر في أمواله نصابها؟ إن هذا الجهل بفرائض وعبادات الإسلام يكشف عن الاستهانة بالثقافة الشرعية في بلادنا ويعرض الشباب لمخاطر التطرف، حيث يستغل المتطرفون هذا الجهل لاستقطاب الشباب وإفساد عقولهم.
وصفة للانحراف
الفقيه الأزهري د. علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي مصر السابق، يعبر هو الآخر عن أسفه لتدني الثقافة الإسلامية إلى هذا الحد، ويؤكد أن الجهل بالعبادات والفرائض والواجبات الدينية يسهم في انحراف الشباب فالعبادات الإسلامية كلها منافع ومكاسب لمن يحرص عليها، ويقول: ليس غريباً أن نكتشف جهل معظم شبابنا بكيفية صلاة الجنازة، ولو سألت كثيراً من الشباب عن الأحكام الشرعية لما يؤدونه يومياً من نشاط أو ممارسات فسوف تكتشف جهلاً أكثر، لأن الثقافة الشرعية غائبة عن حياتنا وبرامج الفتاوى في الفضائيات ضعيفة وغير كافية لنقل مفاهيم الإسلام الصحيحة للناس لأنها هي الأخرى تواجه تهميشاً ولا يتم الإعداد الجيد لها.
ويضيف د. جمعة: يجب أن يدرك شبابنا أن الاستهانة بالصلاة وإهمالها أو الانشغال عنها بمشكلات الحياة اليومية أو مظاهر اللهو والعبث التي تحيط بهم في هذا العصر سلوك يكشف عن ضعف إيمان وفقدان وازع ديني، كما يكشف عن فشل في تربية أولادنا منذ الصغر تربية سوية، فالطفل الذي ينشأ في بيت يصلي فيه الكبار وخاصة الأب والأم يتربى على احترام فرائض الإسلام والحرص عليها.
مسؤولية الدعاة
وهنا يحمل عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر دعاة الإسلام قدراً كبيراً من المسؤولية، ويقول: واجبنا أن نخبر تارك الصلاة أن عقوبته شديدة وقاسية، فتارك الصلاة جحوداً ونكراناً لفرضيتها واستهزاء بها كافر والعياذ بالله، وتاركها كسلاً عاص معصية كبرى، ويجلب على نفسه غضب الله وعقابه، فلا شيء يعفي من الصلاة وأية مبررات يسوقها الكسالى والمستهترون بهذه الفريضة التي هي عماد الدين هي مبررات مرفوضة وتؤكد ضعف إيمانهم وفقدان بصيرتهم وسوء تفكيرهم.
ويؤكد د. جمعة أن تربية الأبناء على احترام فرائض الإسلام والالتزام بها تبدأ من داخل الأسرة، ثم تكتمل الدائرة بما تغرسه فيهم المدرسة والمسجد ووسائل الإعلام المختلفة من تربية دينية توضح لهم الأجر والثواب الذي ينتظر كل من يحرص على تعاليم وفرائض الإسلام، والعقاب الرادع الذي ينتظر الجاحدين والمهملين والمستهترين، ويتساءل: هل البيت يؤدي دوره في تربية الصغار على الالتزام بفرائض الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وغير ذلك من الفضائل الإسلامية؟!