يقول أبو حيان التوحيدي في رسالته إن للخط الجميل وشياً وتلويناً كالتصوير وله التماع كحركة الراقصين وله حلاوة كحلاوة الكتل المعمارية .

يقول أبو سليمان المنطقي في رسالة التوحيدي لكأنما اشتق هذا الوصف من الموسيقار لأنه يزن الحركات المختلفة في الموسيقا فتارةً يخلط الثقيلة بالخفيفة وتارةً يجرد الخفيفة من الثقيلة وتارةًيرفع أحداها على صاحبتها بزيادة نقرة أو نقصان نقرة ويمرُ في أثناء الصناعة بألطف ما يجد من الحس في الحس، ولطيف الحس متصلٌ بالنفس اللطيفة، كما أن كثيف النفس متصلٌ بلطيف الحس .

لذا يعد الحرف العربي أشبه بعجينة ضوئية تتقمص كل المتاح من المناخات والأجواء التي تجوبها وتكون صدى لأي محيط تتوضع فيه، وخير مثال على ذلك الخط الكوفي الذي يعد أقدم أنواع الخط العربي ومن أكثرها تنوعاً وتلوناً فهذا النوع الذي ولد في الكوفة وتنوع وتبرعم نجده على أكثر من شكل في مصر، ويختلف عن أنواعه الأخرى في المغرب العربي والأندلس كالفارسي والغرناطي والقرطبي، إضافة إلى تنوع أداءه الوظيفي، فهو على الورق ليس كالذي على الأدوات الخدمية من مفاتيح وملابس وسيوف وأواني .

لكن هذه العجينة الضوئية (الحرف) أخذت شرارة تكوينها الأولى من مرجعيات عدة، من الصوت واهتزازاته وتعبيره (فالحرف ارتسام للصوت) ومن التعبير بالصوت وميكانيك اللغة ومدى تطابقه مع الحرف كمنجز بصري لغوي، ومن هنا فإن جملة من المؤثرات أسهمت في إثراء بنيته ولعل التعالق الكبير مع الصوت والشعر وبالتالي الشعر وبحوره ومن طرف آخر مع المقامات الموسيقية كنتيجة حتمية لتحقيق اللفظ وإلى بناء شكل الكلمة (الشعر/ الصوت) بصرياً . والذي يقع في فلك وناظم كوني هو الإيقاع، الإيقاع الجوهري (النسبة الذهبية) الناظم الأساس لانسجام الأشكال والأصوات والأبعاد ضمن المفهوم التقليدي لعلم الجمال . والذي يعد بدوره المنطلق نحو الحداثة وما بعدها كأساس ولبنة تحرك أولى، فكل ما في الكون من اشكال وموجودات وحركات وأصوات بشتى احتمالاتها تخضع لهذا الميزان، وما القيم المشتقة والتوليدات والتجديدات إلا براعم لتلك الجذور أوتأويلات مبنية على تلك النسبة أو مستوحاة منها .

- عندما شرع أبو الأسود الدؤلي بتمييز الحرف عن الشكل اعتمد الوحدة الزمنية (زمن نطق الحرف/ لفظه) كوحدة قياس (وحدة زمنية = نقطة) وموضع نطقها يحدد موقعها فوق أو تحت أو بين يدي الحرف - أليس هذا بدليل قاطع على أن الحرف العربي هو ارتسام لنطق وزمن وحركة الحرف المنطوق، وبالتالي هي لغة سمعية بصرية حتى إن أوانها (قلم القصب) هو آلة ثنائية الغدر - (الناي/ القصب) (الناي = الصوت) (القصب - الصورة/ الحرف) وحسب التوحيدي يقول علي بن عبيد (القلم أصم لكنه يسن النجوى وأبكم ولكنه يفصح عن الفحوى . . فالقصب آلة سمعية بصرية وما يدعم قولنا هو كتاب للخليل بن أحمد الفراهيدي الذي نسق الكلمات حسب مخارج الحروف فأصبحت كالتالي (ع ح ه خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ت ن ل ف ب م ء ي) .

ولعل الباحث الفرنسي (ايتان سوريو) عندما أراد تحويل الموتيف الخطي الأندلسي المأخوذ من التصاميم في قصر الحمراء لم يأت بالجديد . فقد حول العمل الخطي الزخرفي إلى عمل موسيقي . . فمسألة مقابلة الفنون ليست بالجديدة وأيضاً مسألة تحويل الصورة الفنية من حقل إلى آخر واردة حسب رؤية الفنان وخياله . لكن ان تقع الفنون ضمن منظومة واحدة كاحتمالات لجوهر الفن . وكأن الفن (كجوهر) لا يرى دفعة واحدة بل ان له هالة موشورية تقرأه من خلالها ومن المرآة أو السطح المتاح . فإن كان زخرفياً رأيته كذلك وإن كان موسيقياً يتجلى بهيئة أو إن كان عمارة او رقصاً او لوناً، لكن في مستوى معين تتقابل الصور والاصوات والاشكال والهيئات والحركات فتشتق وتتداخل في وحدة (جوهر) .

أوليس خط الديواني الجلي بزخرفيته وتفاصيله الموسيقية بل احتمالات أشكاله السيفي والخنجري والزورقي هو بصرياً كاستعارة لسلم موسيقي أعيدت صياغة أشكاله وهو بدوره شعرياً يقابل البحر الطويل - والذي ايضاً يقابل صوتياً مقام النهاوند (الذي هو مقام تطريبي زخرفي) وتنويعات هذا المقام تحتمل التنميق والزركشة، وهو مقام متحول عاطفي فيه التغيرات والصعود والنزول بما يماثل هذا الفرع من الخط باختلافات سماكة القلم وتحولات رسوم حروفه من السميك إلى النحيل ومن الصاعد إلى النازل فخط التعليق الفارسي يعتبر الخط الطائر أو الأثيري الذي يسبح في الفراغ ولا يستند في بنائه إلى السطر وبالتالي إلى أرض وركيزة يماثل مقام الحجاز ذي المسافات الصوتية المتباعدة المتسقة التأملية ويأتي البحر الوافر ليكرس هذه الثلاثية .

ومقام الراست العاطفي بما يمتلكه من تغيرات وقوة وجراءة وجدية يماثل بصرياً خط الثلث (العربي الأصيل) ذي الحركات والاهتزازات والتحولات القوية المتينة، وهذا ما عليه بحر الرجز، وهكذا تتوالى التقابلات في الفنون لتطال فن الزخرفة (الهلكار) والزخارف الهندسية والفسيفساء التي تقابل صوتياً الآلات النقرية كالقانون، أما الزخارف النباتية اللينة اللانهائية الحركة والانسياب والالتفافات، فهي كالآلات الوترية، ومن هنا انطلق ايتان سورير بتحليله للموتيف الاندلسي وتحويله إلى قطفة موسيقية .

- يقول فيكتور هوغو الخط عمارة تسكن فينا ويقول الشاعر الفرنسي المعاصر برنارد نويل عندما رأى أعمال الخط العربي . التقليدية منها والمعاصرة .

- ما من لغة تمتلك خطاً تشكيلياً يرتبط فيه الشكل بالمعنى كاللغة العربية .

فالكلمة ما أن تكتب حتى تصبح كياناً، شكلاً، وكل شكل هو عمارة ذات بعدين أو ثلاثة أبعاد حسب مادتها، ولكل عمارة مناخها ونظامها ووظيفتها وتصميمها الداخلي والخارجي ونمط الخط المناسب لها والناظر للخطوط الكوفية في قصر الحمراء في غرناطة سيجد التماهي العجيب بين العمارة والزخارف والخطوط .

- على الافاريز وبكل مناحي المرافق فيها إن كانت داخلية أو خارجية ما حدا بأحد الباحثين على القول . (إن عظمة العمارة والبنيان - على روعتها . لتكاد تذوب في الخطوط والزخارف المشغولة عليها) . أي إنه على الرغم من حضور العمارة وتميزها . ما ان تتأملها وتدخل في مداها وتأخذك تفاصيلها، حتى تختفي العمارة وتنهض الحروف والزخارف والاشكال، فالخطوط الموجودة في عبارة لا غالب إلا الله من حواشيها ومن زخارف نباتية . لتكاد تكون وحدة واحدة أو انها تفرعت عن شيء واحد لرهافتها وانسجامها وتساوقها، ومن طرف آخر فالخطوط على جهة القبلة من المسجد الكبير في قرطبة لتبدو كأنها سبكت خصيصاً لتلك الفراغات وتشكلت لتتناسب حصراً مع ذلك الجو الذي من مقرنصات وأقواس وذهب وزخرفة وفسيفساء . . فالكل يبدو واحد . والواحد بدوره متمايز ومختلف .

كل حروف يحمل معاني على كل صعير فعلى المستوى العرفاني يحمل حرف الألف دلالة على المطلق (الله) . وعلى حساب الجمل يدل على الرقم واحد (1) على الذات الإلهية المنزهة عن الصفات وهو أعلى رقم وأول رقم (هو الأول والآخر) حيث تؤول إليه الاعداد وهو الصوفي الذي بلغ مرحلة الفناء . فكل الحروف تؤول لحرف الألف . ومثلاً حرف الميم الذي يرمز للرسول (ص) وهو الدائرة المغلقة (لأنه ختام الانبياء) وهو مدينة العلم ورقمه (40) على حساب الجمل وهو سن النبوة . . . وهكذا تستمر التأويلات حتى نهاية الاحرف .

على أن الشعراء، أيضاً قالوا في ذلك . وهاموا بالحرف واعتبروه فضاء للاكتشاف والبعض عده سر الوجود كالحروفيين (عماد الدين السنيمي البغدادي) وأتباعه الذين عدوا الحرف سر أسرار الخلائق بما ينطوي عليه من دلالات ومعرفة باطنة ولا تنسى فضل الله بن محمد التبريزي (الحروفي) الذي ضمن الحرف الدلالات العرفانية واعتبره بوابة المعرفة .

ولو نظرنا إلى الجانب الشعري في ابن عربي والحلاج وابن الفارض، فنراهم أثروا الحرف بأبعاد جديدة وألبسوه أثواباً لا حصر لها فقد صنفه ابن عربي حسب العناصر الأربعة . فيحتمل الحرف البرودة أو الحرارة واليباس أو الرطوبة وقد يكون الحرف بين عالمين مظلم رطب - حار هوائي .

قد يبدو هذا حملاً ثقيلاً على الحرف تم اسقاطه، لكن بنظري انها سيرورة حتمية نظراً لعمق وثراء اللغة، ويقابلها تعدد أنواع الخط العربي بشكل كبير ما يساير غنى اللغة ويخلق معها حالة من الابداع المتبادل فترى بعض الشعراء يتغزل بالحرف كموجود ونرى الخطاط يجوّد النص المكتوب ليرقى إلى المستوى المعني .

كما يقول: الرومي الحرف معنى ومبنى شكل وروح - ماء وطين - الشكل هو ما نعرفه ونلمسه والروح - الماء - هي المعنى .

يقول ابن الغارفي - إذا ما التقينا للوداع حسبتنا لدى الضم والتعنيق حرفاً مشدداً .

فأصبح الحرف كائناً حسياً - يحمل مكابدات الإنسان وشجونه وهواه، ومن طرف آخر يقول ابن المعتز:

وكأن السقاة بين الندامى

ألفات على السطور قيام

فأصبح عنده الناس يمشون على السطر، والمتيقظ المستقيم منهم هو كالألف - فالسقاة يجب ان يكونوا كالألفات لأن (الميل السقام فلاتمل) كما يقول النفري أما بقية الثمالى فهم حروف كما درجات من النشوة والهيام وحتى لتسبغ اشكال الحروف على البشر فيوصفون كما لو أنهم حروف . أو أن الحروف على أحوالهم

أرى من صدغك المعوج دالا

لكن نقطت من مسك خالك

فأصبح دالها بالنقط ذالاً

فها أنا هالك من أجل ذلك

وقد يصبح للحرف أو الاسم قوة فيبرئ مصاباً ويشفيه بقوة الحب وإرادة الله، ثم أوليس الأسماء أشارت للموجودات وللأفعال والطاقة .

يقول الرومي: إذا لم يجد طائر عشقك متسعاً في هذا العالم فلتطر نحو كاف القرب .

حيث القاف (رمز للقرآن) ق والقرآن المجيد والقاف هي القرب والقلب وعين العقل فعندما يقترب القلب من الكاف يتحقق الوصال الابدي .

ويعود الرومي للقول: (فتحت عيني مثل هاء وجلست مثل الشين في العشق) .

ويطل الحلاج بقصيدة لطيفة سلسة تتبادل الحروف والكلمات فيها أداءها الوظيفي:

كتبت إليه بفهم الإشارة

وفي الانس فتشت نطق العبارة

كتاباً له منه عنه إليه

يترجم عن غيب علم الستارة

بواو الوصال ودال الدلال

وحاء الحياء وطاء الطهارة

وواو الوفاء وصاد الصفاء

ولام وهاء لعمر مداره

على سر مكنون وجد الفؤاد

وخاء الخفاء وشين الاشارة

لكن الحلاج بدوره يذهب عميقاً فيوغل في الإشارة والتأويل فيقول:

على ان كل ذلك لم يكن في مجالات الفن محصوراً على الخط والزخرفة والعمارة والموسيقا والشعر، بل تعداه للرقص والحركات في الفراغ . إلى الاشكال الفنية التطبيقية والخدمية من ناحية . حتى ليمكننا في مستوى ما من الصفاء والتأمل أن نرى صوت الأشكال، وأن نسمع الخطوط والزخارف أعني أن تنفتح الحواس على بعضها البعض وترتفع بنا الى التجلي.