روى البخاري في حديث أخرجه في كتاب بدء الخلق عن الصحابي الجليل سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فقال: وما نتنزل إلاّ بأمر ربك (مريم: 64) . كذلك روى في حديث أخرجه في كتاب التوحيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: يقبض اللّه عز وجل الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ وفي القرآن الكريم يقول تعالى: لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار (غافر: 16) .

وفي حديث الرؤية، كما روى أبو هريرة في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: فيلقى العبد فيقول: أي فل (أي فلان): ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ قال: فيقول: بلى أي رب . فيقول: افظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا . فيقول: فإني أنساك كما نسيتني . ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل . فذكر مثل ما قال للأول . ثم يلقى الثالث، فيقول: آمنت بك وبكتابك، وبرسولك . وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع . قال: فيقول: فها هنا إذاً . قال: ثم يقول: ألا نبعث شاهدنا عليك . فيفكر في نفسه: من الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي . فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، ما كان ذلك ليعتذر عن نفسه . وذلك المنافق .

وأخبر أبو عبداللّه الحافظ في حديث عن عدي بن حاتم رواه البخاري في كتاب التوحيد قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحد إلا سيكلمه اللّه عز وجل ليس بينه وبينه ترجمان . فينظر أيمن منه، فلا يرى إلاّ ما قدم . وينظر بين يديه، فلا يرى إلاّ النار تلقاء وجهه . فاتقوا النار ولو بشق تمرة . وفي رواية أخرى (ولو بكلمة طيبة) .

رضوان الله

ومعنى التسليم، كما يرى العلماء والفقهاء الأجلاء، أن يسلم المسلم نفسه وشخصه للّه تعالى، في كل عمل يؤتيه، وفي كل مذهب يذهبه . كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الإمام مسلم قال: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: يقول اللّه تعالى: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني . فيقول: يا رب . كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ فيقول عز وجل: يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني . . . استطعمتك فلم تطعمني . . . ومعنى الحديث ومغزاه، أن اللّه عز وجل أطلق المرض والاستسقاء والاستطعام على نفسه . والمراد به ولي من أوليائه . وقوله: لوجدتني عنده أي وجدت رحمتي وثوابي عنده، نظير قوله تعالى في كتابه الكريم: ووجد اللّه عنده فوفاه حسابه (النور: 39) . أي وجد حسابه وعقابه .

والتسليم موصول برضى اللّه تعالى، كما أخبر الحافظ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في كتاب الجنة للإمام مسلم، قال: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: إن اللّه تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة . فيقولون: لبيك ربنا وسعديك . والخير في يديك . فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم نعطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطِكم أفضل من ذلك؟ قال: فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً .

آدم وموسى

وعن يزيد بن هرمز، عن عبد الرحمن بن الأعرج، قال: سمعنا أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم احتج آدم موسى، عند ربهما، فحج آدم موسى . فقال موسى: أنت الذي خلقك اللّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض . قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك اللّه تعالى برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح، فيها تبيان كل شيء . وقربك اللّه نجياً . فبكم وجدت اللّه كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً . قال آدم: فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى (طه: 121) . قال: نعم . قال: أفتلومني أن أعمل عملاً كتب اللّه عليّ عمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى (رواه البخاري) .

إلى ذلك يقول اللّه تعالى في كتابه العزيز: للّه الأمر من قبل ومن بعد (الروم: 4) . وهذا كله، إذا كان نزوله على سبب خاص، فظاهره يدل على أن أمره قبل كل شيء سواه . وكذلك يبقى أمره عز وجل بعد كل شيء سواه . وكذلك قوله تعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك (هود: 110) وأيضاً: لولا كتاب من اللّه سبق (الأنفال: 68) وقوله سبحانه: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون (الصافات: ،171 ،172 173) . والسبق على الاطلاق يقتضي سبق كل شيء سواه . وقوله عز وجل: بل هو قرآن مجيد . في لوح محفوظ (البروج: 21 و22) . فأخبر أن القرآن كان في اللوح المحفوظ . يريد مكتوباً فيه، وذلك قبل الحاجة إليه . وفيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد والخبر والاستخبار وما على المسلم إلا التسليم لذلك .