قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم . (الزمر: 53) .
هذه الآية المباركة من سورة الزمر، وهى سورة مكية عند الجمهور، وسُميت بهذا الاسم لوقوع هذا اللفظ الزمر فيها دون غيرها من سور القرآن الكريم .
وهذه السورة هي السورة التاسعة والخمسون في ترتيب النزول على المختار، نزلت بعد سورة (سبأ) وقبل سورة (غافر) . والغرض العام لسورة (الزمر) إثبات تفرد الله تعالى بالألوهية، وإبطال حجج المشركين الواهية .
أما الآية التي نحن بصددها اليوم فهي من أرجى آيات القرآن الكريم، حيث يفتح الرب الرحيم باب التوبة والإنابة، ويفتح أبواب الرجاء والأمل أمام المذنبين وأهل المعاصي الذين غرقوا في بحر الذنوب، وسقطوا في بئر الضلال حيث يَمْنح الله تعالى فرصة العودة إلى طاعته لهؤلاء العاصين، ويدعوهم - سبحانه - إلى عدم القنوط واليأس من رحمته . . والآن هيا بنا لنقف متدبرين خاشعين أمام هذا البيان الإلهي المعجز . ولنا في هذه الآية نظرات وتساؤلات منها:
وجه التعبير ب(عباد) دون (عبيد) في قوله: (يا عبادي) .
فائدة النداء في صدر الآية .
دلالة الإضافة إلى ياء المتكلم في قوله: (عبادي) .
تعدية فعل (الإسراف) في قوله: (لا تسرفوا) إلى متعلقه بحرف الجر (على) دون حرف الجر (مِن ) .
إضافة الرحمة إلى الاسم الجليل في قوله: (من رحمة الله) .
السر في الالتفات من المتكلم إلى الغائب في قوله: من رحمة الله حيث كان ظاهر السياق أن يقال: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمتي .
وجه تعريف الذنوب حيث لم تأت نكرة .
دلالة التعبير بقوله: جميعًا .
التعبير بصيغتي المبالغة: الغفور الرحيم .
وجه دلالة القصر في قوله: إنه هو الغفور الرحيم .
دلالة كثرة المؤكدات في قوله: إنه هو الغفور الرحيم .
وأخيرًا . . . سِر الوعد بالرحمة بعد المغفرة في قوله: الغفور الرحيم .
ونقول بعون الله: إن في ابتداء الآية بالنداء تنبيهًا وإيقاظًا لمشاعر المخاطبين؛ لتتلقى أفئدتهم مضمون الخطاب وهي يقظة . والمراد بالعباد في الآية العصاة المذنبون .
والقرآن الكريم يستعمل (عباد) في معاني الرفعة والطاعة، ويستعمل (عبيد) في معاني التحقير والصغار والهوان .
ومن شواهد ذلك قوله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، (الفرقان: 63) .
وقوله: فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، (الزمر: 17-18) . وقوله: وأن الله ليس بظلام للعبيد، (آل عمران: 182) .
وقد استعمل القرآن لفظ (عباد) سبعًا وتسعين مرة، ولفظ (عبيد) خمس مرات . ولنتأمل الحِس المرهف بِجَرْس الكلمة، ودقة اختيارها، بيان ذلك: أن الانتقال من الكسرة إلى الفتحة ثم المد بالألف في (عباد) فيه رمز وإيحاء بأن العبودية لله تعالى تنقل الإنسان من منزلق الخضوع والخنوع والذلة من تبعية الإنسان وانقياده لعبودية إنسان مثله إلى ارتفاع الشأن، وسمو النفس، بالانتساب إلى العبودية للخالق سبحانه، وهذا المعنى رمز به المد بالألف بما فيه من إشعار بالعزة والرفعة وانتصاب الرأس والقامة .
أعلى درجات الرفعة
أما لفظ (عَبِيد) فإن الانتقال من الفتحة إلى الكسرة ثم المد بالياء يوحي بانكسار النفس، واستغراقها في المهانة والذل والرق بخضوعها للمخلوق، واستبعاد الناس لها؛ من أجل هذا نقول: إن العبودية لله تعالى من أسمى المقامات، فقد وُصِف الرسول (صلى الله عليه وسلم) بوصف العبودية وهو في أعلى مقام في رحلتي الإسراء والمعراج، حيث كان في حضرة الخالق سبحانه - قال تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . (الإسراء: 1) وقال: فأوحى إلى عبده ما أوحى . (النجم: 10) .
إذًا نقول: إن أعلى درجات الشرف والفخر والرفعة أن يكون الإنسان عبدًا لخالقه سبحانه- وأن أحط دركات الخِسة والهوان والذل أن يكون الإنسان خاضعًا لمخلوق مثله . وقد ورد في الدعاء: (اللهم اغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك) .
وهكذا فإن استخدام لفظ (عباد) وإضافته إلى ياء المتكلم في الآية فيه من اللطف والاهتمام والعناية بهؤلاء العصاة ما فيه؛ لذا فإنني أود أن أشير إلى وجوب مراعاة اللين واللطف في دعوة العصاة والمذنبين، حيث ينبغي لنا ألا نغلق أمامهم أبواب الأمل في التوبة، وأن نصبر عليهم عسى أن يتفلتوا من حبائل الشيطان ويعودوا إلى ربهم، ويثوبوا إلى رشدهم . وهذا ما نتعلمه من أمر الله تعالى لموسى وهارون - عليهما السلام- بأن يخاطبا فرعون وهو أشقى أهل الأرض، وهو الذي ادعى الربوبية حيث قال: أنا ربكم الأعلى أمرهما الله أن يخاطباه بالقول اللين على الرغم من عِلْمه - سبحانه- بعدم إيمانه، وذلك ليكون درسًا للدعاة والمصلحين في التعامل مع المقصرين والعاصين تقرأ هذا المعنى في قوله سبحانه: اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى . (طه: 43 -44) .
إثبات ياء المتكلم
نلحظ في قوله تعالى: قل يا عبادي إضافة كلمة عباد إلى ياء المتكلم، ونلحظ في موضعين آخرين في السورة نفسها حذف هذه الياء من كلمة عباد تجد هذا في قوله: قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم، (الزمر: 10) .
وقوله: فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، (الزمر: 17-18) .
فما السر في ذلك؟
ويمكن الإجابة بإيجاز عن هذا التساؤل بأنه من خلال استقراء الآيات الكريمة المتشابهة مع هذه الآيات تبين أن إثبات ياء المتكلم يأتي في المواضع التي فيها تفصيل وعموم وشمول وكثرة وسِعَة، وأن حذفها يأتي في المواضع التي ليس فيها هذا الإطلاق والكثرة والعموم، أو أنه يكون بدرجة أقل من المواضع التي أثبتت فيها الياء، بيان ذلك أن التلبسَ بالذنوب والوقوع في الأخطاء والتقصير في حق الله أمر لا يكاد يخلو منه أحد إلا الأنبياء والمرسلين، يؤيد هذا قوله (صلى الله عليه وسلم): كل ابن أدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ولذلك أثبتت ياء المتكلم في قوله: يا عبادي لتتجاوب بطول بنائها مع هذه الكثرة وهذا العموم .
أما حذف ياء المتكلم من قوله: قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم فمن البين أن المتقين من عباد الله قِله قليلة بالنسبة إلى المؤمنين، لأن التقوى درجة أعلى من الإيمان، لذلك أشار حذف ياء المتكلم وما تبعه من قِصَر بناء الكلمة (عباد) بالنسبة إلى كلمة (عبادي) إلى هذه الندرة والقِلة، وهذا أيضاً ما يقال في الآية الأخرى في قوله سبحانه: (فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) لأنه من الواقع المشاهد أن من يستمع للنصيحة ويعمل بها أقل بكثير من الذين لا يستجيبون للنصيحة ولا يعملون بها .
فانظر إلى إعجاز القرآن الكريم وروعته ودقته؛ حيث تجد التجاوب الرائع، والانسجام التام بين بناء الكلمة ودلالتها .
إيقاظ كوامن الإيمان
وتبقى في هذه الوقفة الإشارة إلى عظيم لطف الله تعالى بعباده العاصين، حيث نسبهم إلى نفسه سبحانه- وهم العصاه المذنبون المتمردون على شرعه، ورفعهم إلى أعلى مرتبة وهي مرتبة العبودية له تعالى؛ ليكون هذا تهييجًا وإثارة إيقاظًا لكوامن الإيمان في قلوبهم، فيتخلصون من رِبْقَة العبودية للمعصية؛ ليلتحقوا بركب الصفوة من أهل الطاعة والانقياد لله تعالى .
والمراد من الإسراف في قوله: أسرفوا على أنفسهم الإكثار من الذنوب والمعاصي . وفعل الإسراف يتعدى كثيرًا ب(مِن) ولكنه تعدى في الآية بحرف الاستعلاء (على)، لأن العصاة جلبوا على أنفسهم ما يثقل كاهلهم من الذنوب والمعاصي، ومن الأعمال التي لا تتحملها النفس وتثقل عليها؛ ولذا كان إيثار الحرف (على) هو الملائم للمعنى .
وفى قوله: لاتقنطوا من رحمة الله نهي عن اليأس من رحمة الله وعفوه ومغفرته ولطفه، كما قال تعالى في سورة يوسف على لسان يعقوب (عليه السلام): ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، (يوسف: 87) .
وقد أضيفت الرحمة إلى الاسم الجليل في قوله: من رحمة الله للإِشارة إلى أن المغفرة من مقتضيات ذاته عَز وجَل- لا لشيء آخر من توبة أو غيرها، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: كتب على نفسه الرحمة، (الأنعام: 12) .
وليتأمل القارئ السياق معي، حيث كان الظاهر أن يقال: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمتى . ولكنه قال: لا تقنطوا من رحمة الله فتغير الأسلوب من المتكلم عبادي إلى الغائب رحمة الله وهذا التغيير في الأسلوب يُسمى في البلاغة (الالتفات)، وبلاغة الالتفات في الآية ما أشرت إليها وهى الدلالة على أن المغفرة من مقتضيات ذاته - سبحانه - وقوله: إن الله يغفر الذنوب تعليل للنهي عن اليأس من رحمة الله، وجاءت هذه الجملة مؤكدة بإنّ واسمية الجملة، ولفظ جميعًا لتقرير التعليل وتوكيده على أكمل وجه ليفتح أبواب الرجاء والأمل والطمع في رحمة الله ومغفرته؛ لأنه يغفر عموم الذنوب مهما كانت إلا الشرك به سبحانه .
وانظر إلى التعريف في كلمة الذنوب وما فيه من إشارة إلى الاستغراق أي العموم والشمول .
والمراد بمغفرة الذنوب سترها والتغاضي عنها وعدم المؤاخذة بها، وهذا من كرم الله تعالى ولطفه وستره على عباده حتى لا يبقى في ضمائرهم ما يقلقهم من خشية الفضيحة على الملأ يوم القيامة إن أُظْهِرَتْ ذنوبُهم التي اقترفوها في الدنيا ولم تُسْتَر عليهم .
وجاء قوله تعالى: (إنه هو الغفور الرحيم) تعليلاً لجملة يغفر الذنوب جميعًا أي لا يُعْجزه سبحانه - أن يغفر جميع الذنوب مهما بلغت من الكثرة؛ لأنه شديد الغفران شديد الرحمة، وهذا ما دلت عليه صيغتا المبالغة الغفور الرحيم . ونلحظ في بيان هذه الجملة أنها جاءت مؤكدة بإنّ والضمير واسمية الجملة لتقوية المعنى وتوكيده .
واستُخْدم أسلوب القصر في هذه الجملة؛ لأن الغفران قد يُوْصَف به غيره - سبحانه - وفى الوعد بالرحمة بعد المغفرة إشعار بأن العبد غير مستحق للمغفرة لولا رحمة الله تعالى- به .
وهكذا رأينا كيف احتشدت ألوان التوكيد التي تدل على رحمة الله ومغفرته، لتحفز كل عاصٍ الرجوع والتوبة والإنابة .
وأخيرًا أشير إلى أن هذه النظرات ما هي إلا شذرات قليلة من فيض عطاء الآية الكريمة وبلاغتها . والله أعلم والمستعان .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم