الحريات الشخصية أو الفردية أو حرية الذات والجسد كما يقال، واحدة من أهم صنوف الحريات التي صانتها شريعة الإسلام وأخلاقه ومبادئه . ولكن الحرية الشخصية في الإسلام تختلف عن الحرية الشخصية في الوقت الحالي، خاصة في بعض البيئات الغربية، حيث صارت هذه الحرية وكأنها مساوية للفوضى والعري والشذوذ أو الإسراف في المال والترفيه والرفاهة على حساب المجتمع ومشاعره، بل راح البعض يبيح الإجهاض والانتحار والزواج المثلي تحت دعوى حرية الإنسان في جسده .
الإسلام قرر هذه الحرية، واعتبر حرية الفرد في نفسه وجسده وعقله قرين الحياة وقرين الدين كله ومقصد الإسلام الأعظم، كما وازن بين الحرية الفردية والحرية العامة، والحريات المادية والمعنوية، وفي الوقت الذي أباح فيه حرية التزين والتجمل والترفيه والتريض، حرم فيه حريات العري والإسراف والترف والشذوذ .
ويؤكد الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ الاجتماع في جامعة الأزهر، أن للحريات الشخصية ميزاناً شديد الدقة، فهي موزونة بميزان الحريات الإنسانية العامة، وميزان الأعمار والحياة، وميزان رسالة الإسلام في دنيا الناس، ورسالة الإنسان في ملكوت الله، وعليه، فإن الحريات الشخصية يجب أن تتسق مع رسالة الإنسان في الحياة كلها، وكذا رسالة دين الله في الحياة والكون .
وهذا التجانس الواضح بين الحرية الفردية وغيرها مع الحريات الأخرى واضح بشكل شديد، فالإسلام قرر الحرية الشخصية، وحمى النفس والبدن من أي صورة من صور التعدي البدني والروحي، وأوجب توفير ضرورات الحياة من مأكل ومشرب ومسكن، وأتاح حرية الترفيه والتنقل والترف والتجمل والتزين والتمتع بمتع الحياة، كما شرع الزواج ورغب في إشباع الغريزة الجنسية وحمى الإنسان من الحرام والشذوذ والانحلال . ولكن الإسلام فعل هذا وغيره في سياق منظومة القيم والأحكام الإنسانية والشرعية والرائعة .
الجسد والمسؤولية
أصل هذه القيم أن الله خلق الإنسان حراً، مسؤولاً أمام نفسه وأمام الله والناس، مكلفاً وقادراً على فعل الخير والشر، ثم أعطاه حرية ومسؤولية الفعل وعدم الفعل، هذه المعاني شديدة الوضوح في أكثر من نص شرعي، يقول الحق: ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً، وهديناه النجدين أي القدرة على فعل الخير والقدرة على فعل الشر، كما قرر الخالق: ألا تزر وازرة وزر أخرى . وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وأن سعيه سوف يرى وغير هذا من الآيات القرآنية .
وهكذا يعطي الإسلام الإنسان شخصيته الكاملة من دون انتقاص ومن ثم حريته ومسؤوليته الكاملتين . .
ومعروف عندنا كعلماء نفس واجتماع، أن التطرف في فهم الحرية الفردية قد أدى لسلبيات مدمرة للنفس وللمجتمع الإنساني بشكل عام، والغربي بشكل خاص، وفي سياق تمجيد الفردية طغت المفاهيم المادية وضعف حق الجماعة وضاعت كثير من القيم الروحية، وشاعت الأنانية والغطرسة والجري وراء الغرائز، كما شاعت مذاهب النفعية والبراغماتية والإلحاد والشذوذ الذي يقدس ماديات الجسد وغرائز المجتمع على حساب أي شيء آخر .
قتل للناس جميعاً
وقبل الحديث عن صور تقدير الفكر الإسلامي للحريات الشخصية يشدد الدكتور السمالوطي على أن الفكر الإسلامي دائماً ما يوازن هذه الحريات الفردية بحقوق المجتمع والجماعة، ويدفع الإنسان دفعاً إلى تغليب المصلحة العامة على الخاصة، وإعلاء قيم الروح على غرائز المادة، ويقاوم الأنانية الفردية ويرفع من شأن خدمة الآخر .
هذا المعنى يكاد يكون هو روح الحرية في هذا الدين العظيم، حين يجعل الناس جميعاً أخوة، ويجعل التعاون أمراً قرآنياً، ويجعل الإيثار وخدمة الآخر من أبرز خصائص عباد الله، وفي الحديث: إن لله عباداً، اختصهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله .
امتداداً لهذه المعاني كان الفرد بدناً ونفساً مقدساً في التصور الإسلامي، وروحه كقداسة الكعبة عند الله كما في الحديث، كما أن التعدي على شخص الإنسان مثل التعدي على الناس جميعاً كما يقرر الخالق: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً .
كذلك صان الإسلام الكرامة الإنسانية في إطلاق، وجرم التفريق بين فرد وآخر في الدين أو اللون والجنس واللغة . وتقديراً لخصوصيات الإنسان الشخصية راح الإسلام يصون كثيراً من جوانب هذه الخصوصية، فصان العرض من الخدش والتجريح والقيل والقال، ولهذا قال عليه السلام: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، سباب المسلم فسوق . كما حرم الحديث عن أعراض الناس، بل قرر عقوبة قد تصل للجلد عند إشاعة الفاحشة عن الناس دون دليل، فقال تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً .
كما حمى الخصوصيات الذاتية، فحرم الإسلام الاطلاع على العورات أو بالتعبير النبوي تتبع العورات، وفي الحديث: لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، وحمى كذلك خصوصية الإنسان في بيته بحيث لا يجوز لأي أحد أن يقتحم حرمة إنسان الخاصة في منزله، وقد سلك الإسلام في هذا سبلاً شتى، أشير هنا إلى جانبين: الأول يعتمد على الأخلاق والتربية وبناء الضمير، والثاني اعتمد على العقوبة المباشرة لمن يتجاوز هذه الخصوصية والحرمة الشخصية .
في الجانب الأول شدد الإسلام على أهمية استئذان البيوت عند الرغبة في الدخول، وتربية الإنسان خاصة الصغار على أن للبيوت حرمة وعلى أن الاستئذان واجب . يقول الحق: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم .
وفي الجانب الثاني يحرم الإسلام البصر على الناس من دون إذن، وفي حديث الترمذي وابن ماجة أن رسول الله قال: أيما رجل كشف ستراً فأدخل بصره قبل أن يؤذن له فقد أتى حداً لا يحل له أن يأتيه بل أتيح لمن كشفت عورته أن يعاقب من اطلع عليه، وفي الحديث: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه، وهذا دليل على أن كشف ستر البيوت لا يجوز . هذه الحريات وهذه التدابير الإسلامية تصب جميعها في خانة صيانة الحريات الفردية بشكل أخلاقي وقانوني بالغ الوضوح .
تجاوزات مهلكة
من الواضح كما يقول الدكتور محمد المختار المهدي رئيس الجمعية الشرعية في مصر، أن مساحة الحريات الشخصية في كثير من دول الغرب، بل وبعض الدول المسلمة، مع الأسف الشديد، قد تجاوزت الحدود المعقولة في تصرفات الناس وأفكارهم، ولهذا رأينا العجب العجاب من بعض الناس الذين يرتكبون بعض الموبقات باسم الحرية الفردية .
ومن أمثلة هذه التجاوزات المهلكة، الأنانية والغطرسة التي يتعامل بها البعض مع خلق الله، وإباحة العري وشرب الخمر، بل والعلاقات الجنسية الفاحشة تحت دعوى الحرية في الجسد، بل وصل الأمر ببعض الأفراد إلى تبني أفكار الإجهاض في أي وقت، والإجهاض للتخلص من آثار الزنى، وكذا العلاقات المثلية بين الجنسين أي اللواط في الذكور والسحاق بين الإناث، بل وصل الأمر للحديث عن الزواج المثلي .
وفي الإطار نفسه وجدنا الإسراف في تعظيم الذات، والإسراف في التزين والترف، وتناول بعض المشروبات والمأكولات المحرمة بداعي الرغبة الشخصية وتلبية الغرائز والشهوات!
ضوابط للغرائز
يؤكد الدكتور المهدي أن الإسلام في تعامله مع هذه الغرائز أو الحريات يتعامل بشكل شديد الاعتدال، وبما يحقق مصالح الأفراد ومصالح المجتمعات . وفي مجال الغرائز الجنسية مثلاً، يقرر الإسلام أهمية هذه الغرائز، ولكنه ييسر الزواج الحلال ويضيق ويجرم العلاقات خارج النظام الأسري، لهذا جرم الإسلام الزنى واعتبره من الكبائر وسن فيه حداً زاجراً، كما حرم الشذوذ حتى بين الرجل وزوجته، ولم يعتبر الجنس هنا حرية شخصية في جسد المرأة أو الرجل، بل اعتبره وسيلة للإشباع في الحلال وتكوين أسرة سوية ينمو بها الجنس البشري ويعيش .
لهذا وجدنا النص الشرعي يتعامل مع هذه الغريزة بضوابط واضحة يقول الحق: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم وفي الحديث: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ويقول الحق: فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ويحرم القرآن الزنى ويقول: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشةً وساء سبيلاً كما حرم الإسلام الشذوذ وأقر له حداً شرعياً، وعابه خلقياً ونفسياً واجتماعياً، ولذا فإن من يرى الزواج المثلي أو حرية المرأة في جسدها لتفعل ما تشاء، ليس له في دنيا الأخلاق والدين مكان .
وفي حال المأكل والمشرب أطلق الإسلام حرية الكسب وتلبية الاحتياجات ولكنه ضبطها بضوابط محددة . . يقول الدكتور المهدي: فالطعام والشراب حلال ولكنه من دون إسراف ومباهاة، وبعض الأطعمة والمشروبات محرم كالخمر والمخدرات ولحم الخنزير ولا يجوز الادعاء بالحرية الشخصية في هذا المجال وفي القرآن: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين كما قال الخالق: ويحرم عليهم الخبائث وفي الخمر قال القرآن: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه كما قرر الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يجعل شفاءكم في ما حرم عليكم رواه البخاري .
فتنة الترفيه والتجميل
ضبط الإسلام، إضافة إلى ما سبق، واحداً من أوسع مجالات الخطأ والفوضى وهو مجال الزينة والتجمل والترفيه .
وواضح أن مجال الترفيه صار مجالاً واسعاً لتجارة الفتنة تحت شعار المتعة الشخصية، والحال نفسها في مجالات التجمل والتزين، حتى رأينا عمليات جراحية قاتلة تجرى لهذا الهدف، بل وترفض بعض الفتيات الزواج بحجة أن الحمل يضيع جمال المرأة، وبنفس الحجة يطالب البعض بحرية الإجهاض لأن المرأة حرة في جسدها كما هي حرة في ما تحمله وما تسقطه .
الإسلام هنا، كما يضيف الدكتور محمد المختار المهدي، يتيح للإنسان حرية التجمل والنظافة واستكمال الزينة والتطيب، ولكن من دون ابتذال أو غرور أو ضرر، فالأصل كما قال القرآن: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، ووجد الرسول رجلاً شعره أشعث فقال عليه السلام: أما وجد ما يسكن به شعره . والترفيه أباحه الإسلام باعتدال، وقال عليه السلام في مثل هذا: ساعة وساعة .
وعليه، تحفظ الإسلام على صور الترفيه المسرفة، كما رفض كثيراً من مظاهر الترف والإسراف، حتى لو أخذت شكل التزين، مثل المباهاة في الطعام والشراب، ومثل تحرير آنية الذهب وكذا لبس الحرير والذهب للرجال، وكذا التماثيل والغلو في تعليق الصور على الجدران . كما لا يقبل الإسلام منع الزواج بداعي الجمال، وفي الإجهاض ما يشبه الإجماع على حرمته، خاصة بعد نفخ الروح، وكراهته قبل هذا .
والمبدأ العام كما يقول القرآن الكريم: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .
وفي تصوري يقول الدكتور المهدي فإن مبدأ الحرية الفردية قد أسيء فهمه عند بعض العامة وبعض المثقفين أيضاً، في أوروبا وبعض ديار الإسلام والمسلمين . وحري بالمجتمع والثقافة الإسلامية أن تقدم على مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات التربوية تأصيلاً أخلاقياً للحريات الشخصية، تجسم قدرة الإسلام الرائعة في تلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية، وفي مراعاة أخلاقيات المجتمع ومصالحه المادية والروحية، وقد لاحظنا في السنوات الأخيرة كيف صارت هذه الحريات المثارة مجالاً للتدخل في خصوصيات الناس، وهز العلاقات الاجتماعية، وإثارة الشهوات، وتأليب الشباب على ثوابت المجتمع وحاجاته وحرياته .
إن الحريات الشخصية المتوازنة لا تعيش بعيداً عن الفهم الإسلامي الكامل للحرية والمسؤولية، والفرد والجماعة، والدين والدنيا جميعاً .