ليس صحيحاً ما يدعيه البعض من أن الفكر الإسلامي لم يعرف شيئاً عن حق الناس في اختيار ولي أمرهم، أو أن الشورى لم تطبق في مجال الحكم وإدارة سياسة الدولة، بل المؤكد أن مبدأ الحرية العامة مبدأ إسلامي أصيل، وأن بيعة الناس للحاكم وقبولهم له، بل مراقبته ومحاسبته، حق أصيل من حقوق الأمة، وتكليف شرعي واضح في الكتاب والسنة وتطبيقات الحكم الإسلامي وأدبيات الفكر الإسلامي .
ومن عظمة الفكر الإسلامي في تقرير حرية اختيار ولي الأمر، أنه وضع مبادئ إنسانية عامة وقواعد فكرية شاملة، ثم ترك كثيراً من تفصيلات هذه القواعد وتطبيقات هذه المبادئ إلى الأمة لتقرر كيفية التطبيق وآليات التنفيذ بما يعود على البلاد من خير، وبما يحقق أعلى درجات الاستفادة من الفكر السياسي في تطويره البشري المتنامي .
وهذه الحقيقة كما يقول الدكتور عبد المعطي بيومي أستاذ العقيدة والفلسفة عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر من أظهر دلالات حرية اختيار الحاكم في الإسلام، فمع تقرير شرعية الاختيار ووجوب الشورى إلا أن أمر وسائل الشورى واستطلاع رأي الناس متروك لما يرتضيه المجتمع من آليات لأخذ آرائهم ونيل قبولهم .
وثمة مبدأ شرعي في هذا الصدد، وهو أن الإسلام مع تقريره وجوب وجود ولي أمر يسوس الناس لما فيه مصالح البلاد وحماية الدين وسياسة الدنيا، ومع تقريره مبدأ الحرية الإنسانية وحرية التدين لكل خلق الله، أقول مع تقريره لهذين الأمرين، ما كان يقبل أن يكون ولي الأمر على غير رضا من الأمة .
إذن، فالاختيار الحر من الرعية للراعي مطلب شرعي وعقلي فضلاً على كونه مطلباً دينياً وسياسياً . في مبدأ الشورى التي تعني ببساطة أخذ رأي الناس في القضية المثارة، يحسم القرآن الكريم وجوبها على هذا النحو: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله .
وفي فقه الآية يتضح أن الأمر بالشورى للوجوب، وفي إجمال، وهدفه تليين قلوب الناس وحسن سياستهم، وهي شورى صانعة للعزم على الأمر والتوكل عليه، وعند التوكل والعزم واتخاذ القرار يكون التنفيذ واجباً على الجميع كما يحدث في الوقت الحالي عندما يتخذ القرار بالإجماع .
أهمية الاستشارة
في الحديث عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله، كما قال، صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه ابن ماجة: إن أمتي لا تجتمع على ضلالة وهو اعتراف بأهمية استشارة الجماعة .
وفي أصعب مواقف سياسة الدولة استشار الرسول كما حدث في يوم بدر حتى قال رجال من الأنصار: والله لو ضربت أكباد الإبل حتى تبلغ برك الغماد (مكان في اليمن) لكنا معك . واستشار الرسول في أسرى بدر، وفي غزوة الخندق، ويوم الحديبية حتى جمع الرسول الناس وقال أشيروا علي .
ومعروف تطبيق أخذ رأي الناس في بيعة الصديق أبي بكر بالخلافة، وكذا بيعة عمر وغيرهما، ومن أقوال عمر، رضي الله عنه: من بايع أميراً عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له، ولا بيعة للذي بايعه أي لا مشروعية للحاكم إلا بالاختيار .
ثلاثة طروحات
ولا يتأفف الدكتور بيومي من قبول مقولة أن الأمة مصدر السلطة السياسية في المجتمع؛ لأن رضا الناس شرط لصحة الحكم، ولأن كون الأمة مصدر الحكم لا يتعارض مع فكرة الولاء للإسلام وشريعته وعقيدته، لأن الولاء هنا ليس موضوعاً للاستفتاء، بل سياسة الناس هي موضع الاجتهاد، كما أن الأمة جمعاء من راع ورعية في ولاء طبيعي لله ولرسوله .
ويطرح الدكتور بيومي ثلاثة مبادئ في هذا المجال، المبدأ الأول: هو أن الحاكم المختار من الناس والسلطة التي يمثلها ممنوحة من الناس، ولا ينشأ لأي وال سلطة إلا بعد البيعة العامة التي يختار فيها الناس المرشح من الأمصار كافة .
ورغم نبوة محمد، عليه السلام، فإنه كان يعمل على استرضاء الناس، حيث عرض نفسه على القبائل، وفي بيعة العقبة الأولى والثانية يبدو فيها رضا الناس وقبولهم واضحاً . . وقد استقر في الفكر السياسي الإسلامي أنه لا تقوم شرعية السلطة لحاكم إلا بعد البيعة التي هي مرادف إسلامي لمفهوم العقد الاجتماعي السياسي الذي طرحه فقهاء السياسة والقانون الحديث في أوروبا . . وعلى هذا نفهم معنى حديث رسول الله من ما وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، وحديث: لعن الله رجلاً أَم قوماً وهم له كارهون .
إذن، فالاختيار الحر هو الأصل الشرعي للسلطة عندنا .
المبدأ الثاني الذي يؤكد المبدأ الأول: إن الفكر السياسي الإسلامي يضع خطاً فاصلاً نسبياً بين ما هو ديني ثابت غير قابل للتعديل، وبين ما هو دنيوي متغير للناس فيه موقف ورأي، وعليه فإن مسائل السياسة ومواقف السلطة، المجال فيها مفتوح لعقول البشر وفكرهم وإرادتهم العامة، وهذه المسائل هي التي أنتج فيها العقل المسلم فكراً وفقهاً وقواعد ضخمة لإدارة شؤون الحياة مع استلهام مقاصد الشريعة والأخلاق والعبادات الإسلامية .
والمبدأ الثالث: إن رأي الإسلام، كما هو معروف، يقر بعدم العصمة لأحد، وأن كل صاحب رأي يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله، وأن الحاكم يمارس السلطة طبقاً للبيعة أو العقد المعقود بشروطه أو ببرامجه السياسية، كما يقال في الوقت الحالي، وعليه فإن الحرية في السلطة تبدو الآن في حقيقة واقعية، وهي أن حرية السلطة صارت في يد مؤسسات الدولة، هذه المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تعمل طبقاً لمبدأ الحرية والعقد الاجتماعي مع الناس، وتمارس حريتها بهدف خدمة الناس في الدين والدنيا معاً .
وحرية سلطة المؤسسات هي التي تعفي المجتمع المسلم من الفردية والطغيان والاستبداد . وفي النصوص الشرعية عشرات المواقف التي تحمي السلطة من غرورها، وتجسد معاني الأمانة والعفاف، وألا تغير السلطة مظهر أهل السلطة كما قال الفاروق عمر، وألا يخلط صاحب السلطة بين نفسه وبين المصلحة العامة، حتى لا يستغل الناس، وهذا المعنى واضح في حديث الهدية عندما قال الرسول، صلى الله عليه وسلم، عبارته الرشيدة: أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟
الشرعية والوعي العام
ويؤكد بكل قناعة الدكتور رفعت سيد أحمد، الباحث المعروف في الفكر السياسي والإسلامي، ويضيف: الاختيار الحر مصون بعدة طرق، من بينها التشدد في ضرورة وعي الناس بأمور الدين والدنيا، ووجوب اهتمام المسلم بأمر المسلمين، أيضاً تربية المسلم على عدم الاندفاع نحو السلطة بل التعفف عن طلب الولايات العامة، وفي الحديث ما معناه: لا نولي الأمر لمن طلبه .
كذلك يعتبر الفكر الإسلامي رئيس الدولة شخصاً عادياً، تحمل مسؤولية الأمة، بل إن كل صاحب سلطة مسؤول بشكل أكبر حسب مسؤولياته . . يقول أبوبكر الصديق، رضي الله عنه: فإني وليت عليكم ولست بخيركم، وجاء في خطبة عمر بن عبدالعزيز: إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم ولأمركم ما تريدون .
من مظاهر الاختيار الحر كذلك منح الناس مسؤولية الرقابة الشعبية، عن طريق كل صاحب رؤية، وعن طريق العلماء، وعن طريق ممارسة الأمة فضيلة رائعة وهي فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل في حدود قدراته وسعته وسلطاته، والفاروق عمر يجمل هذا الأمر في قوله: رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا، وفي الحديث: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة . . متفق عليه .
المصلحة العامة
ويعدد الدكتور رفعت بعض صور مشاركة الأمة في اختيار سلطتها، فيذكر من ذلك اختيار النخبة السياسية لولي الأمر بشكل مباشر، وقد تم هذا في صيغ البيعة وترشيحها لولي الأمر . . وقد يترادف هذا الاختيار مع دور المجالس النيابية أو مجلس الشورى في الوقت الحالي عندما ترشح هذه المؤسسات من تراه .
وفي الفكر السياسي الإسلامي هناك دور عبقري لما اصطلح على تسميته أهل الحل والعقد، وهم النخبة المختارة الماهرة في كل مهنة وتخصص وفن في المجتمع، وأهل السنة يشددون على وجوب اختيار أهل الحل والعقد لممارسة دور الأمة في الاختيار، وفي الوقت ذاته فإن البيعة العامة في رقبة كل واحد من آحاد الرعية، وعليه يخطئ من يعتقد أن الفكر الإسلامي يقر مسألة النخبة الأرستقراطية صاحبة النفوذ، بل شورى الإسلام مطلوبة من كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومن يعيش في ولاء المجتمع المسلم .
والمشاركة والاختيار هنا تمارس عن طريق النصيحة العامة من كل أطراف البيعة والاختيار، طبقا لعقد الاختيار وشروطه، ووجوب الوفاء ببنود البيعة، أي البرنامج الانتخابي كما يسمى، ولهذا لخص الرسول الدين كله في النصيحة، وعدد أطرافها عندما قال عليه السلام في حديث مسلم: الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهذه النصيحة تعكس كل أطراف البيعة ممثلة في الله وفي الحق العام وفي الحاكم المختار وفي علماء الأمة وممثليها وثم في عامة الناس الذين هم الوسيلة والغاية النهائية لأي سلطة .
من جانبه يركز الدكتور عبدالله النجار، أستاذ القانون في كلية الشريعة في جامعة الأزهر على ثلاثة مبادئ أساسية في هذا الصدد، الأول: كون الاختيار الحر هو أساس السلطة في الإسلام لا ينفي الاستفادة من الوسائل الحديثة في الاختيار، مثل البرلمانات أو مؤسسات الشورى أو الأحزاب .
الثاني: هناك فارق كبير بين الحرية في الاختيار وبين الفوضى أو الشقاق والهوى، فالإسلام يحول دون الشقاق بكل وسائله، ومن بينها تأسيس الحكم على رضا الناس واختيارهم .
الثالث: أن جذور الممارسة الشورية في الفكر الإسلامي لا تقف عند الاختيار فقط بل تتجذر في المحاسبة والرقابة والمتابعة والمسؤولية والشفافية، التي يوجبها الإسلام على كل مسلم سواء كان في منصب الحكم أو في موقع المحكومين .
ويتوقف الدكتور النجار في حديثه عن مسؤولية الرقابة والمحاسبة عند أعظم مؤسسة أبرزها الفكر الإسلامي في هذا الصدد، وهي مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مؤسسة لا تمارس دورها فقط في حق الحاكم الأول في الدولة، ولا المناصب الوسطى في النظام، بل تمارس دورها مع كل أمر يخص الشأن العام في السلطة والشارع والحق العام .
وهكذا يقوم فكر ملاحظة المجتمع على الاهتمام بالمصلحة الشرعية العليا، وإحداث التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وتذكيراً لضمير المسلم بأنه هو شخصياً مسؤول عن المجتمع بشكل أو بآخر يقول الحق: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور، وفي الحديث: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك يعمهم الله بعقاب من عنده .
والمؤكد أن هذا الضمير المسلم الحي الذي يراقب المجتمع يعمل تحت طائلة ولي الأمر وبمشورته وفي سياق تنفيذ المصلحة العليا للمجتمع الإنساني .
وفي تصوري أن المسلمين الآن، في جانبهم الأكبر، محتاجون إلى نوع من هذه التربية المتوازنة التي تجعل كل إنسان يقوم بدوره في المجتمع، ويزيد الوعي بالمصلحة العامة، ويباشر حرية الاختيار عندما تطلب منه، كما عليه ألا يتخطى دوره في المجتمع، أو تجده يمارس الرذيلة في الوقت الذي يتحدث فيه كثيراً عن الفضائل، أو يتجاهل المسؤوليات فيما يرفع صوته مطالباً بالحقوق فقط .