من الحريات الشخصية التي يتغنى بها بعض مواثيق حقوق الإنسان في العصر الحديث ما يعرف بالحق في السفر والترحال والحق في الإقامة والسكن، وهذه الحريات مقررة ومصونة في الإسلام بل تكاد تصل في الفكر الإسلامي إلى درجة الوجوب والإلزام . . لأنها حريات ارتبطت بحرية الإنسان وحرية الإعمار وحرية العبادة والحق في الحياة وغيرها من الحريات والواجبات المقررة لبني الإنسان .

وإذا كان الفكر الإسلامي قد تجاهل نسبياً إبراز بعض هذه الحقوق على مستوى الكتابة الشرعية والتأصيل العلمي نظرا لأنها حرية بدهية من حريات الإنسان التي تعرف من الدين ومن الدنيا بالضرورة . . فإن التدقيق في النص الشرعي القرآني والنبوي، وكذا اجتهادات العلماء والمفكرين والتجربة الإسلامية العملية، تؤكد جميعها هذا الحق وتلك الحرية الواجبة لبني الإنسان في الفكر الإسلامي بوضوح شديد .

تقدير هذا الحق متجذر في التصور الإسلامي كله كما يقول الدكتور عبدالفتاح الشيخ رئيس لجنة البحوث الفقهية في مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، لأن الحياة والعبادة والإعمار، هي رسائل الإنسان في الكون، حيث يحتاج إلى حرية السفر والترحال والتنقل كما يحتاج حرية الإقامة والملبس والمسكن الخاص به .

ولهذا كانت منة الله الأولى على سيدنا آدم، أبي البشر عند الخلق، حيث خاطبه الله كما يقول القرآن: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى . وهذه هي مقومات الحياة الأولى، الطعام والشراب لعلاج الجوع والعطش، والمسكن والملبس لعلاج العري والإضحاء أي التعرض للشمس في الخلاء .

سيروا في البر والبحر

بالنسبة إلى حرية السفر والسياحة والترحل نجد أن الإسلام صانها وقرنها بفوائد عديدة بدءاً من إدراك نعمة الخلق والنظر وحتى التسرية عن النفس والترفيه، وفي الآيات القرآنية عشرات الوظائف التي يحققها السفر والسير في الأرض والسياحة إلى جنبات المعمورة، يقول الحق: وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين، هو الذي يسيركم في البر والبحر، قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض، وجاء الأمر بالسير في نحو عشرين مرة مرتبطا بالنظر والسياحة والإعمار والاستفادة من حركة البشر وعمارة الكون وصنع الله الذي أتقن كل شيء .

والترحال والسير أيضا جاء علامة على الكسب المادي، كما جاء علامة على نعمة الأمن التي في ظلها يتحقق للإنسان حرية الترحل والانتقال، كما أكده القرآن الكريم في سورة قريش: لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف .

وحرية السياحة والترحال فضلاً على كونها استخداماً طبيعياً لاستخلاف الإنسان في الأرض والتعرف إلى الشعوب التي تتعدد لغاتها وأديانها وعاداتها وثقافاتها، فهي أيضا مصدر من مصادر الرزق والانتفاع، وفي القرآن: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون .

وقد أشار القرآن إلى أن الانتفاع بالمال والكسب إحدى ثمرات عبادة الحج، وهي عبادة قائمة في جانبها الأكبر على الترحال، فبعد أن جعل الله البيت الحرام حرماً آمناً، فرض الحج وكان من ثمراته التماس المنافع المادية والمعنوية كما قال الحق: ليشهدوا منافع لهم .

تجسيد نفسي وتعايش

وفي حرية التنقل والسياحة أيضاً تعريف للدنيا بالإسلام وثقافته وعادات الشعوب المسلمة وتقاليدها، وكثيراً ما حدث تزاوج وتعارف بين البشر بسبب هذا الترحال، وأيضا تحقق السياحة في الأرض حاجة الإنسان إلى الترفيه والتجديد النفسي والبعد عن الرتابة والحزن والملل، وكثيراً ما كان يتعوذ رسول الله من الهم والحزن، كما قال عليه السلام في حديث حنظلة المعروف: يا حنظلة ساعة وساعة، أي ساعة للذكر وساعة للّعب .

ومن المؤكد أن السفر والسياحة لهما فوائد عديدة بين بني البشر، ولكن فوائدهما ألزم بين ديار الإسلام، ولهذا أنصح بأن تتسع دائرة الترحل والتزاور بين الدول المسلمة، لأن السياحة بين هذه الدول سوف تزيد التعارف، وتعود فائدتها على الشعوب المسلمة، ويمكن أن تكون وسيلة فعالة لإنشاء شبكات للطرق والموانئ وزيادة الاتصال والوحدة، كما تجنبنا بعض مصائب السياحة في الدول غير الإسلامية، كما هو معروف، وبهذه المناسبة فإن حرية التنقل بين الدول، لا تعني عدم وضع قيود للتنقل، إذ إن من حق كل دولة أن تنظم عملية الانتقال، أو تشترط تأشيرة الدخول، يستوي في هذا الانتقال بين الدول الإسلامية والدول غير الإسلامية، وإن كان معروفاً أن الأصل هو عدم وجود حدود فاصلة بين دول المسلمين، ولكن تغير الظروف وتعدد الدول، يجعل مسألة التنظيم عملية مقبولة من الناحية الواقعية والشرعية أيضاً .

ويتوقف الدكتور عبدالفتاح الشيخ أمام ما يعتبره أبرز مظهر من مظاهر حرية الانتقال التي كفلها الإسلام للبشرية، قبل أن تلتفت إليها البشرية في بدايات القرن العشرين، ويعني بها مبدأ الهجرة .

ويقول: الهجرة، بمعنى الانتقال المادي من مكان إلى مكان، قامت عليها دولة الإسلام الأولى في المدينة، كما أتاحها الإسلام للإنسان بحثا عن سعة الرزق، أو حرية الفكر، أو تجنبا للاضطهاد، أو نشرا للدعوة والعلم، أو دخولا في حوار حضاري رشيد يعود بالنفع على الفرد والجماعة .

وحرية الهجرة في النص الإسلامي تكاد تكون فرضاً وإلزاماً، حيث ساقها القرآن بصيغة الأمر المرغوب، يقول الحق من بين ما يقول: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها، ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعةً، والهجرة على هذا النحو فكر وعبادة ورزق وحرية ونماء، كما أن الترحال والهجرة ليسا على الإطلاق هروباً من المجتمع أو تفلتاً من الدين أو عدم انتماء، لأن الانتماء في الأصل للدين والحياة والحرية، وهذه يتسلمها الإنسان أينما كانت: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون .

الحركة وسعة الأرض

إذن لو كانت الهجرة هروبا من الحق، أو عوناً لعدو، أو تركاً للأرض ليأخذها الظالمون، تكون الهجرة في هذه الحالة ممنوعة، وهذا هو المعنى المقصود في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وفي حديث البخاري: . . . فهجرته إلى ما هاجر إليه، أي حسب النية والعمل والثمرة يكون جزاء الهجرة وفائدتها للأفراد والمؤسسات والجماعات .

والخلاصة أن حرية الإنسان المبدئية، والأمر بالسعي والإعمار في الأرض، وتطبيق حق الهجرة والترحال في المجتمع المسلم . . كل هذا وغيره يؤكد أن حرية السفر والسياحة من الحريات الأصيلة في الفكر الإسلامي وأن منعها لا يجوز من حيث المبدأ .

ولهذا لم تقيد حرية الإنسان الحرة إلا في الحالات الاستثنائية، وفي حالات ارتكاب جرائم معينة قد تحتاج لعقوبة معينة، وقد يكون من بين هذه العقوبة التقييد أو التغريب والنفي، كما أشارت إليه الأحكام الشرعية .

حالات استثنائية

أشار العلماء تحديداً إلى ثلاث حالات استثنائية يجوز فيها للمجتمع، من خلال علمائه وحكامه ومؤسساته القانونية، أن يقيدوا حرية التنقل، وهي:

1 عند ارتكاب جريمة الحرابة أو التهديد العام للمجتمع، في ما يشبه جرائم العصيان أو الإرهاب، فقرر القرآن: أو ينفوا من الأرض .

2 عند درء الفتنة عن المجتمع، بالقدر الذي يقدره ولاة الأمر، وقد حدث أن نفى عمر بن الخطاب رجلا كان يشبب بالنساء أي يثير فتنتهن .

3 في حالة المصلحة العامة، أي عندما يقيد ولي الأمر هجرة العلماء، والعقول المسلمة، حتى لا يتضرر المجتمع المسلم من هذه الهجرة . . وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع كبار الصحابة أهل العلم والرأي من مغادرة المدينة حتى يقدموا الرأي والنصيحة للمجتمع المسلم .

ما عدا هذا، فحرية السفر والسياحة والانتقال مكفولة من دون قيد أو خوف أو مشقة .

حرمة البيت

وترتبط بحرية السفر والترحال حرية أخرى، وهي حرية الإقامة والسكن واتخاذ البيوت . يقول الدكتور فؤاد النادي، أستاذ القانون المدني في جامعة الأزهر: حرية الإقامة ومن ثم حرية السكن وحرمة المسكن من الحريات الطبيعية التي قررها الإسلام للإنسان وصانها بعشرات الأحكام الشرعية والقانونية الواضحة، فهي مصونة بحرية الكسب والتملك والمطلقة، ومصونة عندما تكفل الله بها كما وضح في تذكير آدم أبي البشر بنعمة الله عليه في الجنة: وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى تضحى أي حتى لا تصاب بحرارة الشمس الشديدة وعليه فأنت محتاج للسكن، ومصونة بحرمة الاعتداء عليها، لأنها مال وعرض وحق وكرامة وخصوصية وحرمات لا يجوز تجاوزها أو التعدي عليها .

ومن عظمة الشريعة الإسلامية في مجال حماية حرمة المسكن، أن جعل السكن خصوصية لا يجوز مجرد الدخول إليها إلا بإذن صاحبها، يقول تعالى بوضوح: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، ويقول الحق: وأتوا البيوت من أبوابها، وفي الحديث إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف . رواه عبدالله بن قيس .

بل بلغ الأمر بصيانة حرمة الإنسان في مسكنه وحريته الذاتية والأسرية أن العلماء أفتوا لو أن متطفلا نظر بعينه في بيت بغير إذن ففقع صاحب البيت عين الناظر فلا عقوبة على صاحب البيت، وقد ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن أمرا اطلع عليكم بغير إذن فحذقته بحصاة ففقأت عينيه، ما كان عليك من جناح .

وهذا يبين إلى أي مدى يصون الإسلام حرية الإنسان في بيته ويصون حرمة من يعيش فيه، وقد ثبت أن المسلمين لم ينتهكوا حرمة البيوت في موقف أو غزوة، سواء مع المسلمين أو مع غير المسلمين أيضاً، بل بلغ الأمر أن التجاوز في حماية حرية الإنسان في بيته يسقط معه إقامة العقوبة حتى لو لاحظها أمير المؤمنين نفسه، وحدث مع أمير المؤمنين ابن الخطاب أنه كان يمشي في المدينة ليلاً، فسمع صوت رجل وامرأة من أحد البيوت، فتسور الحائط فإذا الرجل والمرأة عندهما إناء من الخمر، فقال رضي الله عنه: يا عدو الله أكنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصية، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين أنا عصيت الله في واحد وأنت في ثلاث، فالله يقول: ولا تجسسوا، وأنت تجسست علينا، والله يقول: وآتوا البيوت من أبوابها، وأنت صعدت من الجدار، والله يقول: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا، وأنت لم تفعل . وعندئذ قال له الفاروق: هل عندك من خير إن عفوت عنك؟ فقال الرجل: نعم والله لا أعود . فقال عمر: اذهب فقد عفوت عنك .

ويرفض الدكتور فؤاد النادي مقارنة حماية الإسلام لحرية الإنسان في السفر والترحال والإقامة والسكن ببعض البنود الساذجة في المواثيق والقوانين المدنية، ويضيف: حرياتنا الإسلامية مصونة بالنص الشرعي والممارسة الاجتماعية والمتراكمة، كما هي محمية بالعادات السلوكية ومرتبطة بالشريعة والعيادات الدينية . . وجميعنا يعرف أن السفر والإقامة قد ترتب عليهما أحكام شرعية كما في سقوط فريضة الجماعة في الصلاة عند السفر، أو جوز الفطر في نهار رمضان عند السفر، أو تحديد جواز أو عدم جواز بعد الرجل عن زوجته، كذلك خص الرسول صلى الله عليه وسلم السفر والترحال بدعاء معروف بدعاء السفر، وأشدد هنا على معنى مهم، وهو أن عاداتنا في السفر أو حرياتنا في التنقل جزء لا يتجزأ من تكوين الشخص والمجتمع المسلم، ولا يجوز التهاون في هذه المبادئ تحت دعاوى التقليد الفارغ للغرب أو الجري وراء الموضة أو التأثر بما يبثه الإعلام من ثقافات وسلوكيات فاسدة . إن حرياتنا المنضبطة بأحكام الشرع هي ما يجب أن نتمسك به ولا نبتعد عنه قيد أنملة .