الشارقة - عثمان حسن:
مرت العمارة القديمة في الإمارات بمراحل عديدة من التطور، ولعل البيوت القديمة جدا والتي غالبا ما تتكون من بيوت العريش، كانت في المجمل بسيطة الصنع تحضر أساساتها وجدرانها وسقوفها مما هو متوفر من البيئة المحلية، حيث كانت شجرة النخل وتفرعاتها من الأغصان والأوراق والجذوع تشكل اللبنة الأساسية لهذه البيوت، وبمرور السنوات، وحين أصبح لحركة السفن والأشرعة وتجارة اللؤلؤ دور مهم في تطور الحياة، فقد انعكس ذلك كله على طبيعة البيوت والمنازل التي كانت تنتشر بكثافة قرب السواحل البحرية، حيث صارت تصنع من الجبس وبعض أنواع الحجارة البحرية المتوفرة في البيئة .
أما بخصوص التفاصيل المعمارية، وكل ما يتعلق بفخامة البيت وحجمه، ناهيك عن التفاصيل المعمارية للشبابيك والبراجيل والأبواب، فقد اختلفت أيضا تبعا لتطور الناس المادي، سواء كانوا مجرد بحارة بسطاء يلاحقون البحر ويصطادون رزقهم بتعب وجهد، أو كانوا نواخذة وأصحاب سفن أو تجار لؤلؤ متمرسين ووجهاء ورفيعي المقام .
غير أن المهم في شأن المنازل القديمة في الإمارات، وهو الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه، هو حرص ساكني تلك البيوت على تأثيثها لتلبي مجموعة من العناصر المهمة على رأسها السكن وما يتضمنه ذلك من دفء وسكينة وأيضا خصوصية، وهي من الميزات التي طبعت تلك المنازل القديمة التي غالبا ما كانت مصممة لتحجب الآخرين عن تفاصيل البيت من الداخل، وغالباً ما كانت تصاميم البيوت محاطة بجدران عالية وباحات تمكن الساكنين من حرية الحركة داخل المنزل الذي غالبا ما كان يشتمل على بئر وجلسة عريش صيفية وأماكن راحة للخدم والطبخ وما شابهها من احتياجات ضرورية .
إن تصميم البيت الإماراتي القديم وما كان يتضمنه من علامات معمارية استلهمها الإماراتي من بيئته المحلية يذكرنا بفكرة البيت وغرضه ولعله يدفعنا إلى تذكر بعض مما احتواه كتاب "جماليات المكان" لغاستون باشلار حين قارب بين البيت وريح البحر، وحين نظر إلى البيت بوصفه يجسد الوجود الحقيقي للإنسانية الخالصة التي تدافع عن نفسها، فالبيت وفق باشلار يجسد المقاومة الإنسانية، والفضيلة الإنسانية، وعظمة الإنسان، هو إذن بيت دافئ حيث كلمة الدفء كلمة مجازية تحتمل الكثير من الشعرية والأنس والفطرية .
المهندس رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني، يتحدث عن العناصر المعمارية التي استخدمها الإنسان الإماراتي القديم في بناء مسكنه، وهو هنا يتحدث عن بيئة دبي التي لا تختلف كثيرا عن بيئات المدن الإماراتية الأخرى فيقول "إن العمارة التقليدية بإمارة دبي لم تكن حدثاً وقتياً جاء نتيجة التأثر والتقليد للعمارات المناظرة، إنما هو طابع عرّف حضارة مجتمع تفاعل مع المؤثرات البيئية والحضارية، لاستيفاء الاحتياجات وتطويع الإمكانات، هذا الطابع احتفظ بخصوصيته وشخصيته الحضارية عبر مجموعة العناصر المعمارية" .
أما حول العناصر الجمالية لهذه المنازل فيحددها بوخش بالفناء الداخلي، وهو فراغ مركزي مكشوف أغلبه أو بعضه مغطى، وكثيراً ما يكون منتظم الشكل، وأقرب إلى المربع، وتتوزع حوله الاستخدامات، وهو بذلك مصدر ربط أجزاء المبنى الداخلي بعضها ببعض وفق تدرج فراغي، حسب طبيعة الوظيفة، وتصميمه في العمارات التقليدية لا يخضع لقاعدة شكلية ثابتة .
وهناك البراجيل والأبراج الهوائية التي تأخذ الشكل المنتظم "المربع" وتعد مكوناتها المعمارية والجمالية استكمالاً لشكل واجهات المبنى، بل أصبحت تشكل رمزاً للهوية وعلامة مميزة للمساكن التقليدية، ويضاف إلى ذلك ملاقف الهواء، وهي أشكال معمارية داخل تجاويف متداخلة، بحيث تسمح للهواء بالمرور خلالها وفق تصميم يسمح بتسريب الهواء أفقياً، ثم عمودياً نحو الغرف أو الفراغات الداخلية للمسكن، دون ولوج الضوء داخل الغرفة أو الفراغ .
جماليات المكان يمكن رصدها في كثير من تصميمات البيت القديم، وهو الذي التقطه مصور لبناني اسمه يوسف القيس أعجب بتصاميم الأبواب الإماراتية فوضع كتابا بعنوان "أبواب الفردوس" وهو يرى أن الأبواب وجه البيت وأهله، تعبر عن روح المكان، فجمع في كتابه صوراً لأبواب من الإمارات وأبياتاً من الشعر العربي على مر العصور، تناولت الأبواب وعبرت عن معانيها المتعددة .
انبثقت فكرة الكتاب من تجواله في الإمارات في مهمة صحفية شاهد من خلالها أحد الأبواب المصنوعة من سعف النخيل، يفضي إلى بيت يعبر عن روح التراث الإماراتي، وبحسب مؤلف الكتاب المصور فإن كل باب يمثل وجه البيت، ويصور روح العلاقات الاجتماعية لساكني هذا البيت .
ما أنجزه المصور اللبناني يعكس مفهوم البيت كما يعكس تفصيلاته الداخلية من شبابيك وبراجيل وباحات وتفاصيل دقيقة تتعلق بالمواد المستخدمة في الأبواب من مزاليج ومفاتيح وتفصيلات لها علاقة بالخزائن والمفارش والسجاد وغيرها، فهذه كلها تعبر عن روح المكان الإماراتي القديم الذي كان المنزل يجسد بعضا من علاماته، كما كانت بساطة الفرد الإماراتي القديم جزءا من تكوينه النفسي، وذلك كله جاء نتاج هذه البيئة الصحراوية والبحرية والتي تتنوع قليلا فتشتمل على الجبال كما تشتمل على بعض الوديان وهي في محصلتها شكلت وجدان الإماراتي الذي اكتفى بما تجود عليه عناصر الطبيعة، واستطاع أن يعكسها في مجموعة من القيم المعمارية التي كان يستوحي سحرها وأشكالها وتصاميمها من المكان ذاته .
وتتجلى جماليات المكان في الشكل الخارجي للبيت كما هو في الشكل الداخلي ولنأخذ على سبيل المثال تفصيلة الشبابيك، التي شكلت في العمارة التقليدية جزءاً رئيساً في تكوين المبنى القديم، وكان الشباك يتكون من إطار خارجي بشكل مستطيل به مجموعة من القضبان الحديدية أو النحاسية تمتد من الأعلى إلى الأسفل، وتمر عبر أعمدة جانبية في الإطار يختلف عددها بحسب طول النافذة، وللقضبان النحاسية ماسكة لتثبيت القضيب تسمى "لؤلؤة" هذه النافذة يعلوها عقد نصف دائري مفتوح أحياناً أو يكون به مصراع للتحكم في إغلاقه حسب الحاجة، أو يكون هذا الجزء مستطيل الشكل، وللتحكم بمصراع الشباك توجد في الخلف قطعة خشبية صغيرة سهلة الدوران مثبته على ضلع النافذة حرة الحركة وتسمى "صفصوف" .