الشك في اللغة مصدر الفعل شك يشك في الأمر، أي تردد في أمر بين شيئين، لذا فإن نقيض الشك هو اليقين الذي يعرف بالاعتقاد الجازم .
- وفي اصطلاح الفقهاء رحمهم الله عرّف الشك بأنه عدم الاستيقان في الحكم على الشيء، وهذا المفهوم يتفق مع مفهوم أهل اللغة، حيث إنهم وقفوا بين الاستواء والرجحان .
- وفي هذا الباب ترد مصطلحات متقاربة أو متشابهة من حيث الغاية، مثل الاشتباه والظن والوهم، فكلها تعني الشك في الأمر وعدم اليقين .
- والشك عند الفقهاء رحمهم الله يقسم في الأصل إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي:
1- شك طرأ على أصل حرام، كأن يسافر المسلم إلى بلد فيه مسلمون وآخرون من غير أهل الكتاب وهم الأكثر، ويدخل مطاعمهم، فالأصل هنا أنه لا يحل له أكلهم حتى يعلم أن اللحم لشاة ذبحت على الطريقة الإسلامية وعلى يد مسلم راجع غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر لابن نجيم ج1 ص193) .
2- شك طرأ على أصل مباح، كأن يجد المسلم ماء في مكان، ويرى فيه أثر التغير، ويريد أن يتوضأ للصلاة، فالأصل هنا أن الماء طهور، والتغير الذي به قد يكون من شيء من جنس الماء كالطحلب والكبريت مثلاً، ومثله لا يؤثر كما يقول الفقهاء رحمهم الله، لأنه مجاور للماء وليس طارئاً مفارقاً .
وديننا بنيَ على التيسير وعدم التشدد بكثرة السؤال والبحث، وقد ورد أن عمر رضي الله عنه كان في ركب فيه عمرو بن العاص رضي الله عنه فوردوا حوض ماء، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا، (راجع الموطأ ج1 ص 23 - ،24 وبدائع الصنائع ج1 ص ،73 والمنتقى ج1 ص62) .
3- شك في شيء لا يعرف أصله، كأن يتعامل المرء مع رجل يملك فنادق فيها قاعات تقام فيها الندوات والمحاضرات، وتقام فيها الحفلات الراقصة والماجنة .
فالأصل في مثل هذا الدخل أن أكثره حرام والتمييز صعب، ولذا فإن الإسلام لا يحرم التعامل معه وإن كان بعض الفقهاء رحمهم الله يرى فيه الكراهة على أقل تقدير، لأن الحديث يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وفي حديث آخر يقول: الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات، (راجع غمز عيون البصائر المرجع السابق ج1 ص193) .
- لكن يرى الإمام القرافي المالكي رحمه الله في كتابه الفروق، بأن الشك قد يكون مجمعاً على اعتباره أو مجمعاً على إلغائه، فعندئذ يختلف الحكم ما بين اعتباره وبين إلغائه .
- فلو شك في ذبيحة: هل هي مذبوحة أم هي ميتة؟ فالشك هنا يسقط لأن الحكم في الحالتين هو تحريم أكلها، باتفاق الفقهاء رحمهم الله، ولا اعتبار للشك .
- أو شك في زوجته هل طلقها أم لا؟ فالأصل أنه لم يطلقها وهي زوجته، فلا اعتبار لشكه والشك هنا ملغى بإجماع العلماء، لأن النكاح ثابت بيقين .
- أما لو شك هل طلق زوجته ثلاثاً أم طلقتين؟ فإن الأصل أن الطلاق حاصل والشك في العدد، وفي هذه الحالة يقع الطلاق المشكوك فيه عند الإمام مالك رحمه الله، فيحكم بالطلاق الرجعي لأنه أضعف الطلاقين، ويقع في دائرة اليقين: (راجع الفروق والشرح الكبير، بحاشية الدسوقي والقوانين الفقهية لابن جزي .