أصدرت رابطة العقلانيين العرب حديثاً كتاباً بعنوان المسألة العلمانية (2) مفهوم العلمانية وقد ألف الكتاب مجموعة من الباحثين والكتاب نشرته دار بترا للنشر والتوزيع وهو يدور حول نشأة الجدل العربي حول العلمانية وعلاقتها بالسياسة واعتبارها مبدأ توحيد ومساواة بين المختلفين.

يبدأ الكتاب بمقدمة يقول فيها كبير المؤلفين: لا تزال العلمانية الدريئة الأساسية التي يطلق عليها جل المفكرين الإسلاميين والقوميين والشعبويين سهامهم النظرية، استسهالا للوصول إلى قلوب الجماهير لتحقيق مكاسب غالبها سياسي.

ويضيف في مقدمته: إن الكتاب الذي بين أيدينا محاولة لإعادة الاعتبار لمسألة العلمانية، كقضية قائمة بحد ذاتها، وليست ملحقة بثقافة دينية أو قومية أو ديمقراطية أو شعبوية وهي أيضا توضيح لمفهوم العلمانية في مقابل محاولات مبتسرة وخجولة من قبل أفراد علمانيين، أو علمانيين (سابقا) يحاولون تقديم العلمانية على أنها حيوان أليف يمكن تربيته في بيت إسلامي أو قومي أو شعبوي بدون خشية من شراسته.

وهكذا يسهم المفكر التونسي محمد الحداد بلغته الرصينة الواضحة، في توضيح القيمة الأصلية للعلمانية بصفتها تحييدا للفضاء العام (عن سلطة العقائد المختلفة، الدينية وغير الدينية) ليتمكن كل فرد من ممارسة حرة لدينه أو عقيدته أو مذهبه أو فلسفته الوجودية في حدود الفضاء الخاص به وفي إطار الاحترام المتبادل بينه وبين المختلفين أو الذين لا يرغبون أصلاً في أن تكون لهم انتماءات دينية أو عقيدية أو مذهبية وينطلق محمد الحداد لإيصال مفهومه عن العلمانية من مناظرتين تاريخيتين في نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، جرت أولاهما بين المستشرق الفرنسي إرنست رينان والمفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني سنة (1883)، بينما جرت الثانية سنة (1903) بين مفكرين عربيين هذه المرة هما فرح أنطون ومحمد عبده وكان الأول من أكثر المتحمسين للتجربة الفرنسية، فيما حاول الثاني الرد على العلمانية بفكرة التسامح، ومدنية السلطة في الإسلام باعتبار الخليفة عند المسلمين حاكماً مدنياً من جميع الوجوه.

ويرى الكاتب التونسي أن هذا الموقف الذي صدر من رجل دين مسلم سنة (1903) تحت ضغط الأحداث، كان يمكن أن يتطور أكثر، كما تطور نظيره في الفكر الكاثوليكي، لو تواصل تمثيل الخطاب الإصلاحي للحساسية الدينية في المجتمعات العربية.

كذلك انفرد المفكر السوري جاد الكريم الجباعي وهو أحد مؤلفي الكتاب بدراسة طويلة عن العلمانية واعتبرها ضرورة للشعوب التي لم تفلح بعد في إنتاج حياتها النوعية دولة وطنية قومية، أو لم تفلح بعد في إنتاج شكل سياسي حديث لوجودها الاجتماعي.

وبلغته الواثقة يوصل الكاتب قراءة إلى نتيجة مفادها أن العلمانية ليست صفة طارئة على الدولة الوطنية، وليست فضلا أو منة تأتيها من خارجها، ولكنها جوهر الدولة السياسية، بل إنها أساس كونها دولة وطنية أو قومية وهما بمعنى واحد في نظر الكاتب.

وقد أسس الجباعي فهمه للعلمانية كواقع للدولة وليس طارئا عليها، من خط يقترحه للتطور ذي إيقاع ثلاثي (وضعي ديني وضعي). أما الوضعي الأخير فهو القانون، وهو مركب جدلي من الحدين الأولين يجمع ما هو جوهري في كل منهما: (العناصر العقلية، العلمانية) في الأول و(العناصر الأخلاقية، الإنسانية) في الثاني لهذا السبب يوصف القانون بأنه روح الشعب وماهية الدولة لأنه تعبير عما هو مشترك بين جميع أفراد الشعب، أعضاء الدولة، ولذلك ترتبط العلمانية بالعقلانية والإنسانية ارتباطاً وثيقاً لا تنفك معه إحداها عن الأخريات وترتبط بالديمقراطية، لأنها الصفة الجوهرية للقانون.

أما الباحثة والأستاذة الجامعية رجاء بن سلامة فتسلط الضوء على جملة من الأمور التي يأخذها المرء بدءا على أنها مسلمات، ثم يتنبه بعد النظرة الثانية إلى أنها بحاجة إلى تدقيق. وتنبه بن سلامة أولا إلى أن العلمانية لا تساوي فقط بين الأديان والمؤمنين بها، ولكن أيضاً بين المؤمنين وغير المؤمنين وهؤلاء جميعا توحدهم العلمانية المأمولة، لأنها مبدأ حياد مشترك هو جوهر السياسي. فالعلمانية تساوي بين هؤلاء المختلفين لأنها لا تعتمد مرجعية دينية ومذهبية خاصة، ولا تفاضل بين مسلم وغير مسلم، ولا بين مؤمن وغير مؤمن، بل هي تساوي بينهم وتوحدهم باعتبارهم متشابهين وأحراراً بالولادة.

وتشير الباحثة بن سلامة أيضاً إلى أن العلمانية ليست دينا، وليست رأيا، بل هي الاتفاق المبدئي على إمكان تعدد الآراء، وجواز تعددها، وجواز اختلافها اختلافا يمكن أن يبقى اختلافا لا رجعة فيه، وتزيد أن نقيض العلمانية تبعا لذلك ليس الإسلام بل الأصولية باعتبارها إيديولوجية شمولية.

ومبدأ الحوار موجود في العلمانية نفسها ولا نحتاج إلى فرضه بمقترحات التوفيق غير الممكن، أو بمقترحات العزل الطائفي والمجموعاتي التي تنسف السياسي باعتبارها تقاسما للمشترك.

كما قام كل من الكتاب والباحثين عبد الرزّاق عيد وراتب شعبو ورجاء سلامة بتقديم ايضاحات لازمة للجوانب المتعددة وشديدة التركيب والغنى للفكر العلماني العربي، الذي يعاني من خصومة وعداوة لم يعانها في فجر نشأته مع نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.. ويضيف الكاتب الأرمني التركي إتيان محجوبيان الذي قضى غدراً في العام 2007 نكهة إضافية إلى الكتاب لكونه يعبر عن وجهة نظر في بلد جار وإن لم يكن عربيا. وتأتي هذه الإضافة عندما قام الكاتب التركي محجوبيان بوصف بلده تركيا بأنها بلد غير علماني في الأصل.

وفي الباب الثاني الذي يحمل عنوان مدخل سياسي إلى العلمانية أو مدخل علماني إلى السياسة يرى الباحث جاد الكريم الجباعي أن العلمانية ضرورية للشعوب التي لم تفلح بعد في إنتاج حياتها النوعية دولة وطنية حديثة، أو لم تفلح بعد في إنتاج شكل سياسي حديث لوجودها الاجتماعي.

وفي ضوء هذه التحديات تبدو العلمانية جوهر الدولة السياسية وأساس كونها دولة وطنية أو قومية، فيرى الكاتب أن العلمانية ليست صفة خارجية نطلقها على الدولة جزافا وننزعها عنها جزافاً، وليست حكم قيمة ذاتياً يطلقه العلمانيون على الدولة، بل هي حكم واقع يتعلق بأساس الدولة الوطنية الحديثة ومبادئها، وليست اختياراً ثقافياً أو انحيازاً أيديولوجياً، إلا على صعيد الأفراد. فمن وجهة نظر الباحث إما أن تكون الدولة الوطنية علمانية وإما ألا تكون وطنية، بل لا تكون دولة.

هذا الأمر لا يتعلق بواقع الاختلاف والتنوع على الصعيدين الديني والاثني فقط، بل يتعلق بماهية الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون أساسا، أما الاختلاف الديني والمذهبي والاثني وغيرها فلا يستنفد واقع الاختلاف ولكنه يضيف سببا آخر إلى الأسباب التي تقضي بأن تكون الدولة علمانية، فالعلمانية هي جزء من منظومة الحداثة، وليس من الممكن أن تتحقق الحداثة بمعزل عنها، وبالتالي فإن الساعين إلى تحقيق الحداثة يجب أن يكونوا علمانيين لكي يكونوا منسجمين مع توجهاتهم، دون أن يخضعوا العلمنة للتكتيك السياسي أو للمماحكات السياسية، لهذا يجب النظر المنسجم إلى مسألة العلمانية، وعلاقتها بالديمقراطية وبكل مسار الحداثة، حيث لا حداثة دونها.