تقول الدكتورة مها سلطان: إن لوحة عبداللطيف الصمودي طريقة حياة، ملعب وجود، هي وطن بديل حين يضيق عليه المكان، أو المحترف الذي يملأه بالتذكارات . والفنان تلقائي حاضر الذهن وطليق في آن، يعرف مبتغاه في لعبة الإيهام والتمويه . تحضره الأفكار والصور، لكنه يعتني أكثر بالتفاصيل التي تتوالد بعضها من بعض، بغية تشكيل قماشة زخرفية تدنو من غرافيكية ألشنسكي في توقيع المفردات الخطية، بحرية أقرب إلى الحدس، كما تدنو من جمالية أعمال ماتيس بالإحساس والامتلاء . هذا الامتلاء الذي يدعوه الصمودي مقامات، لفرط التشابه بين الإضافات النغمية والإضافات اللونية .

أما الناقد د . أسعد عرابي فيقول : يجنح الفنان عبداللطيف الصمودي باتجاه الاستعارة التراثية التي تحول اللون إلى اهتزازات نورانية رقيقة الاختلاجات يستحضر عبرها تخريمات نوافذ المشربيات وبعض صيغ السجاجيد والسيراميك الحافلة بالإشارات الزخرفية والتوريقات الفردوسية .

أن تعرف فناناً فترة طويلة، تعيش معه وتعايشه، تعرف خلجاته، أحاسيسه، أمانيه وآماله، آراءه وتطلعاته، طيشه وهدوءه، فهو أمر يختلف عن معرفة الإنسان العادي في كثير من النواحي، ذلك لأن الفنان إنسان غير عادي، وعبداللطيف الصمودي خير مثال على ذلك . رحمه الله فقد توفي في مدينة الشارقة عام 2005 بعد أن قضى أكثر من نصف عمره في العطاء، سواء على مستوى الحركة التشكيلية في الدولة من خلال جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، حيث كان أحد مؤسسيها المهمين، وأنشط أعضائها همة وحركة، أم من خلال عمله في إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة منظما للمعارض بجميع أنواعها، الشخصية والجماعية، المحلية أو العربية أو الأجنبية، العادية والرسمية، كذلك من خلال عمله الفني الغني والمميز .

يعتبر الفنان عبداللطيف الصمودي من أغزر الفنانين إنتاجاً، فهو يرسم فناً ويأكل فناً وينام فناً ويحلم فناً، بالنسبة إليه يعتبر الفن هو وجوده أو طريقه وجوده .

كانت البداية المعتادة طفولة وعلاقة حميمة مع علبة الألوان وتعايش مع أدوات الرسم، واتجاه نحو الطبيعة لاستنساخها، وهو ما دفعه للالتحاق بكلية الفنون الجميلة التي صقلت موهبته وشذبت من طباعة رغم ما كان قد وصل إليه من نضج فني مبكر، لدرجة أن أعماله الأولى قد أدرجت في دليل الكلية، حيث لا يدخل هذا الدليل إلا المتميز والجيد .

يستمر الصمودي في العطاء المستمر أثناء فترة الدراسة الاكاديمية حتى يحين موعد التخرج والمشروع الذي من خلاله قدم أسلوبه الذي استمر عليه فترة من الزمن بعد التخرج، والذي يمتاز بالتركيز على الإنسان، حسب رأي الصمودي، هو الأبقى، وهو محور كل شيء .

تأتي العزلة الأولى، بعد التخرج كان عمل الصمودي في السعودية، وتعد هذه الفترة مرحلة تفرغ عاشها وتعايش معها لكي يغامر مع التجربة ويستمر في الانتاج المتواصل والبحث من خلال فلسفة الشكل وعلاقاته بالنور أولاً، وباللون ثانياً، حيث اكتشف أفكاراً جديدة تتعلق بثقافتنا التي تعرف إليها في دمشق، كما تأثر خلالها بالطقوس الاسلامية حتى وصل إلى شيء ما مكنه من الالتصاق والالتزام بالبحث والكشف والتطوير حتى وصل إلى تجريدية إسلامية تضم اقواس المسجد الاموي ومعاناة الحاج في رحلته التي يسعى فيها بإيمان غيبي وعقيدة محكمة .

ازداد هذا الوعي بعد تعدد سفراته إلى الخارج، خصوصاً اوروبا واطلاعه على إنتاج الفنانين المشاهير من مؤسسي الفن الغربي الحديث أمثال ماتيس، كاندنسكي، بول كلي، موندريان، وآخرين ممن زاروا الشرق وتأثروا بحضاراته، فوجد الصمودي أنه أولى وأحق بكل هذا، فازداد عمقاً وتفاعلاً ليدخل تجربة أخرى من أجل الحداثة والتغيير .

ثم يأتي إلى الإمارات لتكون التجربة الأكثر عطاء وغناء ونضوجاً، ولتتعدد وجوه هذه التجربة لتكمل ما بدأه في الطريق الصحيح، وتأخذه في البداية أشكال مختلفة، حيث البورتريه اللوني والمائي، ويدعو الصمودي خلالها إلى اكتشاف التضاريس الإنسانية المتمثلة في الوجه وهي تجربة أثرت خبرته تقنية، ثم أخذ يرسم الخزفيات بجزئياتها المختلفة والغنية لونياً، وهو ما كشف الصمودي الذي يعشق اللون ويرسمه في حالاته وتحولاته، سواء في أولياته الحرة في الطبيعة أو شكله الترددي والصوفي، أو من خلال توريقاته التي لا تحصى وانتشاراته التي لا تمسك ولا تعد .

وأخيراً يصل الصمودي إلى أسلوبه الخاص والمميز الذي أتى بعد معاناة حقيقية وبحث متواصل وتجريب مستمر، والأهم العطاء المتصل والوفاء الكامل لفنه وعمله . يعتمد في أسلوبه المميز على الرموز الإسلامية المتعددة مضيفاً إليها رموزاً من المربع والمثلث والدائرة والحلزون بشكل توريقي موسيقي لا بداية له أو نهاية، كأنها سمفونية لونية تعزف منذ الأزل وتستمر إلى الأبد، لتنقل المتلقي إلى أجواء شرقية إسلامية تحفل بالسحر والغموض معبقة بأريج الهيل والعنبر، مما يجعلها ترسخ في ذهن المتلقي آخذه إياه في رحلة لذيذة لا يود المشاهد أن ينتهي منها .

في بعض أعماله هذه إيحاء بالحرف العربي، ولكنه ليس الحرف المقروء ولكن الحرف ببعده البدائي التشكيلي والصوفي الغيبي الذي يقول عنه الدكتور محمود أمهز: وقفت أمام أعمال الفنان عبداللطيف الصمودي الذي يمكن أن يصنف من الفنانين الحروفيين لاستخدامه الحروف من أجل التوصل إلى مفاهيم خاصة تميزه عن غيره من اتباع هذه المدرسة أو هذا الاتجاه الفني، فالأشكال الحروفية لديه تكتسب قيماً تعبيرية ايحائية ذات دلالات رمزية وهو يفضل هذه الحروف المتداخلة، وهي حروف غير مقروءة وتفتقد إلى القواعد الأصلية والأصول، استطاع التوصل إلى أعمال غنية بألوانها ودلالاتها تذكرنا أحياناً بالحروف، لكنها تأخذنا إلى مسافات بعيدة عنا لأنها تستخدم الحرف لا من أجل الحرف بل لما فيه من إمكانات التفسير والتأويل والقيمة التشكيلية .

وتضمن معرضه الفردي الأخير في دمشق بصالة المركز الثقافي الفرنسي مجموعة من اللوحات الجدارية التي اعتبرت بمثابة استعادة لتجربته مع اللوحة الشرقية القريبة من أجواء البسط والسجاجيد، وكتب أحد النقاد من سوريا عن هذا المعرض، وعن الفنان :

شكّل المعرض عودة إلى جمالية اللوحة الجدارية التي يمكن تنفيذها على الأقمشة الدافئة، حيث عرض لوحات كبيرة جعلها متدلية في فضاء الصالة من دون إطار، وبالتالي جعلها تتمتع بحيوية التنقل والتداول من مكان إلى آخر مثل السجاد تماماً .

هكذا وجد الصمودي نقاط الالتقاء ما بين البنى الزخرفية السجادية والرؤية التجريدية الحديثة، وكانت هذه النقاط تطل وبشكل دائم في لوحاته لبلورة سلوكه الفني المغاير عبر اللجوء إلى اللمسة العفوية التي كانت تستعيد بوضوح علاقة الفن بالتراث الزخرفي، الذي يشكل أحد المظاهر الرئيسة للتعبيرية المشرقية .

هذا يعني أن أعمال الصمودي، ولاسيما التي قدمها في معرضه الأخير، عبّرت عن تطلعات الحداثة في الجمع ما بين العناصر التشكيلية القديمة والمعاصرة، ومنحت العين إيهامات يفرضها شكل السجاد، أي جعلت المشاهد الذي يرى الأعمال من مسافة بعيدة يعتقد أنه في معرض للسجاد .

وإذا كان الصمودي قد استخدم الزخرفة الهندسية المتحررة في بعض لوحاته، فإنه في بعضها الآخر قد جرب احتمالات الزخرفة اللونية العفوية التي تغطي مساحة اللوحة كاملة ليعود ويشتغل عليها بحيث تكون الزخرفة، أساسا وخلفية للعمل المنجز .

أود أن أختم حديثي هذا عن فنان مبدع معطاء بكلام ذواقه ومهتم هو د . يوسف عايدابي الذي قال عن الصمودي: أعماله متمازجة الأساليب تصل إلى رؤية فنية وأسلوب فني ساحر وآخاذ، ذلك أنه باقترابه من التوريق والمنمنمات والنقش والحرف والارابيسك بعامة مع استفادة من الفنون الشرقية والبيزنطية والإفريقية، قد أفلح في تمييز أسلوب شرقي لا غربي في فرادة ساحرة أهلته لخصوصية عربية فريدة ضمن مبدعين قلائل يحاولون أن يحضروا في الحاضر وألا يغيبوا عن الماضي الزاهر .