كان فلسطينيو غزة من أكثر الناس حماسة للثورة المصرية التي أطاحت نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك . المسألة بالنسبة إليهم لا تتعلق بالبعد التاريخي للعلاقة بين الشعبين الفلسطيني والمصري، حيث عاشت غزة تحت الإدارة المصرية حتى الاحتلال الإسرائيلي لها في العام ،1967 ما أوجد روابط اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة بينهما، ولكن لأن العلاقة مع نظام مبارك كانت عبئاً على غزة .

النظام المصري القديم شارك في حصار غزة، وضيق الخناق على أهلها، وقيل على لسان الصحافة الإسرائيلية، إنه كان من أكثر المتحمسين للحرب التي شنتها إسرائيل على غزة في نهاية العام 2008 ومطلع العام ،2009 هذه الحماسة لإخضاع غزة وإنهاء حكم حماس لها كانت حاضرة في الساعات القليلة التي كان يتم فيها فتح معبر رفح لحركة الأفراد، وفي الجدار الفولاذي الذي كان يبنى تحت الأرض على حدود غزة مع مصر، وفي شكل العلاقة الأمنية مع قيادة حماس التي أخضعت بالكامل لدائرة المخابرات العامة . على الرغم من ذلك، كانت قيادة حماس حريصة على عدم انتقاد نظام مبارك خشية أن يؤدي ذلك إلى المزيد من الإجراءات العقابية بحق حماس وقيادتها وبحق الفلسطينيين في غزة بشكل عام . فرحة غزة، إذاً، بسقوط مبارك، هي فرحتهم بقرب سقوط عصر الحصار الذي فرض عليهم .

غير أن محبة غزة للنظام المصري الجديد وفرحتها به، لا تعني بالضرورة نهاية عصر الحصار، فالنظام الجديد يأتي مكبلاً بملفات داخلية وخارجية، ستفرض نفسها عليه لوقت طويل، وستعكس نفسها بالضرورة، على شكل علاقته مع غزة، وهذا يعني أن التغيرات في العلاقة بين مصر وغزة ستكون محدودة وأقل بكثير مما تأمله قيادة حماس، لكنها في الوقت نفسه ستكون عميقة في أبعادها الإنسانية، بحسب اعتقاد الكاتب الصحفي محمد ياغي .

بدايةً، لن يكون بإمكان النظام الجديد غض الطرف عن الأنفاق بين غزة ورفح المصرية، خصوصاً بعد مذبحة الجنود المصريين في سيناء التي قتل فيها 16 جندياً مصرياً في الخامس من أغسطس/آب الجاري، وسيعمل النظام الجديد على إغلاقها حتى لا تتحول غزة الى ملاذ آمن للحركات الجهادية، تنطلق منها باتجاه مصر، أو باتجاه إسرائيل من الأراضي المصرية، بما يورط الدولة المصرية في أزمات سياسية ويفرض عليها مواقف سياسية لا تريدها .

أيضاً، لن يتساهل النظام الجديد مع عمليات تهريب السلاح إلى غزة من سيناء . على عكس سورية التي كانت تجاهر بدعمها لحزب الله اللبناني، بسبب استقلالها الاقتصادي النسبي، بينما مصر تجري مفاوضات مع الغرب ومع البنك الدولي لجلب استثمارات وللحصول على قروض تمكن الدولة من تحرير أكثر من نصف الشعب المصري من وطأة الفقر التي يرزح تحتها . ووفقاً لياغي، فإن قيادة مصر الجديدة لذلك، لا تستطيع، وليس من مصلحتها أيضاً، إدارة ظهرها للغرب . ومقابل القروض والاستثمارات، ستقدم القاهرة التزامات وتعهدات، جزء منها سيتعلق بالعمل على منع وصول شحنات أسلحة إلى غزة . لذلك في الجزء المتعلق بدعم المقاومة بالسلاح في غزة - عن طريق الأنفاق أو عبر وسائل أخرى - لن يكون هنالك تغير يذكر على السياسة المصرية . على العكس، من المتوقع أن يكون النظام الجديد أكثر حزماً من سابقه في العمل على إحباط تهريب السلاح إلى غزة لإثبات مدى جديته للدول الغربية التي ينتظر منها القروض والمساعدات الاقتصادية .

في المقابل، ستعمل مصر الجديدة على فرض واقع جديد في ما يخص معبر رفح البري، إذ مقابل إغلاق الأنفاق ومنع تهريب السلاح، ستقوم مصر بفتح معبر رفح بشكل دائم لدخول وخروج الأفراد والبضائع من دون وجود طرف ثالث .

على عكس النظام القديم الذي كان يدعي بأن إغلاق معبر رفح سببه وجود اتفاق معابر بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، فإن مصر الجديدة ستتصرف من واقع القانون الدولي . مصر ليست طرفاً في اتفاق المعابر، وحدودها مع غزة خاضعة، وحسب القانون الدولي أيضاً، لسيادتها هي . يضاف إلى ذلك أن النظام الجديد لا يسعه إدارة ظهره للرأي العام المصري المعادي للحصار والرافض في الوقت نفسه لأنفاق التهريب .

يقيناً أن مصر الجديدة ستواجه ضغوطاً دولية لمنعها من فتح معبر رفح بشكل دائم لحركة الأفراد والبضائع، لكنّ هنالك إدراكاً عالمياً متزايداً بأن معادلة حصار غزة قد فشلت في إسقاط حماس، وأن النظام المصري الجديد منتخب وعليه الإصغاء إلى شعبه، وأن معادلة محاربة الأنفاق وتهريب السلاح مقابل رفع الحصار هي حل عملي وواقعي لمشكلات جميع الأطراف المعنية بمعبر رفح .

هل هذا ما تريده قيادة حماس في غزة وقيادة السلطة الفلسطينية في الضفة، يتساءل ياغي، ويقول: قادة حماس ربما يريدون من مصر أن تكون مثل سوريا وإيران لحزب الله، المُسلحْ والمُمَولْ والراعي الأمني . لكنهم في النهاية ليسوا الطرف المقرر في هذه المعادلة، وقادة مصر الجدد لا يرغبون في التورط عسكرياً مع إسرائيل، وأولوياتهم لا تتفق وأولويات قادة حماس في هذه المرحلة التاريخية . لذلك سيقبل قادة حماس أن يكونوا الحكام الإداريين لقطاع غزة، وسيعملون على الاستفادة من الفرص الجديدة للنهوض بغزة اقتصادياً وعمرانياً، من دون أن يسعوا إلى توريط مصر الجديدة في ما لا تريده . يضاف إلى ذلك أيضاً، أن قادة حماس يعلمون جيداً أن الصراع مع إسرائيل يدور على مستقبل الضفة الغربية وليس على مستقبل غزة التي أكثر ما تسعى إليه منذ تسلّم حماس لإدارتها هو رفع الحصار عنها .

السلطة الفلسطينية في الضفة قد لا تكون راغبة بفتح معبر رفح لدخول الأفراد والبضائع حتى لا يشجع ذلك على استمرار الانقسام، لكنها تدرك أيضاً أن مسألة استعادة الوحدة الوطنية لها اشتراطات عديدة، ومعبر رفح ليس أحدها . السلطة في النهاية ليست طرفاً مقرراً في ذلك، ومن مصلحتها، في نهاية الأمر، أن يتم رفع الحصار عن غزة حتى تتمكن من تخفيض حجم إنفاقها على غزة الذي يستهلك جزءاً مهماً من موازنتها .

إحدى نتائج السياسة المصرية الجديدة المتوقعة تجاه غزة ستكون تغير الوضع الوظيفي لحماس، فالحديث عن المقاومة سيخفت شيئاً فشيئاً وستعمل حماس على إحكام سيطرتها الأمنية أكثر على قوى المقاومة الأخرى في غزة حتى لا تعطي ذريعة لإسرائيل بمهاجمة غزة، وهو ما قد يسبب إحراجاً لها ولقيادة مصر الجديدة .

باختصار، والحديث لياغي، العلاقة بين مصر وغزة ستتغير باتجاه يخدم كلاً من الشعبين الفلسطيني والمصري، سيتم رفع الحصار عن غزة من الجانب المصري، وسيتم تأمين حدود مصر بالعمل على إغلاق الأنفاق، لكن ذلك سيكون مقابل إلغاء أو تأجيل الدور المقاوم لقطاع غزة لسنوات عديدة مقبلة .

تعديل كامب ديفيد

وارتباطاً بالحديث عن مقايضة أمن سيناء بإغلاق الأنفاق ورفع الحصار عن قطاع غزة، يبدو أن العملية العسكرية الأمنية التي تقوم بها القوات المسلحة المصرية باشتراك أجهزة الأمن والشرطة في سيناء والتي أطلق عليها عملية نسر، أطلقت العنان لإعادة تأكيد ضرورة مراجعة وتقييم اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، على الأقل لجهة البنود المتعلقة بحجم القوات المصرية المصرّح لها بالانتشار على أراضي سيناء، ووفقاً لهذه الاتفاقية، فإن مصر طلبت من إسرائيل زيادة قواتها الجوية والبرية لمواجهة الانفلات الأمني في سيناء، إلا أن مصر، وبعد أقل من أسبوع على بدء العملية نسر عقب جريمة سيناء ضد الجيش المصري، زادت من حجم قواتها البرية والجوية لمواجهة ومطاردة عناصر التمرد والإرهاب في سيناء من دون أن تستأذن وتطلب موافقة إسرائيلية على هذه الزيادة، الأمر الذي دعا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في رسالة موجهة إلى الرئاسة المصرية عبر البيت الأبيض، إلى أن تتوقف مصر عن إدخال قوات عسكرية إضافية إلى سيناء من دون تنسيق مسبق مع إسرائيل .

ويقول الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب، إنه مع تواصل العملية نسر في سيناء، وزيارة وزير الدفاع المصري الجديد الفريق عبدالفتاح السيسي إلى سيناء للإشراف على العملية عن قرب، فإن مصر، لم ترد حتى الآن على الاحتجاج الإسرائيلي، بل يمكن القول، إن القاهرة معنية بتجاهل هذا الاحتجاج، كبالون اختبار لردود الفعل الإسرائيلية على الخطوة المصرية، ولإظهار عدم تردد مصر في اتخاذ الخطوات الضرورية لحماية أمنها القومي، وسدّ الثغرة الأمنية في شبه جزيرة سيناء، ولإدراك القاهرة، وهذا هو الأهم في هذا السياق، أن إقدام مصر على لجم تطور الحركة الإرهابية في شبه جزيرة سيناء، يخدم الأمن الإسرائيلي بالدرجة الأولى، لذلك فإن القيادة المصرية، تدرك حجم ومدى هذا الاحتجاج بحيث لن تتخذ إسرائيل أية خطوة جدية بهذا الصدد، خاصة أن تل أبيب باتت تواجه جبهات ساخنة في حربها المحتملة مع إيران، سواء من جنوب لبنان أو قطاع غزة، وهي لن تفتعل ما من شأنه فتح جبهة جديدة مع مصر، خاصة بعد ما أفرزته الثورة المصرية من متغيرات داخلية ستعكس نفسها على علاقة مصر مع دولة الكيان، ولعلّ هذا العامل، ما يشجع القاهرة على تجاهل الاحتجاج الإسرائيلي على زيادة القوات في سيناء من دون العودة إلى تل أبيب .

العملية الأخيرة في سيناء، هي الأكثر أهمية من كل العمليات الإرهابية السابقة من حيث إنها فتحت المجال أكثر من أي وقت مضى، على ضرورة إعادة تقييم اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وقد أخذ الجدل في هذه المسألة احتداماً أكثر بين الساسة وأصحاب الرأي والباحثين المصريين، وهناك دعوات عديدة إلى ضرورة عقد مؤتمر دولي يهدف إلى الضغط على إسرائيل لتعديل اتفاق السلام، بحضور روسيا والصين والهند والبرازيل إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لممارسة أكبر ضغط ممكن لتحقيق هذا الهدف في ظل مناخ شعبي واسع في مصر سيساعد القيادة المصرية على التوصل إلى مثل هذا الهدف، وبينما يرى بعض الداعين إلى مثل هذا المؤتمر الدولي، أن الاتفاقات الدولية تقوم على أساس تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة للدول الموقعة عليها، يرى آخرون أن الاتفاقات الدولية تقوم على أساس موازين القوى بين الدول الموقعة عليها أكثر من أن تشكل توازناً حقيقياً بين هذه الأطراف، ولعل في البنود المتعلقة بتوزيع القوات المصرية في سيناء وفقاً لاتفاقية كامب ديفيد يشير إلى عدم التوازن باعتبار أن ميزان القوى من الناحية العملية هو الذي فرض مثل هذا التوزيع .

إلاّ أن أصحاب هذا الرأي الأخير، والحديث لحبيب، يشيرون عن حق إلى أن اتفاقيات السلام تتسم عادة بالثبات، إلاّ أن العرف الدولي والسوابق التاريخية تشير إلى أن المستجدات المهمة والخطرة تستلزم إعادة النظر بالاتفاقيات السابقة وتعديلها وفقاً لمتغيرات ميزان القوى، وفي المثال المصري- الإسرائيلي، هناك انهيار للدولة الليبية، الأمر الذي أدى إلى توسيع عمليات تهريب السلاح إلى مصر وخاصة إلى سيناء، إضافة إلى ضعف الوجود الأمني المصري في سيناء بتأثيرات ونتائج ثورة 25 يناير، فضلاً عن سيطرة حماس على قطاع غزة وتأثير ذلك في الأمن القومي المصري خاصة في شبه جزيرة سيناء، يضاف إلى ذلك، الملف النووي الإيراني الذي تعدّه إسرائيل تهديداً لوجودها، الأمر الذي يفرض متغيرات على ميزان القوى الذي يفرض بدوره إعادة النظر باتفاقية كامب ديفيد بعد ثلاثين عاماً من التوقيع عليها .

وخلافاً للآراء الداعية إلى مؤتمر دولي لإعادة النظر باتفاقية كامب ديفيد، تطرح بعض الأوساط معارضتها لهذه الآراء، باعتبار أن مؤتمراً دولياً سيفتح المجال أمام التدخل الدولي في شؤون مصر الداخلية، خاصة أن هناك دعوات خارجية تطالب بإرسال قوات سلام دولية تنتشر على الحدود المصرية الإسرائيلية داخل سيناء لحماية الحدود من الهجمات على إسرائيل، الأمر الذي يهدد السيادة المصرية في الصميم، وعوضاً عن مؤتمر دولي، يقترح أصحاب هذا الرأي الاتصال بالجانب الإسرائيلي وبدعم أمريكي من أجل مباحثات ثنائية تُفضي إلى تعديل بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد، خاصة تلك المتعلقة بالملحق الأمني المتعلق بإعداد وتسليح القوات المسلحة المصرية في سيناء .

وليس من المرجّح أن تستسلم إسرائيل بسهولة لإعادة النظر باتفاقية كامب ديفيد، رغم مصلحتها في تعديل بعض بنودها حفاظاً على أمنها، ذلك أن تل أبيب تدرك بدورها هشاشة الوضع الأمني في سيناء بالنسبة إلى الأمن القومي المصري، وأظهرت العملية الإرهابية الأخيرة في سيناء، مدى الدور الذي تلعبه إسرائيل في هذا السياق، يضاف إلى ذلك أن فترة عدم الاستقرار الحالية في مصر من جراء تداعيات ثورة 25 يناير، ووصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، لا تخول لحكام مصر الجدد اتخاذ خطوات جدية قد تعارضها الولايات المتحدة في ظل صراع الجمهوريين والديمقراطيين للوصول إلى البيت الأبيض، الأمر الذي يفرض على رئاسة باراك أوباما، أن تأخذ بالاعتبار أكثر من أي وقت مضى المصالح الإسرائيلية، وإشارة بعض أركان البيت الأبيض، والمستشار السياسي السابق للرئيس الأمريكي دينس روس، إلى أن على مصر ألا تعبث باتفاقية كامب ديفيد، وأن ذلك قد يؤدي إلى وقف المساعدات الحالية الأمريكية إلى مصر، إشارة واضحة للدور الأمريكي المتوقع في هذا المجال .