نحن نتطلع إلى أعمال فنان نجح في تحويل رسومه إلى أسرار مثل أسرار بلاده الهند، لذلك علينا أن نتأمل كل عمل فني بدلاً من أن نشاهده بسرعة هكذا قال بابلوبيكاسو بعد زيارته لمعرض الفنان الهندي مقبول فايد حسين في باريس سنة 1960.

أما الشاعر لويس أراغون فقد قال: إنني أرى أمامي رجلاً يشبه غاندي. يرسم بفرشاة خاصة حيث تتوالد من هذه الفرشاة أشكال تختصر معنى الوجود.

ومنذ أوائل الأربعينات كان الفنان الهندي الكبير (مقبول فايد حسين) على تواصل مع الحداثة الأوروبية. بل أن مركزه المبكر كبروفيسور في آكاديمية بومباي للرسم والفن، سوف يدفعه أكثر مما كان يتوقع لأن يقيم دراسات مقارنة بين الفنون الهندية السائدة في النصف الأول من القرن العشرين. والفن الأوروبي الطالع بمدارسه المتنوعة الكثيرة من أتون الحرب العالمية الثانية.

لقد كان الفنان حسين هو الفنان الأقرب إلى روح التقاليد الفنية الهندية. وذلك بالقياس إلى الفنانة المجايلة له (إمرايتا شيرجل، أو بعض أقطاب مدرسة فاغور الرمزية التي سيطرت على الفن الهندي الحديث منذ مطلع القرن العشرين في بلاد البنغال.

لكنه رغم ذلك لم يكن فناناً تقليدياً. بل هو الفنان الذي أوجد مفاتيح جديدة وإضافية لإقفال الفن الهندي، الذي حمل وزر تاريخ إبداعي قل مثيله. فنحن إزاء أمة تعتقد كل الاعتقاد بشهودية الحضور الصوري سواء عبر التقمص أو التناسخ أو الإيمان بالتحولات الفكرية التي صارت بصرية لأسطورة الآلهة المتجمعة بصورة واحدة وليست موحدة.

إن فناً يستمد موضوعاته من المعتقد التجريدي للديانة الهندوسية أو البوذية لا بد أن يمارس أعقد إيقاعات الترميز. وأن يكون المدى الفكري واسعاً ومتوالداً من الداخل بحيث ينتقل ما هو حسي إلى روحي. لذلك يتحول الملمس للمنحوتة الهندية الدينية إلى شرقطة كهربائية ينخطف من جرائها المتلمس. كما ينفعل بها المتلقي إذا كانت مساحة تصويرية لا نحتية.

جاءت مدرسة طاغور الهندية للرسم. لكي تمزج بين الحداثة العالمية والموروث الهندي. وربما نجحت نسبياً. لكن النجاح الأكبر كان لرعيل متجانس قوامه إمرايتا شيرجل. وجورج كيت. ومقبول فايد حسين.

فقد عملت الأولى على إدخال المناخ الأوروبي إلى اللوحة الهندية. بسبب كونها من أوائل الهنديات اللواتي درسن الفن في باريس ونقلن مرحلة ما بعد الانطباعية وبداية التعبيرية الحديثة إلى اللوحة الهندية. أما جورج كيت فهو البريطاني الهندي المولود في سيرلانكا. والذي نجح في الارتقاء بالبناء التعبيري إلى مستوى من التأليف الدرامي للشكل الإنسي الذي اختصره في حركات انسيابية نادرة مع ألوان امتازت بقدر من الشفافية والتداخل.

إن كل لوحة من لوحات هذا الفنان الذي اندمج كل الاندماج بالروح الهندية، هي أيقونة مستقلة بذاتها. تحكي عن علاقة إنسانية عناصرها الأساسية من النساء وموضوعاتها ترتقي إلى مستوى الروح.

أما الفنان الكبير مقبول فايد حسين، المولود في نهاية العقد الأول من القرن العشرين في بومباي من أبوين مسلمين، وعائلة متوسطة لكنها امتازت بعمق إيمانها وسماحها الروحي، فهو الفنان الذي اكتشف موهبته قبل أن يذهب إلى أكاديمية الرسم. فقد كان رسام بورتريت من طراز جيد، وقد عايش عوالم الرسم في مدينته بومباي وفي دلهي وفي العديد من المدن الهندية التي زارها. لكنه بدأ يراجع ذاته بشكل نقدي حاد، حيث اكتشف بأن ما يقدمه عبر البورتريت هو عمل محايد للغاية. وإن الرسم ليس عملاً حيادياً، بل هو انحياز حقيقي إلى عملية الكشف من طلاسم الأشكال. فكل شكل نراه لا بد وأن نبحث عن الجانب المخفي من تكوينه أو ما وراء تكوينه. لأن الشكل قناع. ومتى نزعنا القناع سنرى الوجه الحقيقي، من الذي يؤكد أن هذا الوجه ليس سوى طبقة اخرى من طبقات الأقنعة؟ لهذا السبب ألغى الشكل من الشكل. بمعنى أنه قدم لوناً وحركة. ومن خلالهما استطاع أن يمنحنا المحتوى الفكري للشكل المفضوح. ولهذا قال عنه (بيكاسو) بأن لوحته هي سر من أسرار بلاد الهند. ربما سعى (حسين) ليلمس أحد مفاتيح هذا السر، وربما أراد أن يدفعنا لأن نكتشف كلمة السر في مسطحه التصويري.

إذن خارج التقاليد سنقف أمام الفنان المجدد خارج التقاليد الهندية. لكن هل اكتشف التجديد بمواضيعه ونماذجه المعاصرة؟ الحقيقة أن الجواب لا يكمن في الموضوع. لكنه حتماً يكمن في البساطة الذكية والصعبة في آن واحد، إنه فن بسيط وصعب بل مستحيل في كثير من الأحيان. لأن الخط الذي يرسمه فوق اللون الذي يشتغله كبقعة تبدو عفوية أول الأمر. ثم تتحول بعد الخط الذي يوضع فوقها إلى مساحة أساسية يندمج في أديمها الشكل المسستجد.

فعندما يرسم (حسين) حصاناً تمتطيه أمرأة عارية. نراه يصل إلى مستوى من المقدرة على تحويل الحصان عبر خطوط بسيطة إلى طاقة شبقة تندمج وتتحد عبر الحركة بالجسد الأنثوي، لدرجة أن المتلقي لم يعد يقف أمام صورة حصان يركض، بل إنه يسمع صهيل الروح في الحيوان المتأنسن.

أما الشجرة التي يرسمها كحضور شبحي أمام بشر بهيئة أشكال أثيرية، فإنه يحولها إلى خطوط تشير إلى روح الشجرة وليس إلى شكلها. إنها حالة التفاعل الأثيري بين شكلين أحدهما أنسي والآخر نباتي. (ومقبول فايد حسين) شخصياً هو نباتي متصوف، يؤمن بأن الإنسان في أغلب تكوينه ينتمي إلى الماهية الأثيرية الشفافة، لذلك فهو يتحد بسرعة مع النبات لأن الشكل الحياتي الذي يعيش بكلية وجوده على الطاقة الضوئية.

وعندما يرسم لوحته الشهيرة التي اقتنيت من قبل أحد كبار متاحف العالم، والتي حملت عنوان دكتور (نارايانا مينونز) وعائلته. حيث يعزف الدكتور على آلة عزف هندية وهو محاط بزوجته وابنته، فإنه أراد هنا أن يخترع من المساحات اللونية المائلة إلى العتمة فسحات ترتاح فيها التكوينات الأنسية، لكنه سيذهب في صورة الدكتور العازف إلى المستوى الميلودرامي الصوتي بحيث يغيب الشكل عن قصد مركزاً على اليد التي تعزف والثقل اللوني المشير إلى الهدوء.

إن أجمل ما يرصده الفنان هو حركة البشر وصمتهم الذي لا نستطيع إلا أن نحترمه. لكنه كثقل لوني لا يتركز على الأشكال البشرية فقط، بل سيبدو جلياً في تثاقل حركة الحيوان المصاحب للمجموع، وربما يشير إلى ذلك برسم كتلة ثقيلة مفاجئة يرفعها إلى أعلى مستويات المسطح التصويري.

إن هذا الأسلوب الذي يمارسه في الرسم والتشكيل هو أقرب إلى (طقس) روحي يؤديه الفنان. وقد حضرت شخصياً عملية رسم له أمام الجمهور سنة 1973 في بيروت، حين حل ضيفاً على الزعيم الوطني اللبناني الراحل كمال جنبلاط.

فقد عمد (حسين) إلى تحضير ألوانه من مخلوط البودرة اللونية بالماء وتوزيعها على أوعية من أغلفة جوز الهند، ثم بدأ يرسم برشاقة خيوله وأشكاله الإنسية وكذلك أعاد رسم رائعته التي تحمل إسم (كالا دوباتا).

إن هذا الفنان الهندي الكبير، إذ يتم تكريمه اليوم في ثلاث مدن كبرى دفعة واحدة، هي زوريخ وهونج كونج وبراغ فإننا نأمل أن يتم المسعى من قبل متحف الشارقة لكي تعرض بعض لوحاته في المتحف. وذلك عبر الاتصال مع وزارة الثقافة في الحكومة المحلية في بومباي في الهند.