مكة المكرمة قبل البعثة النبوية

في ظلال الإسلام
02:24 صباحا
قراءة 4 دقائق
أ .د . قصي الحسين

كانت بلاد الحجاز تتمتع بالاستقلال لعصور طويلة قبل البعثة النبوية، فلم يعبث بحريتها الفاتحون من الفرس والروم . وحين تقدم الاسكندر المقدوني باتجاه الشرق، صده العرب ودفعوه بعيداً عنهم، فكانت غارته على "دارا" ملك الفرس .
وعرف العرب وهم مادة الإسلام، بطبائعهم الخاصة بهم، إن من حيث العرافة والأصالة أو من حيث الشرف والإباء، أو من حيث الحفاظ على كرامتهم ورفع الضيم عن نفوسهم، وتمسكهم بتقاليد عريقة في حفظ الجوار وعدم استباحة الحرمات والتمسك بتقاليدهم الروحية والدينية أشد التمسك .
وكان لبلاد العرب دين واحد وعقيدة مشتركة مركزها مكة . وهي قرية تأسست كما يذكر المؤرخون حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي، في وادٍ ضيق، طويل مجدب، على مقربة من بئر زمزم، وهي لا تبعد عن جدة الواقعة على ساحل البحر الأحمر أكثر من 45 ميلاً .
ويذكر المؤرخون أن أول من سكن مكة هم: العمالقة . ثم خلفتهم قبيلة جرهم الثانية . وفي عهدهم نزلها سيدنا إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل . وفي كتب المصادر العربية ومن بينها القرآن الكريم، أن إبراهيم كان يزور ولده إسماعيل من حين لآخر، وأن اللّه أمره ببناء الكعبة، أي البيت الحرام . وأن إبراهيم كان يبني واسماعيل يرفع له الحجارة، حتى أتما بناء البيت . يقول تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم"، (البقرة: 127) .

سيادة قريش

اشتهرت الكعبة ولا سيما بعد أن آمن اللّه إبراهيم عليه السلام بقوله: "وأذن في الناس بالحج، يأتوك رجالاً، وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق"، (الحج: 27) . وظلت ولاية البيت في جرهم حتى انتزعها منهم خزاعة وبنو حارثة بمساعدة كنانة . وظلت خزاعة على ولاية البيت نحواً من ثلاثمئية عام، حتى نهضت قريش وهم من ولد كنانة . ويرجع نسبهم إلى عدنان وينتهي إلى إسماعيل . وفي حديث أورده مسلم في صحيحه: "اختار اللّه من إسماعيل كنانة، واختار قريشاً من كنانة، واختار بني هاشم من قريش، واختارني من بني هاشم . فأنا خيار من خيار" . وفي زمن "قصي" الجد الرابع للرسول صلى الله عليه وسلم، بسطت قريش سيادتها على البيت بعد أن انتزعته من خزاعة، وأصبح لها حكومة، بعد أن جمع شتات القرشيين ووحد كلمتهم . وصار قصي الرئيس الديني للبيت الحرام، فوفد عليه العرب . وجمع في شخصه رياسة دار الندوة ورياسة اللواء ورياسة الحجابة للبيت ورياسة رفادة الحجاج وسقايتهم .
ثم تولى عبد مناف بن قصي الرفادة والسقاية، ومن بعده ابنه هاشم، ثم ابنه عبد المطلب، ثم ابنه أبو طالب، ثم أخوه العباس حيث ظهر الإسلام في عصره . ونهض البيت الحرام في مكة وأصبح قبلة الحجاج منذ ذلك التاريخ . وتوثقت الروابط بين القبائل التي كانت تؤم البيت، وأصبحت مكة مقصد الحجاج والتجار، بعدما أصبحت قريش تمسك بالتجارة أيضاً وتسير القوافل في الشتاء والصيف . يقول تعالى: "لإيلاف قريش . إيلافهم رحلة الشتاء والصيف . فليعبدوا رب هذا البيت . الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، (قريش: 1-4) .

سوق عكاظ

واتصل نمو العرب الروحي قبل الإسلام بالنمو التجاري، ونشأت سوق عكاظ قبالة البيت . وذلك لأن الحج إلى البيت كان يحدث حركة تجارية نشطة، وامتنع الناس في الأشهر الحرم عن إيذاء بعضهم، ما كان يوفر الأمن في موسم الحج، ويحدث نشاطاً دينياً واقتصادياً قوياً . إذ كان موعد انعقاد سوق عكاظ قبل تأدية الحج . وفي الروايات التاريخية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، كان يذهب مع عمه العباس إلى عكاظ، ليريه العباس منازل الأحياء . وهناك اجتمع بكندة وهي قبيلة من اليمن قصدت مكة في الموسم .
ويقول الأزرقي في "تاريخ مكة": فإذا كان الحج، خرج الناس إلى مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة، فيقيمون به عشرين ليلة . ثم ينصرفون إلى مجنة فيقيمون فيها عشراً . "فإذا رأوا هلال ذي الحجة، انصرفوا إلى ذي المجاز ثم إلى عرفة . وكانت قريش وغيرها من العرب تقول: لا تحضروا سوق عكاظ والمجنة وذي المجاز إلاّ محرمين بالحج . وكانوا يعظمون أن يأتوا شيئاً من المحارم أو يعدو بعضهم على بعض في الأشهر الحرم، وفي الحرم" (ص 350) .
وحول البيت وفي سوق عكاظ، كانت تقوى ملة سيدنا إبراهيم الموحد للّه تعالى، قبل البعثة النبوية الشريفة . وفي القرآن الكريم ما يخبر بذلك . إذ دعا إبراهيم وإسماعيل اللّه تعالى أن يجعلهما مسلمين وأن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة . وأن يبعث في هذه الأمة رسولاً منها يبلغها رسالة اللّه سبحانه . يقول تعالى: "ربنا واجعلنا مسلمين لك . ومن ذريتنا أمة مسلمة لك . وأرنا مناسكنا وتب علينا . إنك أنت التواب الرحيم"، (البقرة: 128) . ويقول تعالى: "ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . إنك أنت العزيز الحكيم"، (البقرة: 129) .
ويشهد القرآن الكريم بأن تسمية ملة إبراهيم بالمسلمين، كانت قبل البعثة، وكانت من وضع إبراهيم "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين"، (الحج: 78) وكذلك يشهد القرآن الكريم بأن الإسلام الذي جاء به النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إنما كان امتداداً لملة إبراهيم . حيث يقول تعالى مخاطباً النبي: "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين" النحل : 123) وأيضاً: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم، ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين"، (الأنعام: 161) . وكذلك يقول تعالى: "ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه للّه وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ اللّه إبراهيم خليلاً"، (النساء: 125) .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"