تقع مدينة كلباء في أقصى شرق دولة الإمارات العربية المتحدة، على خط الحدود الفاصل بين دولة الإمارات وسلطنة عمان، وهي تطل على ساحل عمان، فيما يشبه تماماً حرف الباء، ومن هنا جاءت التسمية كالباء أي مثل الباء أو شبيهة بها، وخففت مع الأيام إلى كلباء، وكلباء مدينة قديمة تاريخياً، حيث دلت المكتشفات الأثرية على ذلك، كما أن العديد من المؤرخين والرحالة ذكروها في كتبهم وخرائطهم الخاصة بمنطقة الجزيرة العربية، وتتمتع المدينة بمواقع أثرية جميلة، منها حصن كلباء الأثري وحصن الغيل وحصن خور كلباء، وتعتبر من أهم مدن الشارقة وأكثرها جمالاً وهدوءاً، وهي عبارة عن سهل ساحلي منبسط، تحيط به الجبال على طول الساحل، وتبلغ مساحتها حولي 66 كيلومتراً مربعاً، وتنقسم إلى مناطق عدة هي سور كلباء، الطريف، الغيل، وخور كلباء ووادي الحلو . واستطاعت خلال فترة وجيزة أن تقطع أشواطاً في إعادة رسم خريطتها السياحية بما يتناسب والطفرة الهائلة التي تشهدها البلاد في هذا القطاع، ليقضي الزوار أجمل الأوقات بين ربوع المنطقة الطبيعية الساحرة .
من المعالم الرائعة في كلباء محمية القرم في منطقة خور كلباء، والتي تعد من المحميات الطبيعية الأكثر محافظة على التوازن البيئي وحماية كائنات عدة من خطر الانقراض، وتبلغ مساحتها 1230 هكتاراً، وتتميز بكثافة أشجار القرم، وتنوع الكائنات البحرية، وتعتبر الملجأ لأنواع مختلفة من الطيور والسلاحف، وبعض الحيوانات المهددة بالانقراض . وأشار أحمد جمعة الهورة مدير بلدية كلباء إلى أن المحمية تعتبر المكان المفضل لبعض أنواع الكائنات البحرية مثل السرطانات وأسماك الكابوريا، وبعض الطيور كطائر مالك الحزين، وعصفور (هيبولايس الروسي) الذي يفضل بناء أعشاشه في خور كلباء على غيره من المناطق .
ويضيف: من العلامات المميزة لمحمية القرم وجود نسب كثيفة من أشجار القرم، وتمتد هذه الغابات ما يقرب من ألف هكتار على شواطئ خليج عمان، وتتميز الأشجار بندرتها، وتتراوح أعمار بعضها بين قرن و150 عاماً .
وأكد أن بيئة القرم من البيئات الأكثر ندرة، وتتميز بوجود أكثر من نظام بيئي، فنرى على الشواطئ السرطانات البحرية النادرة، وطائر مالك الحزين وبعض أنواع السحالي والأسماك النادرة وجميع هذه الكائنات تتكيف وتعيش ضمن بيئة المحمية .
البحيرة الاصطناعية والكورنيش
وتحتوي مدينة كلباء على معلم سياحي ضخم بذلت فيه حكومة الشارقة جهوداً كبيرة وهو مشروع بحيرة كلباء الاصطناعية ذات الشكل الجمالي والوجهة الحضارية المشرفة للمدينة، وتقع البحيرة في موقع فريد من المدينة، إذ تجاورها من ناحية الغرب قلعة الغيل، ومن جهة الشمال قلعة خور كلباء والقلعتان امتداد لحصن كلباء الذي يتوسط المدينة . وتبلغ الطاقة الاستيعابية للبحيرة من المياه أكثر من مليوني متر مكعب، إلى ذلك أنشأت دائرة البلدية شبكة من الطرق في نطاق البحيرة تحدها من ثلاثة اتجاهات لتسهيل حركة المرور، وأقيمت حارة ثالثة للطريق الرئيسي المار بمحاذاة البحيرة والذي أطلق عليه كورنيش بحيرة كلباء، إلى جانب طرق الخدمة على جانب طريق الكورنيش، فضلاً عن الطريق المزدوج الجيد من الجهة الشمالية والمزود بطرق خدمة من دون ممرات مشاة . وتعتبر البحيرة متنفساً ترويحياً جيداً للعائلات والسياح الراغبين في الاستجمام والاستمتاع بهدوء الطبيعة وسحرها .
ويعتبر الكورنيش من المرافق الحيوية السياحية للمدينة، حيث يقصده الأهل والأصدقاء للترويح عن أنفسهم، وتمتد المنطقة المزروعة من كورنيش كلباء من مدخل منطقة كلباء إلى مسافة 3 كيلومترات على طول ساحل كلباء، ويتميز الكورنيش بالمسطحات الخضراء التي تمتد لمساحات شاسعة تزينها أشجار النخيل المتناثرة في شكل هندسي رائع، والمجسمات التراثية التي تقع في الحديقة، بالإضافة إلى ألعاب الأطفال .
ويمتد شاطئ كلباء حوالي ستة كيلومترات من الرمال الداكنة، ويمارس عليه الأهالي الرياضات البسيطة كالجري وكرة القدم والكرة الطائرة، وأيضاً يعول الكثيرون من أهالي كلباء على الشاطئ في ممارسة مهنة الصيد بواسطة الشباك الكبيرة .
اللون الأخضر
وقد اهتمت الحكومة بزراعة المسطحات الخضراء في شوارع المدينة وبلغت مساحتها 134929 متراً، إضافة إلى إقامة الحدائق الجميلة في أنحاء الإمارة كافة . وتعتبر حديقة السدرة الخاصة بالنساء والأطفال متنفساً للأسر في مدن وقرى الساحل الشرقي، لما لها من الدور الكبير في تلطيف الأجواء خلال فترة الإجازات والأعياد . وتمتاز بخضرتها الطاغية وأشجارها الظليلة، كما تحتوي على الألعاب الترفيهية الكهربائية وقطار وحديقة حيوانات مصغرة، تضم الطيور والقرود والدواجن والغزلان والأرانب، إلى جانب كافتيريا للأكلات الخفيفة، وتشهد الحديقة إقبالاً كبيراً وتكون مكتظة بالزوار خلال العطلات والإجازات . وكذلك حديقة الكورنيش على امتداد الكورنيش، وحديقة البحيرة، وتكثر فيها زراعة أشجار الزينة، حيث بلغت 11540 شجرة و308 نخلات وبالقرب منها حديقة القرم، وتضم 28 شجرة . وحديقة حي سهيلة، وتحتوي على 45 شجرة وملعب لكرة القدم والكرة الطائرة وبعض الألعاب الشعبية المريحانه، كما تم الاهتمام بمنطقة وادي الحلو، حيث توجد فيها حديقتان، هما حديقة حي الحصين بمساحة 4050 متراً، وحي القليعي بمساحة 1650 متراً .
وتعتبر كلباء مصباً طبيعياً، بحكم أن أرضها سهلية للعديد من الأودية الطبيعية الرئيسية والفرعية بهذه المنطقة، مثل (وادي سام ووادي حام والسور ومي) حيث تتجمع المياه فوق الجبال وتسير رويداً رويداً إلى المناطق السهلية المنخفضة لتعتبر رافداً مهماً لدى المزارع، والفائض منها يصب في البحر مشكلاً دلتا تعتبر مصدراً مهماً لتربية وغذاء بعض الأسماك .
ومن معالم كلباء أيضاً مجمع الأسواق الحديث الذي تم بناؤه مؤخراً لتجميع حركة التجارة فيه، وقد صمم كنموذج مستوحى من تراث المنطقة بلونيه الأبيض والأزرق، ويجاوره ميناء كلباء .
حصون للحرب والسلم
ولمدينة كلباء جمالية خاصة من جهة مبانيها التراثية القديمة، حيث تتميز بوجود عدد كبير من القلاع والحصون القديمة ذات الأشكال المختلفة، الدائرية والمخروطية والمربعة، وقد أنشئت لأغراض عسكرية، ومن أشهر الحصون التي كان لها دور كبير في حماية المنطقة من المهاجمين الاستعماريين حصن كلباء الذي يعود تاريخه إلى فترة الاستعمار البرتغالي للمنطقة ويقع على شاطىء البحر، وحصن الغيل الذي يقع في ضاحية الغيل على قمة أحد الجبال في المنطقة، وحصن خور كلباء . وأشار عثمان بارود متقاعد إلى أن حصني كلباء والغيل أمر ببنائهما الشيخ سعيد بن حمد القاسمي لأغراض الحماية والمراقبة، وحصن خور كلباء بناه محمد مطر الزعابي . مؤكداً أن هذه الحصون تعتبر مواقع أثرية ومقصداً سياحياً لمئات الزائرين المتعطشين للاستمتاع بعبق الماضي الجميل، كونها تحتوي على العديد من المقتنيات التراثية كالخناجر وأنواع مختلفة من البنادق كالرومي والعماني والميرز وأم عشر .
ويقول محمد سالم القايدي موظف: كانت الحصون سابقاً أهم مركز دفاعي لحماية المدينة، والحصن كان يعتبر أيضاً قصراً لأن حاكم المدينة يعيش فيه ويتخذه مسكناً ويتحصن فيه، إذ لم تكن الحصون للحرب فقط بل للسلم أيضاً، وهناك إشارات كان يستخدمها الحراس في الحصون كإطلاق النيران من خلال البنادق المسماة محلياً التفق في الليل أو النهار، ومعناه أن هناك أمراً ما حدث أو سيحدث، فإذا أطلقوا طلقتين فمعناه أن هناك غارة على المدينة أو حريقاً، فهاتان الطلقتان تحذيريتان منذرتان بالسوء . أما إذا كانت ثلاث فهي مناسبة سعيدة، مثل رؤية هلال رمضان أو هلال شوال أو العيد الكبير أو وصول حاكم البلاد بعد غيبة . مشيراً إلى أنه لم تنته وظائف الحصون اليوم بعد التطور الحديث في المباني، فما زالت مستعملة كمتاحف أو مكاتب إدارية حكومية .
تراث وثقافة
ومن المباني التراثية بيت الشيخ سعيد بن حمد القاسمي ويقع مقابل حصن كلباء، مواجهاً لساحل الخليج الذي شهد صولات وجولات الأجداد، وموقع البيت وتخطيطه وما كتب على بابه من شعر جعله بمثابة نموذج للحفاظ على العادات والتقاليد الموروثة منذ زمن بعيد . ونظراً للأهمية التراثية والتاريخية للبيت فقد تم ترميمه بتقنية معمارية عالية، استخدمت فيها المواد الأولية كالحجر البحري والجص، وليصبح واحداً من المتاحف التراثية التي تحكي تاريخاً عريقاً لكل الأجيال والزائرين .
ومسجد سيف بن غانم الذي تم ترميمه في الفترة الأخير ليصبح أحد الرموز التراثية في مدينة كلباء .
ويوجد في كلباء ناديان رئيسيان، هما نادي اتحاد كلباء الرياضي الثقافي، والذي يضم العديد من المرافق الرياضية المهمة للشباب، ويعتبر النادي من الأندية الداعمة للأنشطة الصيفية والحريصة على استمرارها إيماناً منه بأهمية استغلال الوقت الأمثل في زيادة التحصيل العلمي والمعرفي والبدني لدى فئة الشباب . ونادي فتيات كلباء وهو يختص بالأنشطة الرياضية والاجتماعية الخاصة بالفتيات، ويعتبر أقدم ناد على مستوى دولة الإمارات .
وتهتم كلباء إلى جانب النواحي التراثية والجمالية بالثقافة، حيث تضم العديد من الأماكن الثقافية، مثل المركز الثقافي ومركز الناشئة ومركز الطفل وغيرها من الأماكن التي تقع على عاتقها مهمة إثراء ثقافة أهل كلباء، وقدمت كلباء العديد من المثقفين والشعراء والكتاب والمسؤولين .
كلباء قديماً
وعن الحياة في كلباء في الماضي يحدثنا راشد الزعابي متقاعد قائلاً: كانت معيشتنا في الماضي بسيطة وقاسية، اعتمدنا فيها على ركوب البحر لصيد الأسماك بأنواعها المختلفة، والرعي، وزراعة أشجار النخيل وبعض الخضراوات والفواكه، وجمع الحطب من المناطق المجاورة، وكان عدد بيوت كلباء قديماً قليلاً، منها الشتوي المبني من الحجارة والطين وسعف النخيل، ومنها الصيفي العريش المبني من سعف وجريد النخيل . وكان أهالي كلباء يلجأون في الصيف إلى إقامة مثل هذه البيوت بالقرب من الساحل .
وأشاد بالتطور الملحوظ الذي طرأ على منطقة كلباء، وتغير نمط الحياة فيها بفضل ما تلقاه من اهتمام من الدولة والحكومة . مؤكداً أن الاهتمام بمدينة كلباء جعلها منطقة سياحية وتاريخية معروفة على مستوى الدولة وخارجها .
ويشير عادل الزعابي إلى أن مدينة كلباء مقصد سياحي للزوار من جميع أنحاء الدولة وخارجها . ويقول: تعتبر كلباء إحدى أهم المناطق السياحية في الإمارات بفضل طبيعتها الخلابة وآثارها وموقعها، وتوجد في المنطقة العديد من المقومات السياحية التاريخية . مشيراً إلى متانة الصلات الاجتماعية التي تربط بين الأهالي في المنطقة منذ القدم، مؤكداً حرص الجميع على ترسيخ هذه الروابط في نفوس النشء .