من لم يسمع بالهيلي في مدينة العين وذلك القبر الدائري الذي يحمل على واجهته نقشاً لحيوانين متقابلين يعتقد أنهما من الفهود العربية اتخذته المدينة حديثاً شعاراً لها ورمزاً لهويتها حيث تزخر مدينة العين بالآثار التاريخية؟ وتعتبر مواقع العصر البرونزي في منطقة الهيلي والتي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد اكبر مجمع اثري موجود في دولة الإمارات من ذلك العصر وقد تم ضم بعض تلك المواقع إلى حديقة الآثار في الهيلي والتي تم تشييدها لإبراز آثار المنطقة وتسهيل زيارتها بينما بقي القسم الأكبر من تلك المواقع إضافة إلى مواقع أخرى من العصر الحديدي تعود إلى حوالي 1000 سنة قبل الميلاد .
مدفن الهيلي الكبير وهو من أضخم المدافن في الإمارات يبلغ قطره 12 متراً، وكان في الأصل يرتفع إلى أربعة أمتار أو أكثر، وقد تم تقسيمه إلى أربعة أقسام خصص كل واحد منها لعدد من الموتى، وبالرغم من أن المدفن كان في حالة رديئة حين تنقيبه، إلا أن الدليل المستنبط من مدافن أخرى من العصر نفسه في المنطقة يشير إلى أن مئات من الناس قد قبروا في المدفن الواحد عبر فترة من الزمن، ولهذا المدفن مدخلان تم تزيينهما ببعض النقوش، ففتحة المدخل الشمالي التي تم قطعها في صخرة واحدة كبيرة الحجم محاطة بنقوش تمثل ثلاثة مواضيع مختلفة هي منظر لرجل يركب حماراً يمشي خلفه رجل آخر يحمل بيمناه عصا وربما درعاً بيسراه وفي جهة اليمين يوجد رسم لشخصين متعانقين بينما زين المدخل من الأسفل بحيوانين متقابلين يفترسان غزالاً، أما المدخل الجنوبي فقد زين بزوجين من المها يقف بينهما شخصان وهو الشعار الذي بات يمثل العين الآن، وكان هذان المدخلان يغلقان بالحجارة غير المثبتة حيث يمكن إزالتها بسهولة كي يتمكن القوم من دفن موتاهم كلما دعت الحاجة . ويعتقد أن هذا المدفن قد ظل قيد الاستعمال لفترة تقدر بقرنين أو ثلاثة قبل أكثر من 4000 عام مضت، وعلى مسافة ليست ببعيدة عن مدفن الهيلي الكبير يوجد مدفن جماعي آخر بني فوق مستوى سطح الأرض كان هو الآخر قد تعرض للتخريب عبر العصور .
هيلي 1
يصفه الآثاريون بأكبر مجمّع أثري للعصر البرونزي في دولة الإمارات يعود تاريخه إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد توجد فيه بقايا أثرية عديدة كآثار المستوطنات السكنية والمدافن والأفلاج التي تعود إلى العصر الحديدي - في منطقة محمية خارج الحديقة . كان موقع (هيلي 1) - الكائن بجانب مدفن هيلي الكبير داخل الحديقة - عبارة عن برج عالٍ يرتفع عدة أمتار فوق سطح الأرض . وقد تم اكتشافه في السيتينات من القرن الماضي من قبل علماء آثار من الدنمارك، حيث كان الموقع محاطاً بسور دائري سميك يضم عدة غرف وبئر في الوسط . أما اليوم، فلم يبق من هذا المبنى سوى أساسياته، لكنْ، هناك مبان أخرى تم العثور عليها في حالة جيدة خارج السور الدائري . وفي بدايات التسعينيات من القرن الماضي، تم اكتشاف آثار مبنى مماثل يُعرف بهيلي 10 بالقرب من المدخل الرئيسي للحديقة من قبل دائرة الآثار والسياحة سابقاً، التابعة حالياً لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث ويضم المبنى بئراً مركزية وهو مشيّد من الطوب الطيني على غرار موقع هيلي 1 . أما السور الدائري الذي يبلغ عرضه ثلاثة أمتار، فيدّل على أن المبنى كان قلعة محصنة، ربما استخدمت لمراقبة طرق القوافل التجارية التي تعبر المنطقة .
وأدت حفريات قام بها فريق فرنسي إلى اكتشاف مبنى ثالث بتصميم مماثل خارج الركن الجنوبي - الغربي لسور الحديقة يعود تاريخه إلى 2000 قبل الميلاد حيث كان سكان جنوب شرق الجزيرة العربية يعيشون في بيوت من الطوب الطيني، وكانوا يدفنون موتاهم في مدافن جماعية مبنية من الحجر، حيث نجد هذا النوع من المدافن في العديد من المواقع الأثرية في الإمارات، لكن أهمها موجود في منطقة هيلي . وتوجد في هيلي ثلاثة مدافن من هذا النوع داخل الحديقة والعديد منها خارجها .
المدفن الرئيس
ويحتوي المدفن الرئيسي على أربعة غرف داخلية كل واحدة منها مخصصة لدفن عدد محدد من الموتى، رغم أن الحفريات أظهرت تعرّض الموقع لدمار كبير في الماضي . كما تدّل قبور جماعية أخرى تعود إلى الفترة نفسها على دفن المئات من الموتى هناك منذ زمن بعيد . ويوجد على المدخلين المؤديين إلى المدفن زخرفة منحوتة، حيث تم حفر المدخل الشمالي في حجر ضخم مزخرف بثلاثة رسوم: الأول في أعلى الفتحة يمثل رجلاً يركب دابة وآخر يمشي خلفه، وفي اليمين نرى شخصين متعانقين، وفي أسفل الفتحة نرى حيوانين متقابلين (ربما الفهد العربي) يلتهمان غزالاً صغيراً أو بقراً وحشياً . أما الزخرفة الموجودة على المدخل الجنوبي فهي عبارة عن زوج من البقر الوحشي وشخصين واقفين بينهما . وفي الأصل، تم سد كلا المدخلين بحجارة تسهل إزالتها لإعادة استعمال المدفن الذي بقي مستخدماً لمائتي أو ثلاثمائة سنة على الأرجح . وفي مكان ليس بعيداً عن المدفن الكبير، تم اكتشاف قبر آخر دائري الشكل وتعرض للنبش وقد تم ترميمه حسب تصميمه الأصلي . وتبين أن الموقع يحتوي على ست غرف يتخللها حائط يقّسم المدفن إلى نصفين، حيث تم تقسيم كل نصف بحائطين صغيرين متوازيين ومتعامدين نحو الحائط الرئيسي . وقبل ترميم المبنى، كانت معظم الأحجار الأصلية مفقودة . ونظراً للعثور على المدفن فارغاً، فإن علماء الآثار يعتقدون أنه ربما تم نقل الهياكل التي دُفنت في الأصل هنا إلى مدفن قريب (مدفن ن) الذي عُثر فيه على العديد من العظام الآدمية المبعثرة . وقد تم تصوير الرسوم المنقوشة على بوابتي مدفن هيلي الموجود في وسط متنزه الآثار في هيلي بحجم يوازي نصف حجمها الأصلي . وهذا المتنزه يستحق الزيارة حيث يوجد فيه عدد من مواقع الآثار، وفي الحقيقة أن هذا المدفن هو واحد من مدافن كثيرة تعود إلى العصر البرونزي موجودة داخل وخارج المتنزه ويعتبر من أهم المعالم الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة وقد استخدمت فيه أحجار ضخمة زين البعض منها برسوم بارزة . وعلى المدخل الشمالي لهذا المدفن تم نقش رسوم آدمية وحيوانية، منها رسم لشخصين يعانق أحدهما الآخر، بينما يشاهد شخص ثالث وهو يركب حماراً يسير خلفه شخص يمسك بما يشبه العصا . وفي أسفل هذا المدخل كذلك تم نقش حيوانين كبيرين ربما يمثلان نمرين أو لبوتين بينها غزال صغير . أما المدخل الجنوبي فهو مزين برسمين متقابلين لغزال المها بينهما يقف شخصان يمسك كل منهما بيد الآخر .
موقع غناضة
لقد كشفت أعمال المسح والتحري عن المواقع الأثرية عن مواقع جديدة تعود إلى عصر أم النار والتي كانت محصورة من قبل في منطقتي هيلي وجزيرة أم النار فقط . ومن تلك المواقع موقع غناضة الذي يقع بين مدينتي أبو ظبي ودبي حيث تم اكتشاف مستوطنة كان أهلها يمارسون الصيد البحري بالدرجة الأولى . ومنذ ذلك الحين بدأت أدلة أخرى تشير إلى امتداد تلك الحضارة بالظهور في أماكن والتي أخرى من أرض الإمارات، ففي عام 1986 تم اكتشاف مدفنين في منطقة المويهات في عجمان تم تنقيبها من قبل فريق من إدارة الآثار والسياحة بالعين، ولذلك فإن متحف العين يعرض بعضاً من مكتشفات هذين المدفنين في حين يعرض متحف عجمان الباقي . والمدفن الأول دائري الشكل تم بناؤه فوق سطح الأرض بينما المدفن الثاني مستطيل بطول أربعة أمتار وعرض مترين اكتشفت فيه بقايا 120 هيكلاً عظمياً تم تنقيبها بالكامل . ونظراً لعدم العثور على بقايا للعظام في المدفن الأول (الدائري) يعتقد بأنه قد أخلي من موتاه ليعاد استعماله من جديد .
لقد كنا فسرنا غياب العظام في المدفن الدائري المجاور ل المدفن ن الموجود في حديقة هيلي، وهي حالة مشابهة لما اكتشف في عجمان، على أنه مدفن أخليت عظامه عمداً من أجل إعادة استخدامه من جديد ولكن أعمال التنقيب الأخيرة التي يقوم بها عدد من المتخصصين بعلم الإنسان في المدفن الأخير تجعلنا أن نعيد النظر بهذا الرأي، حيث تبين أن بعضاً من عظام الهياكل لا تزال مرتبطة ببعضها بعضاً، مما يشير إلى أن بعض الموتى على الأقل قد قبروا في هذا المدفن بعد الموت مباشرة ولم يمروا بالمدفن المجاور .
مستوطنة البدية
وإضافة إلى المواقع المذكورة فقد تم اكتشاف مستوطنة سكنية في قرية البدية الكائنة شمال مدينة الفجيرة . وبالرغم من عدم وجود آثار معروضة من هذه المستوطنة في متحف العين الوطني لا بد من الإشارة إليها باعتبارها أول دليل على اكتشاف آثار لتلك الحضارة في المنطقة الشرقية من دولة الإمارات . ولقد قادت عملية التنقيب التي أجرتها إدارة الآثار والسياحة هناك على اكتشاف أسس لبناية دائرية تذكّر ببناية هيلي 8 . وقد أنشئ الجدار الخارجي لبناية البدية وهو جدار مزدوج بالحجر بينما تدل بقايا الجدران الداخلية على أنها كانت مبنية من اللبن والطين .
من الناحية المعمارية تعتبر مستوطنة الهيلي والتي تبعد 12 كيلومتراً عن متحف العين الوطني من أقدم المستوطنات السكنية المعروفة في دولة الإمارات العربية المتحدة حتى الآن ويرمز إليها بهيلي 8 . وهذا الموقع تشغله بناية دائرية تتوسطها بئر للماء وهي محاطة بخندق دفاعي . وسكان هذه المستوطنة كانوا يتاجرون بمعدن النحاس ويشتغلون في الزراعة حيث عرفت حياتهم المستقرة زراعة الحنطة والشعير إضافة إلى زراعة النخيل .
ومن خلال عمليات التنقيب تم العثور على بعض الصناعات الفخاريّة والخزفية المزخرفة . حيث وجد المنقبون بعض الأوعية والأواني المحلية الصنع مزيّنة بشكل مموّج حول الجزء العلوي منها، هذا بالإضافة إلى بعض الأوعية والأواني الفخارية المستوردة من إيران التي كانت موجودة ضمن المكتشفات .
عقيق ونحاس
في متحف العين يعرض الكثير من مقتنيات مدافن الهيلي ومنها خناجر برونزية، بالإضافة إلى صناعات فخارية أخرى وقلادات من العقيق الأحمر كانت تستخدم في تزيين صدور النّساء والأطفال . ومن خلال دراسة بعض الخناجر المصنوعة من النّحاس استنتج الفريق أنّ النحاس كان يصهر ويتم تعدينه محليا، أمّا العقيق الأحمر فقد كان يستورد من شبه القارة التي كانت تتوافر فيها المواد الخام . وأحد الأدلّة على تصنيع النحاس محليّاً هو وجود أراضٍ محتوية على النّحاس الذي كان يغطي بعض أراضي الإمارات وعمان . وفكرة الاتّجاه لهذه الصناعات السالفة الذكر ظهرت في الألف الثّاني والثالث قبل الميلاد، حيث كان معظمها قد جلب من قبور هيلي .
في الجانب الأيمن من هذه القبور يستطيع الزائر أن يرى تجمعات كبيرة من الأوعية الحجرية، التي صنعت من حجر الكلورايت وهو نوع من أنواع أحجار الصابون .
حالياً تسعى دولة الإمارات إلى تحديد سبل ووسائل زيادة عدد المواقع التراثية والطبيعية المدرجة على قائمة التراث العالمي والموجودة في الدول العربية حيث تسعى إلى تسجيل منطقتي الهيلي وجبل حفيت ضمن قائمة المواقع الأثرية والطبيعية المهمة في اليونسكو وحمايتهما كتاريخ وإرث حضاري عالمي، فيما سيتم الإعلان عن استراتيجية الحفاظ على تراث إمارة أبوظبي الثقافي والتي تم إعدادها من قبل هيئة أبوظبي للسياحة بالتعاون مع اليونسكو نظراً لأهمية منطقة الهيلي كموقع اثري متميز حيث هناك عدة مواقع أثرية مهمة يعود تاريخ التنقيب فيها إلى الستينيات، فقد تم اكتشاف مبنى دائري من العصر البرونزي أي منذ حوالى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، كما تم اكتشاف بيوت سكنية في هذا الموقع تعود إلى العصر الحديدي (حوالي ألف سنة قبل الميلاد) وقد تم العثور على عدد كبير من القطع الأثرية مثل مواقد النار ذات الأحجام الكبيرة والصغيرة وبعض المصنوعات واللقى الأخرى، وتم كذلك اكتشاف أقدم فلج أثري في العالم في منطقة الهيلي .