احتضنت دبي بين 1 و6 فبراير/شباط الجاري الدورة العاشرة من ملتقى دبي للشعر الشعبي، وهو مهرجان شعري سنوي، ينظمه المكتب الإعلامي لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، بالتعاون مع دائرة السياحة والتسويق التجاري ضمن فعاليات مهرجان دبي للتسوق، بناء على توجيهات ورعاية مباشرة من سمو ولي العهد، وقد أعطى هذا الملتقى للتجربة

الشعريّة الشعبيّة في دولة الإمارات بشكل خاص ودول مجلس التعاون الخليجي عموماً، حافزاً قوياً للنمو والتطور بإفساحه المجال أمام التجارب الشعرية المختلفة ليحتك بعضها ببعض، وبتسليطه الضوء على تلك التجارب، حيث أتاح لها فرصة التواصل مع جمهور واسع من داخل الدولة ومن الدول الخليجية المجاورة، ممن يحملهم حب الكلمة الجميلة والصورة البديعة والإيقاع الآسر على السفر لحضور أمسيات الملتقى .

هذا الحدث الأدبي الكبير أكد عبر دوراته المتتالية، أن الشعر النبطي قد خطا خلال السنوات العشر الماضية خطوات واسعة نحو التطور والتجديد وظهرت فيه أصوات قوية، تمكنت من المزج ببراعة بين حداثة الصورة وأصالة الكلمة وإحكام الإيقاع، وقد دخله تيار التجديد، وارتقت القصيدة النبطية لتصل إلى أذواق العامة بعد الخاصة، وتملك عليهم أسماعهم بما حملته من نضج في الأدوات وعمق في التجربة، وباتت قادرة على الإبحار في كل الميادين حتى أضحت تجاري القصيدة الفصيحة، وذلك بما يمتلكه شعراؤها من وعي وخبرة بأعماق المجتمع الذي تنتج له، وقد واكب ملتقى دبي للشعر الشعبي ذلك التطور وأسهم فيه باختياره الدائم لشعراء متميزين لهم صيتهم وإبداعهم المشهود ولهم القدرة على هز المنابر وإثارة حماسة الجمهور، ما جعل الاشتراك فيه وساماً أدبياً يفتخر به الشعراء، وجعلهم يحسون بأنهم أمام تحد كبير ومنافسة قوية عليهم البروز فيها، فيستعدون لها بأجمل ما أنتجته قرائحهم، ويتخيرون ما سيقرأونه بعناية تامة، وقد انعكست تلك الأهمية في نوعية جمهور الأمسيات الذي لم يقتصر على الداخل، بحيث أصبح يضم مجموعات تأتي من الدول الخليجية المجاورة خصوصاً لمتابعة تلك الأمسيات، تلك المميزات جعلت من ملتقى دبي للشعر الشعبي في قمة المهرجانات الخليجية، والمنافسة للوصول إليه شديدة .

وخلال مسيرته الماضية احتفى الملتقى بمجموعة من الشعراء الإماراتيين الكبار الذين لهم بصمة مميزة وتأثير واضح في تاريخ الشعرية الإماراتية، مثل الشاعر الماجدي بن ظاهر، ومبارك بن حمد العقيلي، ومحمد بن زنيد السويدي، وحمد بن خليفة أبو شهاب الذي هو أحد آباء النهضة الأدبية عموما ونهضة الشعر الشعبي خصوصاً في الإمارات، وذلك لما أسداه للشعر الشعبي من خدمة بدأت ببرنامجه الشهير في تلفزيون دبي شعراء القبائل، ومحمد بن سوقات الفلاسي .

وعلى مدى دوراته المختلفة استقطب الملتقى أسماء لامعة في الشعر النبطي مثل ناصر الفراعنة، ويوسف العصيمي، ومحمد بن فطيس، ومحمد بن الذيب، ومحمد المر بالعبد، وضيدان بن قضعان، وسعد علوش، وهزاع الشريف تركي الميزاني، وعلي المري، ومحمد جار الله السهيلي، وعلي بن حمري، وسالم العرجاني، وسعيد بن طميشان وغيرهم .

دورة هذا العام 2011 حملت إضافة جديدة هي تكريم شاعر خليجي بتسميته ضيف الملتقى، وقد اختير الشاعر السعودي المخضرم عبدالله بن نايف بن عون ليكون أول ضيف على ملتقى دبي للشعر الشعبي، وابن عون هو أحد شعراء النبط المجيدين الذين لهم حضور على مستوى الخليج ظل لعقود عدة يجوّد أشعاره ويلقيها في المحافل العامة والخاصة، ويتلقى الدعوات للمهرجانات، وهو شاعر مطبوع يغلب على لغته صفاء البادية، قوي الأسلوب، نظم الشعر في كل الأغراض التقليدية من مدح وفخر وغزل ورثاء، وتوقف كثيراً في وصف الصقور التي أحبها، وشكّلت عنده رمز الجمال والقوة والسرعة، وكل صفات البطولة، إلى جانب نظمه للشعر الوطني والتوجيه الاجتماعي، وهو يستقي صوره الشعرية من البيئة التقليدية، يقول مخاطباً الطير ومتذكراً أياماً له في صحبته:

ياطير عقبي كن خاطرك شاين

خاطرك شين وغيبتي عنك يومين

النقص فيك مبينٍ له بواين

في لمعة الريشه وفي ناظر العين

ياطير انا وياك كنّا خداين

وبيني وبينك ولف ومعاملٍ زين

يوم نتخاوى مع وجيه الضعاين

ونهمل سبوقك في مناكب (خسيرين)

ولاّ شمال الهضبتين القراين

شرقي (طلال) ومن (سواحيق) ويمين

ولإ عطينا سكّة (التابلاين)

ولاقد عطيناها عليهن حراذين

نصبح على طارات شهب المكاين

بين (العراقيين) و(الأردنيين)

في خايعٍ به كنّ عيني تعاين

ربد الحباري به على أربع وثنتين

ونأخذ لنا أيامٍ بذيك الدفاين

مابين برقع والغدف والبسيتين

ونكسر على ماينحدر من ضواين

وناخذ هناك أسبوع والاّ سبوعين

وننكف نشاط وسالمين الصخاين

ولوّ كان نتعب عدنّا مستريحين

وشارك في الملتقى إلى جانب ابن عون كل من القطري محمد بن فطيس الفائز بلقب شاعر المليون في الدورة الأولى، والإماراتي سعيد بن دري الفلاحي، والسعودي علي بن حمري وعبدالله الجابري (الإمارات)، ومذعم بوشيبه (السعودية)، وناصر ثويني العجمي (الكويت)، وزايد بن كروز المري (قطر)، وسلطان بن وسام (السعودية)، وسعيد بن طميشان (الإمارات)، وحمدان المري (قطر) الذين أنعشوا ليالي دبي بالشعر الجميل، وأشاعوا جواً حماسياً على المهرجان .

ومن خلال ما أنشده الشعراء في الأمسيات الثلاث التي نظمت خلال الملتقى يمكن استقراء ثلاثة اتجاهات شعرية، قد تكون نموذجاً مصغراً لما يمور في الساحة الشعرية النبطية، أولها هو تقليدي يؤسس شعريته على اللغة الجزلة البدوية ويستقي صوره من البئية الصحراوية بجميع تشكيلاتها، وأكبر ممثل له في الملتقى الشاعر عبدالله بن عون، وسلطان بن وسام ولشعرهما قوة سبك وجزالة لفظ، ولا تعوزهما الصورة الجميلة رغم انتزاعها من بيئة تقليدية .

يقول سلطان بن وسام:

يالحون العود والا يامجارير الربابه

اختلف معنى القصيد وضيع الفنان فنه

حلم مدري علم مدري نوض برق في سحابه

أثرها طلة جبينه يوم زاح الليل منه

أقبلت مثل الفرس لا سمعت طبول الحرابه

مقتفيها ليل أسود والنجوم يفرقنه

النهار يمر ويعدي وليله في عقابه

النحر صبح تجلى والجدايل كنهنه

مخمل يلتف فوق الجيد الأتلع بالنيابه

عن سلاسيل الذهب والماس خوف يجرحنه

غاب عني والوله خلاه عندي في غيابه

ما درى ان فرقاه نار ولا درى ان لاماه جنه

ياوجودي وجد من صفق على ماضي شبابه

بان شيبه والسنين اللي يبيهن خالفنه

غرته خضر السنين وراح عمره مادرى به

غررنه وارفعنه لين سج وحولنه

وياوجودي وجد عود لا عيال ولا قرابه

ماجداه إلا يون ويردف الونه بونه

مالقى فزعة رفيق ولا دعاة مستجابه

كل ما امساله بظن خيبت الايام ظنه

الاتجاه الثاني هو الذي ينتقي لغته الشعرية من لغة الواقع المعيش ويؤلف صوره مما حوله من أشياء الحياة ويدخل فيها أدوات الحضارة ومصطلحاته كالهاتف والمسج والسيارة والإيميل والريموت، وغيرها من الأشياء التي يعيشها الشاعر اليوم وتشكل تفاصيل حياته، فتبدو لغته واقعية حية، وقد مثّل جل الشعراء هذا الاتجاه كمحمد بن فطيس المري، وناصر بن ثويني العجمي، وسعيد بن دري الفلاحي، وسعيد بن طميشان، وزايد بن كروز ومدغم بوشيبة .

ولزايد بن كروز في هذا الباب صور مميزة تنم عن قدرته على التخيل وصناعة الصورة البديعة التي تطفح جدة خصوصاً حين صور قلبه بأنه أصبح على شكل ريموت وعينا حبيبته هي الإصبع الذي يحركه، يقول:

التين والرمان والخوخ والتوت

وخلاصة المنقا مع سنتر الشام

تذوب في ريقك وأنا أذوب وأموووت

لاسلهمت عينك على الخد سلهام

وآفاق وإشراقات وبحور واخبوت

في مقرن الحجه وفالرمش لاقام

تكفى قبل لاتفوت الأيام وتفوت

الفرصه اللي ننتظرها من العام

ابغيك في ضمة غلا قبل لاموت

شفني دعست البيت والبيت ماقام

يتميز الفنان من خامة الصوت

وأنا أتميز شعر واعيونك الالهام

في كل يوم اجيب لك نحت منحوت

والشعر كنه يقول قدام . . . قدام

والا الغلا والحب مثبوت . . مثبوت

مانيب بياعٍ ولافيه سوام

يامسويٍ قلبي على شكل ريموت

ووجهك محطاته وانا عيوني ابهام

ويش عاد تبغى جيتك من الغلا شووت

ماردني من دونك البعد والزام

الاتجاه الثالث هو الدخول في مغامرة الحداثة الأسلوبية باستدعاء تجاورات لغوية تخرق منطق اللغة العادية وتتجاوزه لصناعة منطقها ونسقها الخاص الذي يولد الدهشة ويصنع المغايرة الباعثة على التفكير وتوليد دلالة جديدة، وقد مثل هذا الاتجاه الشاعر الإماراتي الشاب عبدالله الجابري، الذي يمثل ظاهرة فريدة تستحق الوقوف عندها لما يمتلكه من براعة في صناعة تلك الأنساق اللغوية الخاصة مثل الليل يتنفس كلاما، رمل الأماني، الحلم ينصب خيام، شتا الواقع، صيف المصير، ويقول في إحدى قصائده:

يتنفس الليل من ضيق الزوايا كلام

والوعْد يفرش على رمل الأماني حصير

الحلم ينصب على بيدا ظروفي خيام

ويضمني من شتا الواقع وصيف المصير

استصغر الحزن رغم اني اعيش فظلام

مثل القمر واقعه مظلم لكنه ينير

احاول اعكس طموحي في عيون الأنام

واكحل الحال لو انه زماني ضرير

ياكم هبت على ضلوعي رياح الهيام

لي خلف بيبان صدري اسمع الها صفير

واليوم سقت الطموح ونظرتي للأمام

واللي تبقى علي افرد جناحي واطير

لعيون ارض الكرامه والوفا والسلام

بحاول ارضي القليل ان ما رضيت الكثير

عسى أول الصبح يكتبني ع صدر الغمام

شاعر طموحه يجمل موطنه في المسير