احتضنت دبي من 1 إلى 4 فبراير/ شباط الجاري أمسيات ملتقى دبي الحادي عشر للشعر الشعبي، وهو مهرجان شعري سنوي ينظمه المكتب الإعلامي لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، ويدعى إليه شعراء نبطيون معروفون بإبداعاتهم على مستوى دول الخليج، يتنافسون على مدى أيام الملتقى في تقديم الأجود . وقد شكل هذا الملتقى على مدى السنوات السابقة إحدى المهرجانات الشعرية المهمة في الدولة، حيث يستقطب متابعين من دول الخليج كافة، يأتون لسماع آخر ما جادت به قرائح شعرائهم المفضلين، ولشهود المنافسة حية، والانتشاء بالشعر .

عبر دوراته العشر السابقة احتفى الملتقى بشعراء إماراتيين كبار تركوا بصمة على تاريخ الشعر كالماجدي بن ظاهر، ومبارك بن حمد العقيلي، ومحمد بن زنيد السويدي، وحمد بن خليفة بو شهاب ومحمد بن سوقات الفلاسي، كما استقطب الملتقى أسماء لامعة في سماء الشعر النبطي مثل ناصر الفراعنة، ومحمد بن الذيب ويوسف العصيمي، ومحمد بن فطيس، ومحمد المر بالعبد، وضيدان بن قضعان، وسعد علوش، وهزاع الشريف تركي الميزاني، وعلي المري، ومحمد جار الله السهيلي، وعلي بن حمري، وسالم العرجاني، وسعيد بن طميشان وغيرهم .

جمعت دورة هذا العام 2012 عشرة شعراء من أربعة أقطار خليجية هي الإمارات والسعودية والكويت وقطر، فمن الإمارات علي بن سالم الكعبي ومحمد المر بالعبد وسعد مرزوق الأحبابي، ومن الكويت سعد علوش وعبدالله علوش وتركي الديحاني، ومن السعودية لافي الغيداني وفلاح القرقاح وسعد الخلاوي، ومن قطر شبيب النعيمي .

اتسمت الأجواء الشعرية في مهرجان هذا العام بالتنوع والتباين تبعا لتفاوت أجيال الشعراء المشاركين في المتلقى، واختلاف مشاربهم، فظهر فيه القديم إلى جانب الجديد، وظهرت فيه أغراض المدح والغزل والإنسانيات، والوطنيات، وغيرها، ويمكن القول إنه جمع مدارس القصيدة الشعرية النبطية المعاصرة بكل تجلياتها التقليدية والحداثية، ويمكن رصد ثلاثة اتجاهات بارزة، لدى شعراء هذه الدورة، هي اتجاه تقليد يتشبث بقيم الشعر الأصيلة، ويصدر عنها واتجاه تجديد أو حداثة، يسعى لخلق رؤية شعرية وحساسية جديدة نابعة من الواقع، وبينهما يقف اتجاه ثالث يزاوج بين الاتجاهين، فهو من ناحية المعنى والمضامين يتحرك على خريطة حداثية تعطي قيمة قصوى للإنسان وصراعه مع الواقع والظلم والألم، وهو من ناحية القيم الفنية لا يخرج كثيراً عن نمط البيان والوصف التقليدي، ويجرنا ذلك -وبالنظر إلى حضور هذه الاتجاهات الثلاثة بشكل مستمر في مختلف دورات المهرجان السابقة- إلى ادعاء أنها تمثل واقع الشعر النبطي في راهنه .

يمكن اعتبار الشاعر علي بن سالم الكعبي يمثل مدرسة الشعر النبطي التقليدي فهو يصدر في أوصافه وأخيلته عن ذهنية الشاعر القديم الذي يشبه علو الهمة بارتفاع النجوم والكرم بالغيث العميم ويخترع لكل وصف مماثلاً له من البيئة القديمة والطبيعة البدوية، ولا يعدم في ذلك سبيلاً إلى اختراع المعنى البديع واصطفاء المفردة الأصيلة مما يدل على قوة طبع ورسوخ قدم، يقول في وصف سمو ولي عهد دبي:

هذاك هو حمدان غيب المخاييل

رمز المراجل والمكارم حصدها

عانق سحاب الجو واصبح هماليل

وكفه كما سيل السحايب هددها

عدى على الجوزاء ونال المحاصيل

أعلى مقامات الكرامة وجدها

وإن سار فوق الأرض أصبح ثره سيل

أسقى مواطنها وزين شددها

جلجل باشعاره وثاروا هل الجيل

جادوا بقيفان وجا سيله أدها

يمثل الشاعر سعد الخلاوي ذلك اللون من الشعر الذي يتوسط بين الحداثة والقدم الذي يجمع بين طرفي المعادلة فيميل فنيا إلى القديم، ويميل مضمونيا إلى الحداثة الشعرية، وفي شعره تأثر واضح بالمفردات ومعاني الشعر الفصيح، مع ثقافة واسعة تتجلى من خلال رموزه وإشاراته إلى شخصيات وأحداث ومعلومات شتى، ولدى الخلاوي إحساس إنساني مرهف، والتزام بقضايا المقهورين والمهمشين، وتجربة المعاناة في الحياة مما يذكر بتيار الواقعية الذي انتشر في الشعر العربي ردحا من الزمن، يقول الخلاوي:

أكتب لكم يا أحبة يا مساكين

يا أصدقاء الأماني والبطالة

يا طين ملكيته ترجع إلى طين

يا رمز قتل التساوي والعدالة

أنتم ضحية خطيئة عام تسعين

ولاّ ضحيّة قوانين الكفالة!

نكسة حزيران ولا هم تشرين

منهو جعلكم على هالأرض عاله؟

يا شمع ما ينصهر بالشمعدانين

يا رفقة الحق في رحلة نضاله

هذا أنا جرح عمري ينزف سنين

ابكي على الحلم من لحظة زواله

أكتب لكم يا أحبة يا مساكين

يا أصدقاء الأماني والبطالة

يا طين ملكيته ترجع إلى طين

يا رمز قتل التساوي والعدالة

أنتم ضحية خطيئة عام تسعين

ولاّ ضحيّة قوانين الكفالة!

والاتجاه الوسط نفسه يمثله أيضاً الشاعر عبدالله علوش الذي يكاد يتخصص في النقد الاجتماعي والسياسي، مع مسحة سخرية واضحة، وواقعية حاذقة جعلت شعره رائجا لدى الجمهور، واشتهرت له قصائد مثل حبيبتي وانفلونزا الشعر والأمة والسيناريو وبالمقلوب والوجه الجديد والصداقة، يقول من قصيدة نصيحه شيطانيه التي يوجهها إلى المرأة ليعلمها طريقة التعامل مع حبيبها:

خليه يحتاج لك خليه يفتقدك

لا تلحقينه ولا تدشين فخلاقه

بلحاحك الدايم الرجال ينتقدك

خليه يشتاق ليه انتي المشتاقه

عطرك هدوئك جمالك ملبسك عقدك

غيبتك هذي هي اللي تفجر اشواقه

ممكن يحبك ولكن صعب يعتقدك

خصوصا أن العقيده مصدر الطاقه

أعفيه من لهفتك واعفيه من حقدك

حبك وصدك هم الدافع لإحراقه

الشاعر سعد علوش من أبرز من يمثلون اتجاه الحداثة والتجديد في دورة هذا العام، التي تجمع بين التجديد في فن القول الشعر خاصة من ناحية اختراع الصورة المعبّرة عن الواقع ومن تشكيلات الحياة، فإذا كانت ميزة الشعر النبطي التقليدي هي استقاؤه صوره وأخيلته من البيئة التقليدية، فإن ما يميز الشعر النبطي الحديث هو انزراعه في بيئته الحاضرة، وصدوره عنها في تصويره، وحساسيته الفنية، وابتكاره للمعاني المرتبطة بها، هذا ما يصنعه سعد علوش في كثير من أشعاره، ومن ذلك قصيدة تصور فيها الحب ملعباً يتصارع فيه قلبه مع محبوبته، في مباراة غير متكافئة، أخرجته مكسوراً من الملعب بهزيمة حب لا يبارحه، ويرسم من خلال ذلك مشهدية جميلة تستعيد أمام السامع مشاهد مباراة ساخنة على الملاعب الواقعية:

في ملعب الحب ومن دون جمهور

بستاد قلبي في نهائي غرامك

طيحني حبك وطلعني مكسور

وأنت الحكم وهذي إعادة أمامك

عطني بلنتي وأنا أقول معذور

أو عطني كرت أحمر يوضح كلامك

الراي رايك يالحكم منت مجبور

الصافره بيدك وأنا بانتظارك

أشعار تركي الديحاني تصب في الاتجاه نفسه، فهو يمتلك قدرة ملحوظة على اختراع المعاني واجتراحها من واقعه الذي يعيشه لخلق الصورة البهية، يقول من قصيدة رقم جوالك:

ابرك ليال الهوى لا مالت غصونك

وخذت لي مع نباك الذرب تحليقه

مغير اجمع قصيدك وسمع الحونك

والقلب مابين تغريبه وتشريقه

وان مر في هاتفي نمرة تلفونك

اطلق حجاجي وروّق خوش ترويقه

ابك انت لو تتصل وتقول وشلونك

اودع الهم والأحزان والضيقه

شاعر وشعره تعلى فوق بفنونك

وانت السبب في جماهيره وتصفيقه

والشاعر اللي مايكتب بيت بعيونك

نصيحتي يترك الشعر وطواريقه