متابعة: محمد ياسين
أوصى خبراء الأمراض التنفسية بضرورة التوقف عن التدخين، واتخاذ التدابير اللازمة للابتعاد عن مسببات الأمراض التي تصيب الجهاز التنفسي، التي تعد ضمن أكثر الأمراض المنتشرة في المنطقة .
أكد الخبراء، خلال منتدى إقليمي-دولي عقد مؤخراً في اسطنبول، خلال مناقشاتهم لأهم المعوقات التي تحول دون توفير التشخيص الصحيح والسريع والعلاج الفعال لتلك الأمراض، أهمية التشخيص الدقيق والمعالجة الفعالة لأمراض الربو، والانسداد الرئوي المزمن، والتليف الرئوي مجهول السبب من أجل السيطرة على معدلات الإصابة المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا .
كما أكد الخبراء على ضرورة التعرف المبكر والدقيق إلى الأعراض، والتقيد بالعلاج بالنسبة للمرضى باعتبارهما أهم التدابير للسيطرة على المرض والحيلولة دون انتشاره .
وتشير التقديرات إلى أن واحداً من كل ثلاثة تقريباً من سكان الخليج العربي، تعرض في مرحلة ما من حياته لمضاعفات صحية مرتبطة بأمراض الحساسية، كما تشير دراسات إلى أن هذه الأمراض ومنها الانسداد الرئوي المزمن، تشهد زيادة مطردة في معدلات الانتشار في المنطقة، رغم ازدياد الوعي العام بأسبابها وبطرق الوقاية منها . ففي السعودية مثلاً، تشكل الأزمة الشعبية 50% من مجمل الأمراض التنفسية في المملكة، بينما يشكل الالتهاب الشعبي الحاد 25% منها . ولا تختلف الحال كثيراً في دولة الإمارات، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمدى انتشار الأزمة الشعبية بين الأطفال والطلاب، ولكن يمكن السيطرة على المضاعفات ومعاناة المرضى من خلال المعالجة الفعالة، ونشر التوعية الدقيقة والصحيحة بكل حالة بهدف إجراء التشخيص الدقيق وتحسين النتائج لدى المرضى المصابين .

الانسداد الرئوي المزمن

وعن حالات الإنسداد الرئوي المزمن COPD قال الدكتور مدحت عبد الخالق أخصائي الأمراض الرئوية وطب العناية الحرجة، ورئيس وحدة ارتفاع ضغط الدم الرئوي في كلية الطب في جامعة القاهرة في ورقته أمام المؤتمر: "عادة ما نصادف حالات تم تشخيصها سابقاً بطريق الخطأ على أنها ربو، ما يؤدي إلى وصف علاج غير مناسب ونتائج دون المستوى المثالي للمريض . وكثيراً ما يرجع سبب الخطأ في التشخيص إلى الخلط التشخيصي بين الانسداد الرئوي المزمن والربو في مرضى العناية الأساسية . وهناك حاجة إلى زيادة الوعي بالفروق بين الحالتين من أجل تعزيز التعامل والمعالجة المثالية للمرضى" .
وقال الدكتور عبدالخالق إن الانسداد الرئوي المزمن COPD هو أحد الأمراض التي تصيب الرئتين، والتي يمكن مكافحتها والحد من تأثيراتها عبر اتخاذ الإجراءات والتدابير الوقائية المناسبة، موضحاً أن الإصابة بالمرض تحدث نتيجة لاستنشاق الهواء الملوث لفترات طوال، حيث يعتبر استنشاق دخان السجائر على وجه الخصوص السبب الأكثر شيوعاً للإصابة بالمرض .
وقال إن المرض يتطور ببطء وبشكل تدريجي، ويؤدي إلى ظهور أعراض دائمة تتسبب في الحد من قدرة البالغين على التنفس وممارسة نشاطاتهم الحياتية اليومية بشكل طبيعي .
وتشمل أبرز أعراض الانسداد الرئوي المزمن الشعور بضيق في التنفس، والسعال، وصفير عند التنفس، إضافة إلى زيادة في إفراز (المخاط أو البلغم) . وقال إن هذه الأعراض عموماً، وضيق التنفس على وجه الخصوص، تشكّل عائقاً يحد من قدرة المرضى على أداء الأنشطة اليومية الاعتيادية .
كما يعاني مرضى الانسداد الرئوي المزمن من نوبات شديدة للمرض تسمى "التفاقم"، وهو مصطلح يستخدم لوصف تفاقم أعراض المرض واشتدادها بشكل كبير ومفاجئ، وخاصة في حال لم تتم معالجة المرض والسيطرة على أعراضه بفاعلية .
وفيما يتعلق بأهم مسببات مرض الانسداد الرئوي المزمن أوضح أن احتمالات الإصابة بالمرض تتزايد بين المدخنين بنسبة تصل إلى 80-،90 ثم يليه مباشرة عامل التلوث، ويشمل ذلك التعرض للهواء الملوث ضمن الأماكن المغلقة والناجم عن استخدام الخشب والفحم لأغراض الطهو أو التدفئة، بالإضافة إلى التعرض لمجموعة متنوعة من الملوثات الأخرى نتيجة لممارسة مهنة أو وظيفة معينة .
ويرى الدكتور عبدالخالق أن التشخيص المبكر أمر ضروري لمنع حدوث أي مضاعفات، والحد من حالات تفاقم أعراضه واشتدادها والتي يشار إليها بالأزمة الرئوية المزمنة، ويتم التشخيص من خلال إجراء اختبار بسيط يقوم فيه المريض بالنفخ في جهاز محدد، يقيس هذا الاختبار حجم هواء الزفير في الثانية الواحدة، حيث يطلب من المريض استنشاق أكبر كمية ممكنة من الهواء ومن ثم إخراجها عبر الزفير بأكبر قدر من القوة والسرعة، وتتم مقارنة نتائج هذه الاختبارات مع الأرقام والمعدلات الطبيعية التي تتناسب مع سن المريض وجنسه وطوله لتحديد فيما إذا كانت هناك أية إعاقة لعملية تدفق الهواء إلى الرئتين وبالتالي تأكيد الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن .
وعلى الرغم من ظهور العديد من العلاجات التي تساعد في السيطرة على المرض قال الدكتور عبدالخالق إن الإقلاع عن التدخين يمثل التدخل العلاجي الأبرز والأشد قدرة في الحد من تطور المرض، والذي يسهم بشكل كبير في الحد من الوفيات الناجمة عن الإصابة به . كما يمكن لكافة المرضى الذين يعانون مرض الانسداد الرئوي المزمن الاستفادة من برامج التدريب الرياضي، والتي أثبتت فاعليتها في تحسين نوعية الحياة، وزيادة قدرة الجسم على احتمال الجهد البدني وممارسة التمارين الرياضية، والحد من أعراض الشعور بضيق التنفس والتعب . في حين يتم استخدام العلاج الدوائي لمرض الانسداد الرئوي المزمن للحد من الأعراض، وتقليل وتيرة أزمات المرض وشدتها، إضافة إلى تحسين الحالة الصحية للمرضى وزيادة قدرة أجسامهم على احتمال الجهد البدني عند ممارسة التمارين الرياضية .
وحدد الدكتور عبد الخالق فئة العلاج الدوائي المستخدم بناء على الاحتياجات الخاصة بكل مريض على حدة، إلا أنها قد تشمل اللجوء إلى خيارا تمثل الموسعات الشعبية، أو الكورتيزون أو مثبطات إنزيم فسفود ايستراز-،4 وأوصى باستخدام الموسعات الشعبية طويلة المفعول في الحالات المتوسطة إلى الشديدة من مرض الانسداد الرئوي المزمن .

الربو

وتناول الدكتور حبيب غديرة رئيس قسم الأمراض الصدرية في مستشفى عبد الرحمن مامي بأريانة، تونس من جانبه مرض الربو وكيفية التعامل معه، وقال إن الحاجات الملحة التي لم يتم تلبيتها في التعامل مع مرض الربو ما زالت تتفاقم ما يؤدي إلى استمرار الأعراض، وتفاقم المرض، ودخول المستشفيات، والانقطاع عن العمل وأخيراً الوفاة .
وأشار إلى أنه رغم حصول المرضى على علاجات مداومة، فإن نسبة 40% على الأقل من المرضى لا تزال تعاني الأعراض . ولابد الآن من إيجاد علاج ترميمي جديد لكي نتمكن من مساعدة المرضى للوصول إلى نتائج مثالية .
وأوضح الدكتور غديرة أن الربو يعتبر من الأمراض المزمنة التي تصيب الممرات الهوائية للرئتين فيضيقها، مشيراً إلى أن نحو 235 مليون فرد يعانون الربو حسب منظمة الصحة العالمية، وهو من أكثر الأمراض المزمنة التي تصيب الأطفال، وتظل معاناة المرضى الناجمة عن الربو على الرغم من تلقيهم العلاج .
وقال إن الآثار السلبية لهذه الأعراض لا تقتصر على الحد من قدرة المريض على عيش حياة طبيعية فحسب، بل تؤثر أيضاً في مسار المرض، وتزيد خطر تفاقمه، والتعرض لأزمات الربو الشديدة . إضافة لتأثيرها في نوعية وجودة حياة المرضى، علاوة على أنها تمثل أيضاً عبئاً اقتصادياً كبيراً يثقل كاهل نظم الرعاية الصحية، وخصوصاً الأعباء المرتبطة برقود المرضى في المستشفيات في حالات الطوارئ .
وأشار إلى أن معظم مرضى الربو لا يعقدون آمالاً كبيرة على الفوائد التي يمكن تحقيقها عبر إدارة المرض، ولا يدركون حقيقة أن هناك فرصاً كبيرة لتحسن حالاتهم، كما يسلم العديد من المرضى أيضاً بالآثار الناجمة عن ضعف السيطرة على الربو إلى أن تتم توعيتهم بإمكانية الحد من تأثير أعراض المرض من خلال إعادة النظر في خطط علاجهم .
وقال إن بعض المصابين بالربو لا يدركون حقيقة أن هناك فرصة كبيرة لتحسين حالاتهم عبر استخدام علاج مصمم خصيصاً ليناسب احتياجاتهم . وعلى الرغم من خيارات العلاج المتاحة حالياً، لا تزال نسبة واحد من بين كل اثنين من مرضى الربو تقريباً يعانون الأعراض الناجمة عنه . لذلك لابد من ابتكار أدوية ووسائل جديدة لعلاج الربو من شأنها تلبية الاحتياجات الطبية غير المستوفاة حالياً، وذلك بهدف تحسين جودة حياة المرضى وتأخير معدل تكرار الأزمات والحد من التعرض لأزمات الربو الشديدة وما يليه من أعراض .

التليف الرئوي مجهول السبب

بدوره تحدث الدكتور لوقا ريكيلدي، أستاذ طب الأمراض التنفسية ورئيس وحدة مرض الرئة الخلالي في جامعة ساوث هامبتون، المملكة المتحدة عن مرض التليف الرئوي مجهول السبب باعتباره مرضاً نادراً، وقال إنه عادة ما يصادف الأطباء مرضى لم يسمعوا به من قبل إلى أن يتم تشخيصه لديهم .
وأوضح أن تشخيص مرض التليف الرئوي مجهول السبب يمكن أن يتسم بالصعوبة لأنه يتطلب اختبارات تشخيصية معينة مثل تصوير الرئة باستخدام أشعة مقطعية عالية الدقة . ويتراوح متوسط الوقت من ظهور الأعراض الأولية حتى التشخيص بين سنة وسنتين .
وقال إن التشخيص المتأخر هو أحد التحديات الرئيسية، لأن التفاقمات الحادة لمرض التليف الرئوي مجهول السبب تقلل بدرجة كبيرة من فرص المريض في البقاء على قيد الحياة . ومن هنا تأتي أهمية التشخيص المبكر والدقيق لمرض التليف الرئوي مجهول السبب من أجل التعامل مع الحالة وتحسين الحياة .
وعن معدلات الإصابة وانتشار مرض التليف الرئوي مجهول السبب، قال الدكتور ريكيلدي إن معدل الإصابة يتروح بين 14 إلى 43 من كل 100 ألف نسمة على مستوى العالم، وإن هذا المرض يصيب بشكل أساسي الرجال فوق سن الخمسين، وينتشر بين الرجال أكثر من النساء .
وأوضح أن صعوبة تشخيص المرض تتمثل في تشابه أعراضه مع أمراض تنفسية أخرى، لكن الدكتور ريكيلدي وصفه بأنه "مرض يتيم" لا ينتمي إلى أي من الأمراض التنفسية الأخرى، وبالتالي يصعب تشخيصه وعلاجه، ويحدث الخطأ في التشخيص المبدئي في نحو نصف حالات المرض بسبب تشابه أعراض مرض الانسداد الرئوي المزمن والربو وقصور القلب الاحتقاني، وكونه مرض مجهول السبب فإنه لا يعرف حتى الآن سبب الإصابة به، غير أن هناك بعض عوامل الخطر التي تتضمن كل من التدخين، والإصابات الرئوية، وتاريخ الإصابة بالمرض في العائلة، والارتجاع غير الطبيعي لحمض المعدة، والتعرض للعوامل البيئية والإصابات الفيروسية المزمنة التي تزيد فرص الإصابة به .
وقال إن أعراض الإصابة بالتليف الرئوي مجهول السبب تتمثل في انقطاع النفس خلال النشاط، وسعال جاف مستمر، وضيق في الصدر، وتضخم أطراف الأصابع .
وبالنسبة لخيارات العلاج، أكد الدكتور ريكيلدي أن التشخيص المبكر والدقيق لمرض التليف الرئوي مجهول السبب بالغ الأهمية، وذلك لأن الخيارات العلاجية كالعقاقير، والعلاج التكميلي بالأكسجين، وعلاج السعال وإعادة التأهيل الرئوي (والذي يمكن أن يتضمن تمرينات خاصة أو أساليب تنفسية) يمكنها مساعدة المرضى على إدارة حالتهم والحفاظ على نوعية حياتهم . وأضاف بأنه حتى وقت قريب كانت خيارات علاج مرض التليف الرئوي مجهول السبب لا تزال محدودة . ولما كان من غير الممكن علاج ندبات الرئة بعد حدوثها، فإن الفرصة الوحيدة للعلاج هي زرع الرئة، إلا أن هذا الخيار لا يناسب سوى عدد محدود جداً من المرضى .
وأكد أنه لا تزال هناك حاجة ماسة إلى إيجاد علاجات آمنة وفعالة من أجل تغيير مسار مرض التليف الرئوي مجهول السبب من خلال إبطاء تفاقمه، مشيراً إلى أنه تم اعتماد علاجين للمرض في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وهناك تركيبات أخرى عديدة قيد الدراسة والتجارب السريرية .


دور الأدوية الجديدة

بدوره تحدث محمد مشرف، المدير الطبي في شركة بوهرنجر إنجلهايم لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا المنظمة للمؤتمر أن البحث والتطوير هما الأساس الذي قام عليه نجاحها، ولا يزال المحرك الرئيسي للأدوية الجديدة المبتكرة التي تساعد في تحسين حياة المرضى وتلبية الاحتياجات العلاجية التي لم تتم تلبيتها حتى الآن .
وقال إن الشركة مستمرة في الاستثمار لتطوير جزيئات جديدة، والتعامل مع الدواعي المرضية الجديدة، وتحقيق امتثال أفضل، اعتماداً على سنوات خبرتها الطوال في البحث والتطوير على مستوى العالم في مجال علاج الأمراض التنفسية، بهدف سد الفجوة الناجمة عن عدم تلبية الاحتياجات الطبية .
وقد شهد المنتدى مشاركة أكثر من مئة وتسعين شخصياً من كبار الخبراء الدوليين والإقليميين الذين شاركوا في محاضرات وحلقات نقاشية وجلسات تفاعلية لبيان أحدث التطورات العلمية في علاج الأمراض التنفسية والتعامل معها .
كما تم في الوقت نفسه تسليط الضوء على الحلول المطلوبة لتلبية الاحتياجات التي لم تتم تلبيتها حتى الآن .