الذهب بالنسبة لقدماء المصريين لم يكن مجرد معدن نفيس يستخدم في الحلي والزينة، فقد كان المادة الأساسية التي تستخدم في صناعة تماثيل تمجد الملوك والحكام وتخلد ذكراهم لآلاف السنين، ومن هنا كان العثور على مناجم الذهب أكثر ما يشغلهم والنجاح في المهمة كانت أكثر ما يسعدهم.
منذ آلاف السنين عرف المصريون منجم السكري بمدينة مرسى علم المطلة على البحر الأحمر أقصى جنوب مصر، حيث عثروا خلاله على كميات هائلة من الذهب قبل أن تنضب الكميات الظاهرة من المعدن النفيس، لكن بقيت كميات غير معلومة من الذهب في باطن الصخور آلاف السنين قبل أن يكتشفها المصريون في العصر الحديث، ويبدأون في استخراج السبيكة الأولى منه قبل عامين فقط .
وكانت المفاجأة الكبرى أن قدر الباحثون قيمة كميات الذهب الموجودة بالمنجم بنحو 20 مليار دولار، ما يجعله أحد أغنى 10 مناجم في العالم، بل ويراهن عليه البعض بأن يجعل مصر واحدة من أكثر بلدان العالم استخراجاً للذهب على المدى القريب .
ويعد منجم السكري الأول لمصر في العصر الحديث، رغم أن مصر كانت معروفة قديماً كمصدر للذهب، وتظهر أحد أقدم الخرائط المتوفرة منجماً في ذات الموقع .
يقع المنجم جنوب مدينة مرسى علم على بعد 30 كيلومتراً منها في أقصى جنوب منطقة الهضاب الجرانيتية، وتبلغ مساحة المنجم 160 كيلومتراً مربعاً ومرخص للعمل لمدة 30 عاماً قابلة للتجديد مرة أخرى لمدة مماثلة، ومخزون المنجم عبارة عن نطاق هش وسهل التكسير يحوي مخزون الذهب والذي نجده متداخلا مع مركبات شبه جرانيتية من بلورات التوناليت الجرانيتية ذات الحبيبات البركانية .
وقد استخدم منجم السكري قديماً في عهد الفراعنة، حيث توجد دلالات على ذلك متمثلة في عدة نطاقات من الحفر، ومشروع منجم ذهب السكري تم تقدير المرحلة الأولى للحفر لمدة 15 عاماً يتم فيها استخراج مقدار 78 مليون طن من المواد الخام ومن المتوقع تقديريا أن يتم إنتاج 5 .1 جرام ذهب لكل طن، كما أن المتخلف من المعادن الأخرى الناتجة عن ذلك يعادل 374 مليون طن على مدار 15 عاماً .
وتتولى عملية الاستكشاف واستخراج الذهب شركة أسترالية بالتعاون مع هيئة الثروة المعدنية، وبدأت مهمتها في عام ،1995 لكن الإنتاج متأخر بسبب مشاكل عدة واجهتها الشركة المنقبة مع الحكومات المتعاقبة، فأنتجت أول سبيكة تجريبية في عام ،2009 وبدأ الإنتاج في ذلك العام بمعدل 30 ألف أونصة في السنة، وكان حينها قد تمّ حفر 1600 حفرة إلى قلب التراكم البالغة كميته 21 مليون أونصة، وازداد الإنتاج خلال عام 2010 إلى 200 ألف أونصة في السنة بصورة منتظمة . ومن المتوقّع أن يرتفع محتوى الذهب إلى جرامين في كلّ طن مستخرج، كما تمّ العثور على تراكم آخر من المتوقّع استغلاله، ومأمول أن يكون حصاده ما بين 5 و10 جرامات في كل طن مستخرج، ومن المتوقّع أن تتزايد حتى تصل إلى 500 ألف أوقية في السنوات المقبلة . وتبدأ مراحل إنتاج الذهب بتكسير الخام، وبالنسبة لمنجم السكري فإنه يعمل بطريقتين الأولى طريقة المنجم المكشوف، ويتم فيها تفجير الخام وعمل مصاطب لاستخراج الخام وتصنيفه حسب درجة تركيز الذهب الخام .
أما الطريقة الأخرى فهي طريقة التنجيم تحت السطح للوصول إلى النطاقات الغنية بالذهب بعد استخراج الخام تبدأ مرحلة التكسير والطحن لدرجة تسمح بمرور الذهب عبر محلول سيانيد، الذي يقوم بإذابة الذهب داخل تنكات معدة لهذا الغرض المصنع .
بعد ذلك تأتي مرحلة شفط الذهب من حبيبات الفحم النشط وهو نوع من الفحم النباتي المعد لهذا الغرض يمر بعد ذلك بمرحلة الاسترجاع وفيها يتم استخلاص الذهب من الفحم في محاليل ذات تركيزات عالية تليها مرحلة التحليل الكهربي، وفيها يتم ترسيب الذهب على ألواح داخل خلية كهربية، حيث يتم جمع رواسب الذهب وتجفيفها في أفران مخصصة وخلطها ببعض الكيماويات اللازمة للصهر بنسب محددة ويتم صهرها وسبكها وصبها في قوالب معدة لذلك، فتكون النتيجة ذهباً محملاً بنسبة من الفضة وبعض الشوائب التي لا تذكر .
ثم توضع بعد ذلك الأرقام المسلسلة على كل سبيكة وتجري التحاليل الخاصة بها في معمل الشركة بالموقع، ويعد ذهب منجم السكري من أجود أنواع الذهب على مستوى العالم، حيث تصل درجة نقائه من 90 إلى 97 في المئة، وهو ما يعادل عيار 32 بلغة الذهب .
بعد ذلك تأتي مرحلة شحن الذهب للتنقية خارج البلاد وتحديداً في كندا إضافة إلى الدمغة له، وهي الخطوة التي أثارت جدلاً واسعاً في مصر خلال الشهرين الماضي بعد أن تعرضت الشركة لاتهامات بأن الذهب الذي يذهب إلى كندا لأجل دمغه لا يعود إلى مصر مرة ثانية، وهو ما نفته الشركة تماماً .
وفي الوقت نفسه أقام المهندس حمدي الفخراني دعوى قضائية للمطالبة ببطلان التعاقد مع الشركة الأسترالية للتنقيب واستخراج واستغلال الذهب من المنجم، باعتبارها اتفاقية مجحفة بحقوق الشعب المصري تماماً مثل اتفاقية عقد بيع الغاز الطبيعي ل إسرائيل .
وقال الفخراني إن نصوص الاتفاقية توجب حصول الشركة الاسترالية، ويمثلها أحد المصريين الذي يحملون الجنسية الأسترالية، على 50% من الذهب المستخرج وتحصل مصر على 50% الباقية، ما يمثل إجحافاً بحق المصريين .
وأوضح أن الاتفاقية التي وضعت عام ،2004 مخالفة لأحكام المادة السادسة من القانون 1956 الخاصة بالمناجم والمحاجر، الذي يقضي أن يكون التنقيب عن طريق مزايدة علنية، وأن تقوم وزارة التجارة والصناعة بأعمال البحث العلمي والاستغلال مباشرة أو بطريق الالتزام .
وأشار إلى أن عقد التنقيب مجحف أيضاً لعدة أسباب، أهمها أن استخراج الذهب كان يقوم به قدماء المصريين ولا يحتاج إلي خبرات ليست موجودة في مصر، ولا يحتاج إلي تكنولوجيا كبيرة، كما أن الاستثمارات المستخدمة في إنشاء مصنع الذهب هي أقل من الاستثمارات التي يحتاجها إنشاء مصنع حديد أو مصنع نحاس .