هادئ، واسع الصدر مُقل في حديثه، تلك صفات رجل يعمل في مهنة القضاء التي وصل إليها بتشجيع والديه وأصدقائه، بعدما كان قد اتجه إلى دراسة الهندسة، ويعتبر وطنه الإمارات روحه وعشقه وواحة الأمن والسلام .

حديثنا هنا عن القاضي منصور العوضي في محكمة الاستئناف في دبي، والذي حاورناه في مكتبه فكانت تأكيداته أن القضاة جاءوا لخدمة وطنهم وتحقيق العدالة بين الناس .

يأمل القاضي العوضي أن يعم السلام أمتنا العربية قاطبة، فهو يرى أن الأمة العربية من الخليج إلى المحيط لا يحدها عائق إلا عائق الجهل بمقدراتها .

كيف تعرف بنفسك للقراء؟

- تخرجت في كلية شرطة دبي ضمن الدفعة الأولى، ومن ثم تدرجت في العمل بالسلك الشرطي وأغلب عملي كان مجال التحقيق الجنائي، حيث كنت مديراً لمركز شرطة القصيص لمدة تسع سنوات .

وفي شهر أغسطس/آب من العام 2005 تم نقلي مع ضباط شرطة إلى العمل القضائي بموجب مرسوم من حاكم دبي في تلك الفترة المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله، وقد تدرجت في العمل القضائي من المحكمة الابتدائية (محكمة الجنايات) إلى محكمة الاستئناف في المجال نفسه، وقد حصلت على شهادة الليسانس في الحقوق في العام ،1991 ثم حصلت على الماجستير في الجرائم الاقتصادية من جمهورية مصر العربية في العام ،1995 ولدي أيضاً دبلوم في العلوم الشرطية من كلية شرطة دبي 1991 .

وبالنسبة إلى دراستي الابتدائية فكانت في مدرسة الأحمدية، بينما كانت المرحلة الإعدادية في مدرسة الأقصى، أما الثانوية فدرستها في مدرسة بدر، وكنت ضمن أول دفعة تتخرج من هذه المدرسة في العام 1985 .

وأذكر هنا أنه في بدايتي الجامعية درست الهندسة في جامعة الإمارات فقد كُنت من خريجي الثانوية العامة - الفرع العلمي، لكن تزامنت هذه المرحلة مع إنشاء كلية الشرطة، ووجدت تشجيعاً على دخولها، وتحولت إلى المجال القانوني .

ومن شجعك على أن تكون قاضياً؟

- في البداية القاضي عبد اللطيف الجسمي، ومن ثم القاضي عبد القادر موسى وهو رئيس المحكمة العقارية حالياً، وصديقي القاضي الدكتور علي كلداري .

خدمة للوطن

مالذي أقنعك بأن تكون قاضياً؟

- لأن القاضي يسعى دائماً إلى تحقيق جزء من منظومة العدالة في المجتمع، وتحقيق الضوابط التي تضبط الأفراد والعلاقات بينهم، وكذلك المؤسسات وغيرها، وعندما يحقق القاضي العدالة، فإنه يقدم خدمة إلى وطنه .

أن تصبح قاضياً أمر ليس يسيراً، فلمن الفضل في ما وصلت إليه؟

- الفضل للوالدين ولشقيقي الأكبر، حيث شجعوني على الدراسة والعلم، وحثوني على الاجتهاد دوماً في العلم والعمل وتذليل الصعوبات، إضافة إلى دعوات الوالدة بالتوفيق الدائم .

من هي الشخصية التي ترى فيها نموذجاً يحتذى به؟

- القائد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، وهما اللذان ساهما في بناء الإمارات لتصبح دولة عظيمة، ودولة جديدة بالمنظومة القانونية والتشريعية التي أوجدت قوانين تتماشى مع التطورات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للدولة .

بعدما أصبحت قاضياً، ما هو طموحك القادم؟

- مثلما سعيت إلى خدمة الوطن آمل أن يسعى أبنائي إلى خدمته، فلدي 4 أبناء (ابنتان وولدان) فابني خالد أنهى الثانوية العامة، فيما تدرس ابنتي نورة في جامعة زايد تخصص تغذية، وعمر وفرح فلا يزالان على مقاعد المدرسة .

بالحديث عن الأبناء، هل تشجعهم على دخول السلك القضائي؟

- لا أفرض عليهم ذلك، فميولهم تتجه نحو الأشياء التقنية أكثر، وأنا ألاحظ أنهم عندما يشاهدون كم الملفات التي أعمل بها يشعرون بأن عمل القضاء صعب ومجهد .

ما الميزات التي يجب أن يتمتع بها القاضي؟

- يجب أن يتمتع القاضي بالهدوء وسعة الصدر والبال، وأن يكون قليل الحديث .

ولماذا؟

- لأن كلام القاضي يلاحظه الناس دوماً، وكأنه محسوب عليه، فالناس يستعينون بكلامه وأقواله حتى في الأحاديث العابرة، فمشكلة القاضي تكمن في أنه بهذه الصفة تبقى هيبته في أي مكان يكون فيه، وبالتالي عليه التزامات معينة يفرضها موقعه، وهذه الالتزمات لا تكون فقط أثناء وجوده في قوس المحكمة، وأوكد هنا أن صفات القاضي وتصرفاته ترسخ مبدأ حياديته ونزاهته، فهي معيار عمله باعتباره رجل العدالة، وهو ما يؤدي إلى اطمئنان الناس إليه، بأنه سيكون منصفاً في حل مشاكلهم .

ماذا عن أجواء عمل القاضي؟

- يجب أن يكون لدى القاضي جو هادئ، وأغلب عمل القضاة في الملفات يتم داخل منازلهم، وتوفير الهدوء للقاضي يجعله صافي الذهن، وبالتالي يتمكن من استيعاب ما يدور في ملف الدعوى .

وبعد أن حكم القاضي الجنائي يكون بما تطئمن إليه عقيدته وضميره، وبالتالي يفضل دائماً أن يكون الجو من حوله هادئاً، وأن يكون غير مشغول بشيء آخر .

ما السبل التي تراها لتحقيق العدالة؟

- الحياد والنزاهة والموضوعية والتمسك بالنصوص القانونية، والنظم والتشريعات المطبقة في الدولة، وما يطرح للقاضي من أدلة وإثباتات دون النظر إلى الجنس أو اللون أو اللغة .

أهم مبدأ

ما أهم المبادئ التي تسير عليها، في عملك القضائي؟

- قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .

ما الذي يميز قضاء الإمارات عن غيره؟

- التنوع الثقافي الموجود في الدولة أدى إلى تعدد أنوع الجرائم، وكيفية تنفيذها، وبالتالي انعكس ذلك على عمل القضاء وقوته، وكان هذا التنوع مصدر قوة، ما أدى إلى صدور أحكام قوية ومتعمقة، وملمة بجميع النواحي .

وقد أرست هذه الأحكام مبادىء قانونية من محكمة التمييز وأثرت بها المنظومة القضائية والقانونية كما أن التشريعات القانونية نظمت أغلب نواحي حياة الأفراد من تطورات علمية وتقنية كالقوانين المتعلقة بالجرائم الإلكترونية والمراسلات البريدية الإلكترونية والوسائط المتعلقة بالشبكة العنكبوتية .

الشك يفسر لصالح المتهم، ما معنى ذلك؟

- من المقرر أنه يكفي في المحاكمات الجنائية أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي يقضي بالبراءة، إذ إن مرجع الأمر في ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل ما دام الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة وهذا مبدأ أساسي في أي قضية، قبل أن تتم الإدانة، لذلك تجد القاضي دوماً يتابع ملف القضية بدقة من بدايتها في الشرطة وفي تحقيقات النيابة العامة حتى وصولها إلى القضاء، ولا يستطيع القاضي الحكم على الإنسان دون التدقيق والتمحيص في الأوراق، لأن ذلك له أثر في حياته وأسرته ومجتمعه .

وأذكر هنا أن مبدأ تفسير الشك لصالح المتهم يعتبر أمراً مشتركاً بين دساتير العالم، وكذلك الأمر طبعاً في دستور الإمارات، وأشير إلى أن هذا المبدأ ظهر من ضمن حقوق الإنسان بعد الثورة الفرنسية عام ،1789 حيث نودي منذ ذلك الزمن بأن الشك لصالح المتهم .

ومن أبرز الأمثلة على الشك قضية سيدنا يوسف عليه السلام التي ذكرها القرآن الكريمة، حيث فُسر ''قد'' القميص من الخلف لصالحه وأدى ذلك إلى إنصافه في تلك الواقعة الشهيرة التي يعرفها الجميع، حيث قوله تعالى فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .

كيف يوائم القاضي بين حياته العملية والعائلية؟

- يجب أن يوائم، وعلى عائلته معرفة ظروف عمله، فالقاضي يعمل ليل نهار وأغلب عمله في المنزل، وبالتالي هو في حاجة إلى هدوء وسكينة، وهذا على حساب التقائه بأصدقائه وأهله وزياراته للناس لأن القضايا في حاجة إلى تفرغ وهدوء .

حدثنا عن علاقتك مع أصدقائك قبل أن تصبح قاضياً وبعد ذلك؟

- زملائي وأصدقائي كانوا معي يعملون في شرطة دبي، وهم الآن قضاة مثلي أيضاً، ولاتزال العلاقة متواصلة ووطيدة .

واحة السلام

ماذا تعني لك الإمارات؟

- الإمارات واحة الأمن والسلام، وهي روحي وعشقي، وما يقوم به القضاة من مجهود اليوم هو ترسيخ للمبدأ الذي أنشئت على أساسه الدولة العدالة والمساواة والدولة المدنية بتشريعاتها المتنوعة ونظمها القانونية المتفردة بمتطلبات أفراد المجتمع، وبالتالي السعي الدؤوب إلى أن تكون الإمارات في مصاف الدول المتقدمة بإذن الله .

هل لك علاقة بالرياضة؟

- مارست أنواعاً عدة من الرياضة أثناء عملي في الشرطة، والآن أمارس رياضة المشي، فالرياضة مهمة جداً على كل شخص القيام بها، ونقول دائماً العقل السليم في الجسم السليم .

ماذا عن مؤلفاتك؟

- لدي عدة أبحاث الأول حول الجرائم الاقتصادية، والثاني عن عذر التلبس والثالث عن الضبطية القضائية، والرابع عن إجراءات التفتيش .

ما علاقتك بالسفر؟

- السفر عشقي المتجدد دائماً، وهو مرتبط بالمناطق التي أزورها وتكسبني الهدوء والسكينة والراحة، وأحب السفر لمعايشة الثقافات الأخرى، وأكثر الدول التي أفضلها هي ألمانيا وسويسرا .

ختاماً ما أمنيتك؟

- أقول إن الإنسان عندما يكون مسؤولا عن الآخرين سواء في أسرته أم في مجال عمله فانه يكون قاضياً في ما أنيط به من قرارات، فالوالد في البيت يكون قاضياً بين أفراد أسرته في ما يعرض له من وقائع ومشاكل، وكذلك مدير المؤسسة يعتبر قاضياً في مجال عمله بين موظفيه .

أما أمنيتي فهي أن يعم السلام أمتنا العربية قاطبة، ويكون رقي الشعوب في طلب العلم النافع لامتهم ووطنهم، وأن يرتقوا ببلادهم إلى مصاف الدول المتقدمة، وأن تكون دولة الإمارات وقيادتها الحكيمة القدوة في ذلك السعي إلى منفعة شعوبها، ولا ننسى قضيتنا الأساسية فلسطين، ويجب أن نعلم أبناءنا أن هناك مسجداً تحت حراب الاحتلال اسمه الأقصى، ويجب أن نؤكد أن الأمة العربية من الخليج إلى المحيط لا يحدها أي عائق إلا عائق الجهل بمقدراتها .