المفكرون، والفلاسفة، وعلماء الاجتماع والنفس والأنثربولوجيا، والسياسة والاقتصاد، ورجال الفكر الأدبي، وهواة الكتابة، كل هؤلاء يثيرون قضايا ومسائل تمس حياة الناس، أفراداً، وجماعات، وهم يثيرونها في أجواء مختلفة من قبيل الحوار المفتوح، أو النقاش العادي، أو في جو من المعارك الفكرية، والمشادات اللغوية، والكتابية بمختلف أنماطها نثراً وخطاباً، وحتى شعراً أو رواية، أو موسيقا، وأحياناً تثار هذه المسائل والقضايا في أجواء هادئة بغية تبادل الأفكار، أو وسط الأضواء، أو في ظل الشموع والقناديل، والأنوار الباهتة، في قلب القاعات الصغيرة، أو الكبيرة . تصطف فيها الكراسي المتواضعة أو الوثيرة، وفي أجواء التشنج والعصبية، والانفعال أو وسط جو من الترف الخالص وتبادل الابتسامات اللطيفة أو الضحك الزائف، لالتقاط الصور وبثها هنا وهناك الفقر والجوع والظلم والقهر والاضطهاد والقمع والاستبداد والتسلط وغير ذلك من مشكلات: الفرد، والمجتمع كل ذلك يقع في وسط نقاشات، وأعمال أولئك الذين ذكرنا في الأسطر السابقة . كان ذلك في تاريخ الفكر القديم وهو كذلك في حياتنا الفكرية، الحديثة، والمعاصرة .

في القرن الخامس قبل الميلاد، وعلى ضفاف البحر المتوسط النائية عن بلادنا ظهر في (أثينا) اليونانية ثالوث فكري فلسفي دعاه أحد علماء التفكير وتعليمه وهو (إدوارد دي بوتو) بمثلث عصابة الفكر القاتلة للنشاط الفكري الإنساني، وهذه العصابة أفرادها ثلاثة هم: سقراط، أفلاطون، ارسطو .

الأول، زعيم هذه العصابة، ابتدع ما يسمى بالطريقة الحوارية السقراطية، والطريقة الحوارية السقراطية مع بعض التعديلات مازلنا نمارسها حتى يومنا هذا . لقد كان الفيلسوف يثير مختلف القضايا التي كانت تشغل بال الناس . وكان يثيرها خاصة في أوساط الشبيبة، والأوساط الشعبية، ووسط شوارع أثينا . وكان يهدف من خلال حواراته استخلاص: المفاهيم، من ألسنة الناشئة، تلك المفاهيم الكامنة في قعر تفكيرهم ولكنهم لا يعلمون ذلك .

ولعل الهدف الاستراتيجي البعيد في رأينا، هو محاولة سقراط من خلال محاوراته، تغيير طرائق تفكير الناس People Mind، والثاني من أفراد العصابة الفكرية، وهو أفلاطون اشتهر بوضع كتابه الجمهورية، والذي انطلقت منه مختلف أنماط المدن الفاضلة، والذي قال عنه الفيلسوف جورج سانتيانا في لحظة نشوة فكرية عارمة: احرقوا جميع كتب البشرية، واحتفظوا بكتاب الجمهورية .

كان أفلاطون يريد من خلال كتابه أن يكون قاعدة لثورة فكرية في عصره، ومنطلق دعوة لبناء حضارة جديدة، بعد أن ران الفساد في مختلف جوانب الحياة . في عصره، وبدأت معالم انهيار حضارة (أثينا) أما الثالث، فقد ابتدع أو (يرجح) ما يسمى بلغات العالم كله و(المنطق) Logic، من هذه الكلمة، والتي هي من أكثر اللغات الإنسانية تداولاً، واستخداماً وهي من أكثر الكلمات ابتعاداً في مضمونها العميق عن عقول الناس . لقد شكلت هذه الكلمة قواعد التفكير السليم، أسوة بالقواعد التي تشكل نحو اللغة وحرفها، والقاضية بأن يتكلم الناس لغة سليمة، من الأخطاء، حيث إن المنطق يعلم الناس أن يفكروا بشكل سليم، وأن يكونوا منطقيين في الفكر والسلوك بعد أن تمكنوا من التعبير الصحيح والخالي من أخطاء اللغة، وباختصار إن قواعد اللغة تمكن الناس أن يتحدثوا، ويكتبوا بلغة خالية من الأخطاء، والمنطق يعلم الناس أن يفكروا تفكيراً خالياً من الخطأ .

ففيلسوفنا سقراط لم يكتب كلمة واحدة، ولم يسطر سطراً، وكان جل جهده الفكري هو: الحوار وإدارة الحوار، في جو من المعارف، أو الثقافة الشفوية التي كانت سائدة في عصره .

كان ينصب اهتمامه على: السؤال أكثر بكثير من اعطاء الجواب وكان يسأل ويستفسر ويستفهم، وأحياناً يدعي الجهل الكامل بهذا الأمر أو ذاك ليستدرج محاوره للانطلاق بالتعبير والكلام، فهو واضع للسؤال، ومنتظر الجواب من الآخرين، يشاركهم في البحث عن: الجواب . كان يثير الأسئلة المتعلقة بالحياة العاجلة، والحياة الآجلة على حد تعبير ثقافتنا العربية الإسلامية .

ماذا كان يريد فيلسوفنا في واقع الأمر؟ كان سقراط يريد إحداث: انقلاب في طريقة تفكير الناس، والواقع لم يستوعب الكثير من أبناء ملته، ورجال السلطة السياسية ورجال الفكر الأدبي، مراده، فوقع سوء فهم عظيم، لفكره، وانقطع الحوار بينه، وبين الآخرين . لم يرض عن (الطريقة السقراطية الانقلابية) السياسيون ولا الأدباء، ومحركوا الشارع ولا الناطقون بلسان الجماهير، حتى انقلب الجميع ضده .

أراد سقراط قلب التقاليد الفكرية السائدة، وأراد أيضاً أن يخدش السائد في: الفكر والسلوك فقال له لا . لقد تجاوزت الخطوط الحمر يا سقراط ذلك باستثناء النخب ذات البصيرة الحادة والهادفة إلى التغيير في أنماط التفكير البالية . اتهم سقراط بأنه يثير المشكلات، ويخلق المتاعب وينغص على الناس حياتهم المعتادة، وبالتالي يخلق مشكلات للسلطات السياسية، فانبرى كاتب مسرحي يوناني مشهور وهو (أرسطو فان) فكتب مسرحية الضفادع شخص فيها سقراط باعتباره يثير غضب الجماهير ويعمل على تأليب الجماهير ضد (أولي الأمر) فتألب عليه الناس من جراء عرض هذه المسرحية الساخرة من الفيلسوف، فسجلت أثينا أول موقف في التاريخ مضاد للعقل، وسجلت أول هجوم عليه .

قدم الفيلسوف إلى المحاكمة بتهمة أنه يثير الشغب ويفسد شبيبة أثينا، ويثير مشكلات للمجتمع الأثيني هو في غنى عنها، فاقتيد سقراط إلى السجن بعد أن حكم عليه بالإعدام .

كان بإمكان الفيلسوف الفرار من السجن، وقد عرض عليه أصدقاؤه المساعدة فرفض، لأنه كان يريد إطاعة قوانين بلده . ومن المفيد رجوع القارئ إلى محاورات تلميذه سقراط أي افلاطون، وخاصة في محاورة (اوطيفرون) حيث سجلت وقائع المحكمة، وصدور الحكم، ودفاع سقراط وخطاب: المدعي العام .

كان مشروع سقراط و(خطابه الشفوي) Discours أو خطته اللامكتوبة هو: قلب طرائق التفكير السائدة القائمة على: الأوهام، والخرافة، والجهل، والتعصب، والأهواء، والتطرف من ناحية ومن ناحية ثانية أراد أن تسود لغة الحوار الفكري وآلياته بين الناس، لقد أراد إزالة الرواسب الراكدة في الفكر والتي تصعد بين الحين والآخر من قبيل: التحيز، التعصب، وعدم التمييز بين الحقيقة والحلم، بين الحلم والواقع، بين الحدث وصانعه، بين الخطأ والصواب، بين المعلومات السطحية والمعلومات العلمية، وكان يدعو إلى النظرات الشمولية، والطابع الكلي، والسياق العام للحدث والنظر إلى الأمور بين العقل، لا بعين العين .

الحوارات الإلكترونية الكتّاب والمدوّنون الواقع لا زلنا في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين نمارس بشكل ما، الطريقة السقراطية الحوارية، ولم تأت الثورة التكنولوجية المعاصرة، والتي يجسدها (الإنترنت) إلا ليعكس نمطاً ما، من الأسلوب السقراطي، أعني الحوار الذي يدور ما بين الكتاب والباحثين والمفكرين وبين المتابعين لهذه الأعمال . ورغم أن كثرة المدونات المعاصرة يغلب عليها: السطحية والتفاهة، وسوء الفهم، وضحالة الفكر، وقلة المعلومات والتقصير في المتابعة، إلا أن الطريقة هي (سقراطية) لقد كان سقراط يقول لمحاوريه: إن أمة تعمل قابلة (مولّدة) للنساء، وهو يقوم: بتوليد الأفكار، أو ما يسمى باليونانية (المايوتيك)، ذلك أن جدوى الحوار في النهاية هو: ولادة أفكار جديدة كالمولود الجديد بين المتحاورين، وإلا ينقلب الحوار إلى ثرثرة فوق النيل!