كان أهل دومة الجندل، قد عاهدوا المسلمين غير مرة، ونكثوا بعهودهم . فأمعن خالد رضي الله عنه في تأديبهم وجعلهم نكالاً لغيرهم . ثم كانت بعد ذلك وقعة الحصيد ووقعة الخنافس، ومضيح البرشاء والثنى والزميل . وقد كان خالد يمضي في هذه المعارك في العراق، من نصر إلى نصر . وكانت آخر وقائعه بالفراض، وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة . واجتمعت على خالد رضي الله عنه هناك جنود الروم وبعض قبائل العرب الموالية لكسرى وقيصر، إضافة إلى جند الفرس الذين كانوا يخوضون آخر معاركهم مع خالد بن الوليد على أرض العراق . وقد قاتلهم خالد جميعاً، ومزّق جموعهم، ثم أمر بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة سنة 12 ه، فعسكر جنده فيها، أما خالد نفسه، فقد سار إلى مكة من أجل أداء فريضة الحج . وهو أول حج له، بعد تلك الغزوات المتلاحقات التي أمدّه اللّه فيها بنصرٍ من عنده .

إعجاب وتكليف

وكانت هذه الحرب، آخر حروب خالد رضي الله عنه التي أصلى نارها الفرس والقبائل العربية الداخلة في طاعتهم على أرض العراق . وقضى على ملك الفرس، فمهّد بذلك لإزالة دولة الأكاسرة التي كانت من أعظم الدول شأناً . وقد علم الخليفة أبو بكر رضي الله عنه ببطولات خالد وفتوحاته على أرض العراق، وقد جاءه منه إعجاب وتكليف: إذ أمره بالاستعداد لحرب الدولة الرومانية، بعد نصره الذي حققه على الدولة الفارسية، ومما جاء في رسالة الصديق إلى خالد: فليهنك أبا سليمان النية والحظوة . فأتمم يتمم اللّه لك . ولا يدخلنك عجب، فتخسر وتخذل . وإياك أن تدل بعمل، فإن اللّه له المن وهو ولي الجزاء .

وكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح في الشام، يخبره بمقدم خالد إليه: سلام اللّه عليك . أما بعد . . فقد وليت خالداً قتال العدو في الشام . فلا تخالفه واسمع له وأطع . فإني لم أبعثه عليك إلاّ تكون عندي خيراً منه . ولكنني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك . أراد اللّه بنا وبك خيراً . والسلام .

وأرسل خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح يبلغه قبل مقدمه، بكتاب يقول فيه: أتاني كتاب خليفة اللّه يأمرني بالسير إلى الشام، وبالقيام على جندها والتولي لأمرها . والله ما طلبت ذلك قط ولا أردته إذ وليته . فأنت على حالك الذي كنت عليه . لا نعصيك ولا نخالفك . ولا نقطع دونك أمراً . فأنت سيد المسلمين . ولا ننكر فضلك ولا نستغني عن رأيك .

والواقع أن جنود المسلمين في الشام، كانوا قد اجتمعوا في اليرموك، وأخذوا يطاولون العدو ويطاولهم . ويصاولونه ويصاولهم . وكتبوا إلى أبي بكر يستمدونه . فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يسير بنصف الناس إلى الشام، واستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني . فصدع خالد بالأمر . وكان مسيره من الحيرة على قول بعضهم . وقال آخرون: إنه سار من عين التمر . ولما سار استخلف على العراق المثنى بن حارثة الشيباني، وقال له: ارجع رحمك اللّه إلى سلطانك غير مقصر ولا وانٍ . وقد كان المثنى استأذن أبا بكر بحرب من حوله من الفرس والعرب الموالية لهم، فأذن له وولاه جند العراق . ثم أرسل خالداً رضي الله عنه إلى العراق، وأمر المثنى بالسمع والطاعة له . ولما سار خالد إلى الشام عاد العراق تحت إمرة المثنى .

معارك على الطريق

والحق يقال، إن الخليفة أبا بكر رضي الله عنه، إنما اختار خالداً لبلاد الشام، لأن العراق كان في هدأة من جانب الفرس بعد هزائمهم الكثيرة . وكان في جيش المسلمين وقواده بالعراق كفاية للمثابرة على الفتح بعد أن تم التدويخ والتمهيد . ولأن خالداً كان أقرب مدد إلى الشام، ولم يكن بالحجاز بقية من قوة تضاف إلى قوات المسلمين في حرب الرومان . فاختاره الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وهو أدرى بقدرة خالد في القتال وقال: لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد .

سار خالد بن الوليد بمن معه من جند الإسلام، وكانوا ستة آلاف على رواية بعضهم وتسعة على رواية البعض الآخر . وقال المؤرخون إن أبا بكر أمره أن يأخذ معه أهل النجدة . ولعل الرواية الأولى أصح . وأغار في طريقه على جمع من تغلب وكلب على ماء يسمى قراقر . ومن ثم أخذ جيشه طريق المفازة مع خطر المسير فيها لفقد الماء منها، وقال له الدليل، واسمه رافع بن عميرة الطائي، إنك لن تطيق قطع المفازة بالخيل والثقال . فقال خالد رضي الله عنه: لا بد لي من ذلك، لأخرج من وراء جموع الروم، واحتاط لقطع المفازة بأن أمر كل جماعة ممن معه بأخذ الماء للشبعة لخمس، وأن يعطشوا الإبل ثم يسقوها وأن يشدوا مشافرها حتى لا تجتر، وذلك لاستخدام الماء المجتمع في كروشها وقت الحاجة .

وركب خالد بجيشه من قراقر، فلما وصل إلى سوى أغار رضي الله عنه على جمع من بهراء . ثم وصل أرك، ثم وصل تدمر فتحصن أهلها . ثم صالحوه . ثم أتى القريتين، فقاتل أهلها، فظفر بهم . ثم فعل بجوارين قربها مثلما فعل بالقريتين .