قبل ثمانية عشر عاماً، رحل عنا رحيلاً متوارياً في الظل، أحد أعضاء جيل الرواد في تأسيس الأغنية اللبنانية، بشخصيته المميزة . فالشائع عادة أن الأخوين رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا، قد أطلقوا في عقد الخمسينات النهضة الكبرى في الموسيقى والأغنية اللبنانية .

ومع أن هذا الكلام دقيق وصحيح، إلا أنه لا يمثل إلا نصف الحقيقة، ويحجب في كثير من الأحيان جهد جيل أول انطلق في عقد الأربعينات يضع اللبنات الأولى في الأغنية اللبنانية، التي لم يكن لها قبل ذلك وجود إلا في أشكال الأغنيات الشعبية الفولكلورية التي كانت تقدمها إذاعة بيروت (التي تأسست باسم إذاعة المشرق) في العام ،1938 تحت سلطة الانتداب الفرنسي على لبنان .

وقتها برزت ثلاثة أسماء بالذات في مقدمة صفوف جيل المؤسسين هذا، هي أسماء فيلمون وهبي، ونقولا المني وسامي الصيداوي . علماً بأن هناك من يضم إلى القائمة أسماء أخرى مثل يحيى اللبابيدي، وعمر الزعني .

وسامي الصيداوي هو الاسم الفني الذي اشتهر به سامي الصيداوي، ذلك أن اسمه الحقيقي هو سامي صاصي، أما اسمه الفني فقد اكتسبه من مدينته صيدا .

يتميز سامي الصيداوي عن رفاقه بأنه الوحيد بينهم الذي كان يكتب أشعار أغنياته بنفسه قبل أن يلحنها، ويغنيها أحياناً .

تميز الشعر الغنائي لسامي الصيداوي، وكذلك ألحانه، برومانسية حزينة، غلبت معظم ألحانه، إن لم نقل كلها .

أول لحن اشتهر به سامي الصيداوي (وكتب كلماته) هو لحن يا جارحة قلبي، المسجل والمعروف بصوت المطربة الكبيرة نجاح سلام . وقد حدثني الفنان الصيداوي ذات يوم عن هذا اللحن، فأخبرني أنه عندما لحنه على آلة العود، لم يكن على دراية بأسماء المقامات الموسيقية العربية، ولم يكن بالتالي يعرف ما هو مقام لحنه الأول يا جارحة قلبي . لذلك فقد وقع في حرج شديد عندما دخل الإذاعة اللبنانية لتقديم لحنه الأول وسأله رئيس الفرقة الموسيقية يومها عازف العود البارع محيي الدين سلام (والد نجاح سلام) عن مقام لحنه الذي يريد بيعه للإذاعة اللبنانية .

كذلك لم يكن لدى الفنان سامي الصيداوي أي فكرة عن الصوت الذي سيشدو بلحنه الأول، فقد كان قبول اللحن هو كل ما يهمه، لذلك شعر براحة شديدة عندما أعجب محيي الدين سلام باللحن وكلماته، واقترح أن تقوم بغنائه ابنته نجاح سلام، المطربة الناشئة في ذلك الوقت .

بعد هذا اللحن الأول، الذي عرف الصيداوي فيما بعد، أنه على مقام البياتي، اندفع يكتب ويلحن لإذاعة بيروت عدداً من الألحان ذات الطابع الشعبي المطرب . وكان أحياناً يقوم بتسجيل بعض ألحانه بصوته الشجي . ويفرح عندما يتقدم مطرب معروف أو مطربة معروفة لطلب أحد هذه الألحان منه .

تعرف الصيداوي مبكراً إلى الموسيقار توفيق الباشا، فنشأت بينهما صداقة حتى آخر العمر . وقد بلغ من إعجاب الباشا بالموهبة الفطرية اللامعة لسامي الصيداوي، أنه أصبح متخصصاً في تحويل كل ألحانه، من صورتها الأولية ليلبسها ثوباً أوركسترالياً قشيباً .

أشهر الأصوات التي غنت من ألحان سامي الصيداوي إيليا بيضا، ونجاح سلام،(يا جارحة قلبي) ومحمد مرعي (وينك يا ليلى) ووداد، زوجة توفيق الباشا، ووديع الصافي .

وكانت بتندم أشهر وأجمل ما غنت له وداد . أما وديع الصافي، فقد قام توفيق الباشا بمهمة إقناعه بغناء لحن الصيداوي الرائع يا طالعين عالقمر، الذي كتب كلماته يوم صعود أول إنسان إلى سطح القمر . كذلك اشتهرت لسامي الصيداوي بعض أغنياته الانتقادية الظريفة، مثل مش مهضوم يا برهوم .

أصابت الحرب الأهلية اللبنانية الفنان سامي الصيداوي بحالة شبيهة بالاكتئاب، حتى أنه هجر مدينته صيدا، إلى ضواحي جونيه، ودخل فيما يشبه عزلة فنية كاملة، حتى رحيله .