قال تعالى: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (ابراهيم: 6).

وقفنا في المقالة السابقة بعون الله تعالى على بيان قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم .. وحللنا الآية الكريمة تحليلا ازعم أنه واف بما يغني عن الإعادة هنا، ولكن يتبقى لي بيان أوجه التشابه والاختلاف بين هذه الآية وبين آيتي البقرة والأعراف، واليك الآيات الكريمة حسب ترتيبها المصحفي:

قال تعالى: وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (البقرة: 49).

وإذ انجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ابناءكم ويستحيون نساءكم. وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (الاعراف: 141).

وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ انجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. (ابراهيم: 6).

والملحوظ في الآيات الثلاث وحدة الموضوع وهو الامتنان على بني اسرائيل بنعمة الانجاء من بطش آل فرعون، ولكن تطرح هنا ثلاثة تساؤلات:

أولها: لماذا قيل في البقرة بالتضعيف: نجيناكم وفي الأعراف وإبراهيم من دون تضعيف في قوله أنجيناكم وأنجاكم؟

ثانيها: لماذا قيل في البقرة وابراهيم يذبحون وفي الاعراف يقتلون؟

ثالثها: لماذا قيل: يذبحون في البقرة ويقتلون في الاعراف بسقوط حرف العطف الواو، وثبوته في ابراهيم حيث قيل: ويذبحون على الرغم من أن القصة واحدة؟

التذكير بالنعم

والاجابة عن السؤال الأول ان سياق الآية في سورة البقرة سياق تعداد لنعم الله تعالى وآلائه على بني اسرائيل حيث ذكر نجاتهم من آل فرعون، وفرق البحر بهم، ونجاتهم وهلاك فرعون وآله بالغرق، قال تعالى: وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون. (البقرة: 50)، ثم ذكر سبحانه عفوه عنهم في عبادة العجل كما يدل عليه قوله تعالى: وإذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (البقرة: 51 52)، وذكر توبته عليهم وبعثهم من بعد موتهم عند مطلبهم الرؤية وتظليلهم بالغمام وانزال المن والسلوى وهذا يدل عليه قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون. وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (البقرة: 55 57). إذن تلحظ في البقرة تعدد التذكير بالنعم، ليرتدع القوم عن المخالفة والعناد وهذا التعدد يناسبه التضعيف الدال على الكثرة. ولو قيل هنا: وإذ انجيناكم لما انبأ بتلك الكثرة، ولا ناسب المقصود مما ذكر، كما كان في ايثار التضعيف في نجيناكم تشاكل لفظي مع التضعيف في قوله بعده: يذبحون، بجانب مناسبة المعنى في دلالة التضعيف في يذبحون للتكرار والكثرة. ولو قيل هنا انجيناكم لما ناسب ما بعده لفظاً. والله أعلم. إذن نوجز لك علة التضعيف في نجيناكم في البقرة فنقول: إنه لما كان المقصود في سورة البقرة تعداد وجوه المن والانعام على قوم موسى وتواليه، لبيان فظاعة جحودهم، وشنيع مرتكبهم بما فعلوه من مخالفات مهلكة في مقابلة ذلك الانعام بالكفر والنكران والجحود كان تضعيف الفعل هو الملائم لهذا المعنى. ولا تجد هذا التفصيل والتعداد في سورتي الاعراف وابراهيم، لذا كان من المناسب ذكر الفعل فيهما غير مضعف العين. وقيل في بيان العلة السابقة: إنه لم يذكر في سورة البقرة شيء من أحوال بني اسرائيل مع فرعون وآله إلا الآية المذكورة، لذا كان من الملائم ذكر نجّى بتضعيف العين في الفعل لما فيه مكث وتمهل، أو بعبارة أخرى أنه لم يوجد في سياق سورة البقرة تفصيل لمعاناة قوم موسى واحوالهم مع فرعون وآله والمجتمع الذي يعيشون فيه، وهذا لا يستدعي الاسراع في انجائهم، لذا كان من الملائم ذكر صيغة التضعيف التي تدل على التريث والتمهل في الانجاء، ولما كان سياق آية سورة الاعراف فيه إطالة وتفصيل لمعاناة قوم موسى ابتداء من الآية الرابعة بعد المائة الى الآية الحادية والاربعين بعد المائة. فقد وصلت معاناة قوم موسى الى ذروتها حتى قالوا لموسى عليه السلام: قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (الاعراف: 129) فتلك المعاناة الطويلة، والحال المتوترة، ورجاء موسى عليه السلام بالنصر والاستخلاف في الأرض كما يدل عليه عسى هذا كله اقتضى استعمال الصيغة التي تدل على الاسراع في انجائهم فقال أنجى لأن الوقت وحالة القوم النفسية لم يعودا يتحملان ارجاء النجاة.

ولما جعل العذاب في سورة ابراهيم لوناً آخر من ألوان العذاب، فزاد بذلك على العذاب المذكور في سورة البقرة، حيث عطف تذبيح الأبناء على سوء العذاب في آية ابراهيم بخلافه في سورة البقرة، فكان ذلك دلالة على الزيادة في العذاب مما اقتضى الاسراع في الانجاء كما ذكر في آية الاعراف. وهذا رأي وجيه جدا يعتمد على استقراء سياق استعمال الفعلين نجى وانجى في القرآن الكريم حيث استخلص ان لغة القرآن كثيراً ما تستعمل نجى للتريث والتمهل في التنجية، وتستعمل انجى للإسراع في الانقاذ والاغاثة والتخليص من الشدة والكرب. ومما ذكره صاحب هذا الرأي للتدليل على صحة استنتاجه وهو صحيح ان شاء الله قوله تعالى: وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون البقرة: 49 50) فإنه لما كانت النجاة من البحر لم تستغرق وقتاً طويلاً ولا مكثا استعمل انجى. بخلاف البقاء مع آل فرعون فإنه استغرق وقتاً طويلاً ومكثا فاستعمل له نجى. وأضيف وجهاً ثالثاً لتضعيف الفعل نجّى في البقرة، وهو أنه سبحانه لما ذكر فيها عدداً من جنايات بني اسرائيل ناسبه الابطاء أو التمهل في انجائهم من بطش آل فرعون عقابا لهم وهذا المعنى يناسبه التضعيف، أما في سياق آية سورة الاعراف فلم تذكر تفاصيل جرائم بني اسرائيل وجناياتهم كما ذكرت في سورة البقرة، كما خلت سورة ابراهيم من ذلك، لذا كان من الملائم الاسراع في انجائهم مما ابتلوا به، والله اعلم بمراده، واعوذ به من الزلل.

القتل والموت

والاجابة عن السؤال الثاني: أنه قيل أولا في سورة البقرة يذبحون، لأن الذبح منبئ عن القتل وصفته، وأصله شق حلق الحيوانات، وأما القتل فيدل على اعدام الحياة على العموم، واصله: ازالة الروح عن الجسد كالموت، لكن اذا اعتبر بفعل المتولي أي المباشر لذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال موت قال تعالى: أفإن مات أو قتل (آل عمران: 144)، المهم أنه عبر أولا في آية سورة البقرة بما يوفي المقصود من الاخبار بالقتل وصفته فقيل: يذبحون وفي هذا احراز للايجاز، إذ لو ذكر القتل واتبع بصفته لما كان ايجازاً فعدل عن ذلك الى ما يحصل به المقصود. وعبر في آية سورة الاعراف بالقتل، لسبق التعبير عنه وعن صفته في سورة البقرة، فكما احرز الايجاز أولاً في البقرة بذكر ما ينبئ عن الذبح وصفته، احرزه في الاعراف ثانياً بذكر ما يدل على عموم مفارقة الحياة. واضيف وجهاً آخر في دلالة التعبير بالقتل دون الذبح في الاعراف فأقول: إذا كان في التعبير عن قتل الابناء بالذبح في آيتي البقرة وابراهيم ايماء الى أن قوم موسى فعل بهم ذلك وهم سالمون غير ثائرين، وفي غير اندفاعة ثورة، فإن التعبير بالتقتيل في سورة الاعراف فيه إلماح واشارة الى ظهور حركة تمرد وشغب من القوم، بدلالة سياق الآية نفسها في سورة الاعراف كما شرحنا من قبل، ففيها تفصيل وإطالة في بيان احوالهم المتردية مع فرعون وقومه، ولعل هذا ما دفعهم الى التمرد والاحتجاج مما دفع آل فرعون الى الاسراع بإزهاق أرواح ابنائهم المولودين، فلذا كان من الملائم التعبير بالقتل، وكأنك تلمح في التعبير بالفعل اشارة الى الحركة الحثيثة، والسعي الدؤوب من آل فرعون لزهق ارواح ابناء المتمردين لوأد الفتنة في مهدها، ومما يؤيد كلامي التعبير في الاعراف ب انجيناكم الذي يدل على الاسراع في الانجاء والتخليص من المحنة، لأن حالتهم قد بلغت الذروة في السوء، فلم يعد الوقت يحتمل الارجاء بعد أن اشتد طيش عقل آل فرعون. ولعل هذا سر استعمال الفعل انجى ايضاً. اذن استطيع القول بأن التعبير بالتذبيح في البقرة وابراهيم أعطانا صورة لامعان آل فرعون في اعمال سيوفهم في رقاب قوم موسى، أما التعبير بالقتل فأعطانا أو أرانا صورة أخرى من المشهد وهو الازهاق السريع لارواح ابناء بني اسرائيل، بل ولبعض آبائهم. والله اعلى وأعلم بمراده.

كمال الاتصال

أما الاجابة عن السؤال الثالث فإننا نقول: ان حذف الواو قبل يذبحون ويقتلون في البقرة والاعراف اشار الى أن التذبيح والتقتيل تفسير للعذاب وبيان له في قوله تعالى يسومونكم سوء العذاب، كما تقول: زارني الضيوف محمد وعلي وسعد فلا تحتاج الى العطف بالواو في محمد. ونظيره قوله تعالى: ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب (الفرقان: 68 69).

الفصل فيما سبق إنما كان بسبب تواصل الجمل من داخلها، فالجملة وقعت في المواضع المذكورة مبينة لما قبلها، لذا فهي لا تحتاج الى رابط أي عطف بالواو، وهذا النوع من الفصل يطلق عليه كمال الاتصال. أما اثبات الواو قبل التذبيح في سورة ابراهيم ففيه دلالة على تنوع العذاب وشدته، وكأن المعنى: يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح، فقوله تعالى: ويذبحون ابناءكم جعل التذبيح لفظاعته وشدته وكثرته وتكرره كأنه جنس آخر من العذاب يفوق في تلك الأوصاف العذاب قبله، ففي قوله سبحانه: يسومونكم سوء العذاب اجمال لما امتحن به القوم من فرعون وآله من حيث اذلالهم بالأعمال الشاقة وامتهانهم، واستحياء نسائهم، وذبح الذكور، وجيء بالتذبيح معطوفاً، للدلالة على مغايرته لما قبله لأن العطف يقتضي المغايرة في الشدة والفظاعة، وقد اجمل التذبيح في قوله تعالى: يسومونكم سوء العذاب فمما لا شك فيه ان التذبيح من جنس العذاب، ثم افرد التذبيح وخص بالذكر والنص والتعيين للعلة المشار اليها آنفاً، كما ورد في قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (البقرة: 238). فالصلاة الوسطى من الصلوات، وداخلة فيها ومندرجة تحتها، ثم خصت بالذكر وافردت دلالة على مكانتها وأهميتها ومنه ايضاً قوله تعالى: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (البقرة: 98) فجبريل وميكال من الملائكة، ولكنهما خصا بالذكر وافردا بعد قوله وملائكته، للاشارة الى مكانتهما العظيمة، وكأنهما صارا من جنس آخر يفوق الملائكة. وهذا يسمى في البلاغة ذكر الخاص بعد العام. المهم أنك عرفت الآن أنه حيث اسقطت الواو من التذبيح جعل ذلك بياناً وتفسيرا للعذاب، وحيث اثبتت جعل التذبيح كأنه جنس آخر من العذاب يفوق ما قبله، وذلك لأن الشيء لا يعطف على نفسه، فالعطف يقتضي المغايرة دائماً. والله أعلم بمراده. ولم يتبق لي في تأمل تلك الآيات المتشابهات إلا الاشارة الى ما يأتي:

- قيل: ان اسم فرعون يطلق على كل من ولي القبط ومصر. وقيل: إنه اسم ذلك الملك بعينه الذي ادعى الألوهية فقال: أنا ربكم الأعلى وقيل: إنه اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشي للحبشة.

- عبر عن البنات باسم النساء في قوله تعالى: ويستحيون نساءكم، لأن جنس النساء يشملهن، أو باعتبار المآل أو ما سيكون، وفيه مجاز مرسل بعلاقة ما سيكون بناء على المعنى الأخير.

- نسب الله تعالى الفعل الى آل فرعون، وهم إنما كانوا مأمورين بأمر فرعون، لتوليهم ذلك بأنفسهم، وليعلم أن المباشر أي للفعل مأخوذ بفعله.

- قرأ الجمهور يذبحون بالتشديد، وهذه القراءة تدل على المبالغة في التذبيح وكثرته وتكرره. وقرأ ابن محيصن يذبحون بالتخفيف، وفي ذلك اشارة الى سهولة مباشرتهم لذلك الفعل الشنيع بما كانوا يملكون من جند واعوان. والله أعلى وأعلم بمراده. أخيراً ندعو الله الا يحرمنا أجر الاجتهاد، وان يمن علينا بفهم مراده في كتابه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

جنس آخر من العذاب

قوله تعالى: ويذبحون ابناءكم جعل التذبيح لفظاعته وشدته وكثرته وتكرره كأنه جنس آخر من العذاب يفوق في تلك الأوصاف العذاب قبله، ففي قوله سبحانه: يسومونكم سوء العذاب اجمال لما امتحن به القوم من فرعون وآله من حيث اذلالهم بالأعمال الشاقة وامتهانهم، واستحياء نسائهم، وذبح الذكور، وجيء بالتذبيح معطوفا، للدلالة على مغايرته لما قبله لأن العطف يقتضي المغايرة في الشدة والفظاعة، وقد اجمل ومما لا شكل فيه ان التذبيح من جنس العذاب، ثم افرد التذبيح وخص بالذكر والنص والتعيين للعلة المشار اليها آنفا، كما ورد في قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (البقرة: 238) فالصلاة الوسطى من الصلوات، وداخلة فيها ومندرجة تحتها، ثم خصت بالذكر وأفردت دلالة على مكانتها وأهميتها.

[email protected]