تدور وحدك في الليل، وناس القاهرة عندما يهجعون تتحول المدينة إلى حلم، عبر حواري الجمالية، أيها البعيد القريب، للمكان سطوعه في الذاكرة، والأسماء آخر الأمر علامات على تواريخها حواري وأزقة، وعطوف ودروب، أحبها صاحبها، وانحاز لها.
جوامع وأسبلة وأضرحة لبشر راحلين. وصوت يأتي عبر الليل منشدا لغته: وحد إلهك يا غفلان.
تدور الصيحة دورة، ودورة، مخترقة خان الخليلي، زقاق المدق، بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، بيت القاضي... الخ
عالم من الماضي الراسخ، والحاضر فضيلة من ذاكرة ضد النسيان
عالم يستمد وجوده من حوادثه، من صوفيته، من زواره طالبي الشفاعة من حارس المكان، من هؤلاء المجاذيب بلا أسماء ينتقلون من المخيلة إلى الورق.
كبير المقام، مؤسس رواية العرب، نجيب محفوظ، عليه رحمة الله، من فتح عيوننا على الدهشة، ونبهنا أن الكتابة رؤية، وأنها مثل جرح لا ينسى.
أتذكر أنني كنت طفلاً أدرج على شاطئ نهر في قرية منسية، يتفتح وعيه على الدنيا وبيده مجلة بلا غلاف، مكتوب على صفحتها رأي قديم قاله محفوظ في الأربعينات يرد به على عباس العقاد مختلفاً معه حول أهمية الرواية وتأثيرها في مواجهة الشعر، باعتبار هذا الفن الجديد أكثر وعياً وإرهاصاً بحركة تطور أشكال الكتابة. يومها قال: «ساد الشعر في أزمان الفطرة، أما عصر العلم والصناعة فتحتاج لفن جديد يوفق بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق، وحنانه القديم إلى الخيال وقد وجد العصر بغيته في القصة».
يستشرف نجيب محفوظ، منذ الأربعينات، بأن زمن الكتابة سوف يختلف وأن الإبداع سوف يهتم بوعي جديد، وبفن اسمه الرواية.
منذ العام 1945 يؤسس نجيب محفوظ مشروعه الروائي حتى انتهى لكتابيه الفريدين «أصداء السيرة الذاتية» و «أحلام فترة النقاهة» تجربة موازية لعمر من الإرادة القصوى، تنفتح على فضاء من عوالم رأيناه يجسد من خلاله رسم حيوات لأشخاص عبروا عنا، ونماذج دخلت حياتنا، وفتحت عيوننا على الحقيقية.
في كتابه الجميل «أصداء السيرة الذاتية» يجسد محفوظ شخصية، عبد ربه التائه، رجل ينطق بالحكمة، وتحمل كلماته دلالات توقظ الوعي، وتشير ناحية الحنين.
يسأله أحدهم:
كيف تنتهي المحنة التي نعانيها؟
يجيب:
إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل.
يتواتر الزمن، وتتغير الدنيا، وعبر روايات تلاحق متغيرات تلك الحياة: المظالم، صراخ الفقير، تداخل القيم، العدل والحرية.
يخطو في الفجر كعادته، خارجاً من بيته في طريقه لمقهى منعزل يقع على ميدان يشبه الكعكة الحجرية، من هناك يراقبونه، ويترصدون خطواته.
مساء الجمعة 14 أكتوبر/تشرين الأول، في الساعة الخامسة حيث موعد ندوته يخرج إلى صديقه الأديب، ينتظر قليلاً في السيارة. يخرج مع دخلة الليل شاب ينقبض وجهه على ضغينة ومد يده، ظن الكاتب الكبير أنه يود أن يصافحه فمد له يده بالسلام فإذا بالشاب ينحني مستجمعاً قواه ويطعن الشيخ الجليل في العنق بسكين لا تعرف الرحمة فيمزق الشرايين ويجز العنق ويترك أداته في عنق الشيخ ويهرب تاركا إياه غارقاً في دمه.
يومها سألوا القاتل:
- لماذا حاولت قتل الشيخ؟
- حاولت قتله لأنه كافر.
- هل قرأت له شيئاً؟
- أنا لا أقرأ للكفار.
صوت ينبع من قلب جماعات التكفير التي تروعنا الآن، وتسد أمامنا المنافذ، والتي قدمت الفتوى بأن نجيب محفوظ واحد من الكفار المرتدين.
رحم الله نجيب محفوظ الذي انطوت تجربته على تمجيد الإنسان، وكان من الكتّاب الاستثنائيين الذي أطلق يوماً باسمهم مقولته «أطبق الشر على الإنسان فأبدع الإنسان الخير في جميع المسالك».
جوامع وأسبلة وأضرحة لبشر راحلين. وصوت يأتي عبر الليل منشدا لغته: وحد إلهك يا غفلان.
تدور الصيحة دورة، ودورة، مخترقة خان الخليلي، زقاق المدق، بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، بيت القاضي... الخ
عالم من الماضي الراسخ، والحاضر فضيلة من ذاكرة ضد النسيان
عالم يستمد وجوده من حوادثه، من صوفيته، من زواره طالبي الشفاعة من حارس المكان، من هؤلاء المجاذيب بلا أسماء ينتقلون من المخيلة إلى الورق.
كبير المقام، مؤسس رواية العرب، نجيب محفوظ، عليه رحمة الله، من فتح عيوننا على الدهشة، ونبهنا أن الكتابة رؤية، وأنها مثل جرح لا ينسى.
أتذكر أنني كنت طفلاً أدرج على شاطئ نهر في قرية منسية، يتفتح وعيه على الدنيا وبيده مجلة بلا غلاف، مكتوب على صفحتها رأي قديم قاله محفوظ في الأربعينات يرد به على عباس العقاد مختلفاً معه حول أهمية الرواية وتأثيرها في مواجهة الشعر، باعتبار هذا الفن الجديد أكثر وعياً وإرهاصاً بحركة تطور أشكال الكتابة. يومها قال: «ساد الشعر في أزمان الفطرة، أما عصر العلم والصناعة فتحتاج لفن جديد يوفق بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق، وحنانه القديم إلى الخيال وقد وجد العصر بغيته في القصة».
يستشرف نجيب محفوظ، منذ الأربعينات، بأن زمن الكتابة سوف يختلف وأن الإبداع سوف يهتم بوعي جديد، وبفن اسمه الرواية.
منذ العام 1945 يؤسس نجيب محفوظ مشروعه الروائي حتى انتهى لكتابيه الفريدين «أصداء السيرة الذاتية» و «أحلام فترة النقاهة» تجربة موازية لعمر من الإرادة القصوى، تنفتح على فضاء من عوالم رأيناه يجسد من خلاله رسم حيوات لأشخاص عبروا عنا، ونماذج دخلت حياتنا، وفتحت عيوننا على الحقيقية.
في كتابه الجميل «أصداء السيرة الذاتية» يجسد محفوظ شخصية، عبد ربه التائه، رجل ينطق بالحكمة، وتحمل كلماته دلالات توقظ الوعي، وتشير ناحية الحنين.
يسأله أحدهم:
كيف تنتهي المحنة التي نعانيها؟
يجيب:
إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل.
يتواتر الزمن، وتتغير الدنيا، وعبر روايات تلاحق متغيرات تلك الحياة: المظالم، صراخ الفقير، تداخل القيم، العدل والحرية.
يخطو في الفجر كعادته، خارجاً من بيته في طريقه لمقهى منعزل يقع على ميدان يشبه الكعكة الحجرية، من هناك يراقبونه، ويترصدون خطواته.
مساء الجمعة 14 أكتوبر/تشرين الأول، في الساعة الخامسة حيث موعد ندوته يخرج إلى صديقه الأديب، ينتظر قليلاً في السيارة. يخرج مع دخلة الليل شاب ينقبض وجهه على ضغينة ومد يده، ظن الكاتب الكبير أنه يود أن يصافحه فمد له يده بالسلام فإذا بالشاب ينحني مستجمعاً قواه ويطعن الشيخ الجليل في العنق بسكين لا تعرف الرحمة فيمزق الشرايين ويجز العنق ويترك أداته في عنق الشيخ ويهرب تاركا إياه غارقاً في دمه.
يومها سألوا القاتل:
- لماذا حاولت قتل الشيخ؟
- حاولت قتله لأنه كافر.
- هل قرأت له شيئاً؟
- أنا لا أقرأ للكفار.
صوت ينبع من قلب جماعات التكفير التي تروعنا الآن، وتسد أمامنا المنافذ، والتي قدمت الفتوى بأن نجيب محفوظ واحد من الكفار المرتدين.
رحم الله نجيب محفوظ الذي انطوت تجربته على تمجيد الإنسان، وكان من الكتّاب الاستثنائيين الذي أطلق يوماً باسمهم مقولته «أطبق الشر على الإنسان فأبدع الإنسان الخير في جميع المسالك».
سعيد الكفراوي