التفاعلات التي شهدتها الساحة اليمنية بمستجداتها الأمنية وامتداداتها الإقليمية والدولية كشفت عن تفاقم مسارات الأزمة الداخلية وانسداد فرص التوافق السياسي بشأن الأزمة الحاصلة بين الحكم والمعارضة التي أكدت التفاعلات الأخيرة أنها معقدة وأكبر من قدرة الأطراف السياسية على احتواء تداعياتها الخارجة على السيطرة .
ورغم مضي عام كامل على توقيع حزب المؤتمر الحاكم وأحزاب المعارضة في تكتل اللقاء المشترك (ستة أحزاب سياسية من اليسار والإسلاميين) اتفاق فبراير/ شباط 2009 الذي تم بموجبه تأجيل الانتخابات سنتين لإتاحة الفرصة للقوى السياسية للوصول إلى توافق بشأن الإصلاحات الدستورية والسياسية المطلوبة بما فيها تطوير النظام الانتخابي، لم تقدم هذه الأحزاب جديداً، بل أخفقت تماما في الوصول إلى توافق بشأن القضايا موضع الخلاف .
أعادت التفاعلات التي أنتجت اتفاق فبراير/ شباط 2009 مرة أخرى طرفي الأزمة إلى المربع الأول خصوصا بعد إعلان حزب المؤتمر الحاكم بزعامة الرئيس صالح الوصول إلى طريق مسدود في عملية الحوار السياسي مع المعارضة وتلويحه بخيارات تستبعد هذه الأحزاب من المعادلة فيما اعتبرته الأخيرة إعلاناً رسمياً بوقف الحوار الذي قالت إنه استهدف تمهيد الطريق لحزب المؤتمر الحاكم لإدارة الانتخابات المقبلة المقررة في إبريل/ نيسان 2011 منفردا .
ومنذ انعقاد مؤتمر لندن الذي شدد على المضي بمسيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية وتاليا مؤتمر الرياض الذي كرس لبحث دعم المانحين لجهود التنمية في اليمن خلت الساحة الداخلية من أي تفاعلات بشأن الإصلاحات الدستورية والسياسية ومعالجة الملف الانتخابي؛ فيما اكتفت صنعاء بمباشرة بعض الخطوات الإصلاحية والتي كان منها إعلان صنعاء وقف الحرب مع المسلحين الحوثيين وتكثيف عمليات المطاردة لخلايا تنظيم القاعدة في اليمن ومحاصرتها في البحرين العربي والأحمر، فضلا عن الشروع بإجراءات في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي رفعت فيها جزءاً من الدعم المخصص للمشتقات النفطية إلى مباشراتها إجراءات في إصلاح الجهاز الإداري إلى مشاركتها في مؤتمر الرياض الذي بحث في العوائق التي تحول دون تقديم دعم فعال لليمن ما يؤدي إلى حوار مشترك مع الحكومة اليمنية بشأن أولويات الإصلاحات المطلوبة فيما ينتظر إجراء تعديل حكومي مرتقب سيشمل وفقاً لمصادر حكومية تغييراً لعدد كبير من وزراء الحكومة ومحافظي المحافظات .
وباستثناء ذلك بقيت سائر الملفات السياسية الساخنة بين الحكم والمعارضة تراوح مكانها تماما كما بقي ملف القضية الجنوبية أسير تفاعلات خطيرة تنذر بكارثة في غياب مبادرات الاحتواء من جانب الحزب الحاكم الذي انزلق هو الآخر نحو العنف فضلا عن إعلان صنعاء لأول مرة حال الطوارئ في محافظة الضالع الجنوبية وسط اضطرابات تشهدها المحافظات الجنوبية بسبب تصعيد الحراك الجنوبي فعالياته الاحتجاجية .
وفي خضم التفاعلات الخطيرة في القضية الجنوبية بدا أن الفاعلين الرئيسيين في المعادلة السياسية اليمنية (الحكم والمعارضة ) اتجهوا إلى مايشبه سباق البحث عن الذرائع لإفشال جهود التوافق السياسي في ضوء اتفاق فبراير الذي وقعته مطلع العام الماضي لتأجيل الانتخابات سنتين ما دعا البعض إلى التعليق على أن الجميع أغلقوا آخر أبواب الأمل بل أضاعوا مفاتيح الحل .
ويرى كثير من المراقبين أن قضايا وعناوين الحوار السياسي وآلياته وأطرافه التي كانت العائق الأكبر أمام القوى السياسية في الوصول إلى صيغة توافق تفاقمت أكثر جراء تباين المواقف بين الحكم والمعارضة حيال ملف الحرب مع المسلحين الحوثيين ثم توسعت الهوة أكثر مع بروز التحديات الجديدة في ملف القضية الجنوبية وبخاصة في ملف المعتقلين السياسيين من نشطاء الحراك الجنوبي والمظاهر المسلحة والطابع العنيف الذي اعتمد صنعاء للتعاطي مع حركة الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية .
وتالياً توقف الحوار عند مطالب المعارضة بإشراك الحراك الجنوبي ومعارضة الخارج والحوثيين في الحوار لتضع هذه القضية كذلك ألغاما إضافية في أرضية الحوار السياسي والتوافق وتصاعدت التجاذبات بين الحكم والمعارضة إلى حد إعلان الأخيرة عزمها توجيه رسالة إلى الدول المشاركة في المؤتمر الدولي في العاصمة السعودية الرياض تتضمن موقف أحزاب المعارضة من مختلف القضايا الوطنية .
رؤية حكومية
ثمة من يرى أن قضية الحوار السياسي تفاقمت بصورة متسارعة غداة إعلان حزب المؤتمر الحاكم رسمياً توقف الحوار السياسي مع أحزاب المعارضة إلى اتهامها برفض التوصل إلى اتفاق من اجل تطبيق اتفاق فبراير الموقع بين المؤتمر والأحزاب الممثلة في مجلس النواب والذي تم على أساسة تأجيل الانتخابات النيابية إلى ابريل/ نيسان 2011 .
ويقول الدكتور عبد الكريم الارياني نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام أن أحزاب المشترك رفضت مختلف المقترحات التي قدمها المؤتمر من اجل التوصل إلى آلية لتنفيذ اتفاق فبراير وآخرها مقترحه حول التحضير لعقد مؤتمر للحوار الوطني الشامل تنفيذا للاتفاق .
ويقول حزب المؤتمر الحاكم إن اتجاه المعارضة نحو تشكيل لجنة التشاور الوطني التي باشرت بإجراء حوارات في المحافظات تمهيدا لمؤتمر وطني يبحث في حلول للأزمة اليمنية استناد إلى وثيقة الإنقاذ الوطني التي أعلنتها اللجنة التحضيرية لملتقى التشاور الوطني أحد العوامل التي فاقمت الخلافات بين المعارضة وحزب المؤتمر الحاكم الذي أعلن رفضه المطلق لإدارة حوار سياسي خارج القنوات الدستورية في إشارة إلى اللجنة التحضيرية للحوار الوطني .
المعارضة بررت اللجوء إلى إدارة حوار وطني تحت مظلة ملتقى التشاور الوطني، بالظروف العصيبة المهددة لوحدة واستقلال اليمن وسيادته وأمنه واستقراره وبعد حالة الانسداد السياسي الذي أنتجته السلطة قبل وبعد اتفاق فبراير 2009م إلى تفعيل آليات الحوار الوطني الشامل مع مختلف القوى والأطراف السياسية والاجتماعية الفاعلة في البلاد للوصول إلى رؤية مشتركة للإنقاذ الوطني ومنع حدوث الانهيار .
لكن الدكتور الإرياني رأى إن أحزاب المعارضة حاولت إلغاء شرعيتها السياسية واستبدالها بمسمى لجنة التشاور الوطني وفوجئنا مؤخرا بأنها تشترط أن نوقع الاتفاق مع ما سمي لجنة التشاور كممثل للمشترك إلى الدرجة التي قالوا فيها نحن لجنة التشاور في حين رفضت أحزاب المشترك كافة المقترحات التي قدمها المؤتمر من اجل التوصل إلى آلية لتنفيذ اتفاق فبراير وآخرها مقترحه حول التحضير لعقد مؤتمر للحوار الوطني الشامل تنفيذا لاتفاق فبراير 2009 .
ويقول قياديون في المؤتمر الحاكم إن الوثيقة استندت إلى اتفاق فبراير الذي تم على أساسه تأجيل الانتخابات النيابية إلى ابريل/ نيسان 2011 وفقا لمادته الأولى التي نصت على إتاحة الفرصة للأحزاب والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني لمناقشة التعديلات الدستورية اللازمة لتطوير النظام السياسي والنظام الانتخابي بما في ذلك القائمة النسبية .
رؤية معارضة
قياساً إلى ذلك رأت أحزاب المعارضة في تكتل اللقاء المشترك أن كل جولات الحوار السابقة التي خاضتها مع السلطة وحزبها تم تقويضها والتنكر لها بما في ذلك ما خلصت إليه من اتفاقات موقعة بين الطرفين بدءاً بتوصيات بعثة الاتحاد الأوروبي وقضايا وضمانات الحوار، وانتهاء باتفاق فبراير/ شباط 2009 الذي تم بموجبه تأجيل الانتخابات البرلمانية لعامين لإتاحة الفرصة الكافية لتنفيذ الإصلاحات الدستورية والقانونية الضرورية لتطوير النظام السياسي والنظام الانتخابي بما في ذلك القائمة النسبية التي ظل الحزب الحاكم يماطل في تنفيذها قبل الانتخابات البرلمانية حتى انقضت الأماد الزمنية للاستحقاقات الانتخابية قبل الانتخابات البرلمانية وهو الأمر الذي يتكرر اليوم .
ويؤكد قياديون في المعارضة أن السلطة وبعد التوقيع على اتفاق فبراير مباشرة ذهبت إلى تفجير الأوضاع العسكرية والأمنية في ردفان بمحافظة لحج الجنوبية ودخلت في مواجهات مسلحة مع المواطنين على خلفية استحداثات عسكرية في جبل الأحمرين تلتها مباشرة مجزرة زنجبار التي راح ضحيتها أكثر من 21 قتيلا من المواطنين المسالمين المشاركين في الاعتصام الاحتجاجي في المدينة تلاها تفجير الحرب السادسة في صعدة بامتداداتها الخارجية على الحدود السعودية والتي استمرت على مدى نصف العام .
ويشير هؤلاء إلى أن أحزاب المعارضة عمدت إلى التواصل مع المستشار السياسي للرئيس اليمني ممثل الحزب الحاكم الدكتور عبد الكريم الإرياني لإجراء لقاءات تشاوريه تمهيدية لضمان توفير المناخات السياسية والإعلامية الملائمة لإجراء حوار وطني شامل لا يستثني أحداً وإشراك القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالحوار وفقا لنص البند الأول من اتفاق فبراير كما قدمت على هذا الأساس رؤيتها لتنفيذ الاتفاق المتضمن الخيارين المقترحين من المشترك وبعد موافقة قيادة المؤتمر على الخيار الأول قبل التراجع عنه لاحقا تمت مناقشة مهام اللجنة التحضيرية المشتركة للحوار الوطني وفي آخر مسودة أبدى الحزب الحاكم رفضه المطلق القبول بإشراك اللجنة التحضيرية للحوار الوطني المنبثقة من التشاور الوطني كطرف مشارك في اللجنة المشتركة المقترحة إلى جانب أحزاب اللقاء المشترك الأمر الذي بدا غير مبرر .
لا حلول في الأفق
يتفق كثيرون على أن أطراف المعادلة السياسية في الحكم والمعارضة أضاعت مفاتيح الحل للأزمة اليمنية التي بدأت تأخذ مسارات خطيرة خصوصا مع تنامي حال الاحتقان في المحافظات الجنوبية وتنامي أعمال العنف التي شهدتها بعض المحافظات خصوصا بعد ظهور كيانات تنادي بالكفاح المسلح لما يسمونه احتلالا شماليا للجنوب وما رافق ذلك من تنفيذ هجمات مسلحة واغتيالات لمسؤولين مدنيين وعسكريين .
لكن قياديين في أحزاب المعارضة قالوا إن حزب المؤتمر الحاكم عندما يدعو للحوار أو عندما يعلن أن باب الحوار مفتوح فهو في الواقع يدعو إلى الحوار على وثيقة المحضر الذي اقترحه وليس الحوار على أساس اتفاق فبراير .
ويؤكد هؤلاء حاجة اليمن إلى الحوار الوطني الجاد المتكافئ والشامل لكل قضايا ومظاهر الأزمة الوطنية وجميع الأطراف والأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية الفاعلة في الداخل والخارج من دون استثناء فهو الآلية الوطنية السليمة الوحيدة المتاحة أمام اليمنيين حتى اليوم، كخيار الفرصة الأخيرة لوقف حالة الانهيار وإنقاذ الوطن من المآلات الكارثية التي ينحو باتجاهها .
ويشير هؤلاء إلى أن اتفاق فبراير/ شباط 2009 الموقع بين الأحزاب الممثلة في مجلس النواب لا يزال يشكل أساسا للتوافق الوطني ومصدرا لمشروعية المؤسسات التشريعية الحكومية ومرجعا للحوار الوطني الشامل .
وفيما يشترط حزب المؤتمر الحاكم إجراء الحوار من دون شروط مسبقة تشترط أحزاب المعارضة عدول الحزب الحاكم عن قراره المعلن بإغلاق الحوار الوطني والكف عن السياسات المتطرفة ونهج القوة والعنف والحروب الأهلية، والحلول العسكرية والأمنية العقيمة والكف عن استخدام ملف القاعدة والإرهاب لتبرير قمع المعارضة وتصفية الحسابات السياسية مع الخصوم السياسيين وكل الممارسات والسياسات المنتجة لثقافة الكراهية والمغذية لها مهما كان مصدرها .
لكن عضو المجلس الأعلى لتكتل أحزاب اللقاء المشترك المعارض حسن زيد يؤكد أن حزب المؤتمر الحاكم هو من رفض الخيار المقدم ضمن رؤية اللقاء المشترك لتنفيذ اتفاق 23 فبراير والذي طالب فيه اللقاء المشترك بتوسيع اللجنة التحضيرية للقاء التشاوري بعدد مماثل من قبل المؤتمر الشعبي العام وحلفائه .
ويشير زيد إلى أن المشترك لم يضع أي شرط للحوار مع المؤتمر لكنه وضع تصوراً لضرورة أن يكون الحوار الوطني تعبيرا عن روح اتفاق 23 فبراير أو تنفيذ اتفاق فبراير الذي تضمن في فقرته الأولى البحث عن آلية مشاركة كل القوى السياسة في إصلاح النظام السياسي، فضلا عن أن أحزاب اللقاء المشترك وضعت ضوابط للحوار لضمان ان يفضي هذا الحوار إلى نتائج حتى لا يخسر الحوار قيمته لأنه الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة اليمن .
ويلفت زيد إلى أن الحزب الحاكم يسعى لإضاعة الوقت ليس إلا ونحن أطلقنا لقاء التشاور الوطني ووصلنا إلى اللجنة التحضيرية ولكن للأسف المؤتمر الشعبي العام يريد أن يجهز على هذا المشروع الذي يعبّر عن الإجماع الوطني .